رواية حين كبرت وحيداً | الطفل الذي لم يعرف الطفولة
رواية حين كبرت وحيداً | الطفل الذي لم يعرف الطفولة

في أحد أحياء مدينة القاهرة، حيث لا تهدأ الشوارع، ولا تتوقف أصوات السيارات والبائعين، وُلد إبراهيم.كان طفلًا هادئًا، كثير التفكير، قليل الكلام. لم يكن يعرف أن السنوات القادمة ستجعله يكبر قبل أوانه، وأن طفولته التي كان من المفترض أن تكون مليئة باللعب والضحك، ستتحول إلى مسؤوليات أكبر من عمره.كان إبراهيم في التاسعة من عمره عندما بدأ العمل.في الوقت الذي كان فيه الأطفال في مثل سنه يحملون ألعابهم ويركضون في الشوارع، كان إبراهيم يحمل همومًا لا يفهمها طفل في التاسعة.كان يعود إلى البيت متعبًا، يجلس في صمت، ويحاول أن يخفي إرهاقه حتى لا يقلق أخوه الأصغر.يوسف.كان يوسف أصغر من إبراهيم بعامين، لكنه كان أقرب شخص إليه، وكأنه لم يكن مجرد أخ صغير، بل الجزء الوحيد من طفولة إبراهيم الذي استطاع أن يحتفظ به.كان يوسف ينتظر إبراهيم كل يوم.وحين يدخل إبراهيم البيت، كان يوسف يقترب منه بابتسامة صغيرة ويقول:"رجعت يا إبراهيم؟"فيبتسم إبراهيم رغم التعب ويجيبه:"أيوه يا يوسف."كان يوسف ينظر إلى وجه أخيه طويلًا، وكأنه يستطيع أن يرى التعب الذي يحاول إبراهيم إخفاءه.وفي يوم من الأيام، جلس يوسف بجوار إبراهيم وقال:"إنت تعبان؟"ابتسم إبراهيم وقال:"شوية."اقترب يوسف منه أكثر وقال:"طب ارتاح وأنا هقعد جنبك."نظر إبراهيم إلى أخيه، وشعر بشيء غريب في قلبه.كان يوسف صغيرًا جدًا، لكنه كان يعرف كيف يسانده.لم يكن إبراهيم يحتاج إلى كلمات كثيرة، وكان يوسف يفهم ذلك.مرت الأيام، وكبر إبراهيم وهو يحمل نفس السؤال في داخله:لماذا اضطررت أن أكبر بهذه السرعة؟كان يرى يوسف يلعب، فيبتسم له.لكنه عندما يختلي بنفسه، كان يشعر بالحزن.لم يكن يكره طفولة يوسف.بل كان يحب أن يراه يضحك.كان يشعر أن ضحكة يوسف تعوّضه قليلًا عن الأشياء التي حُرم منها.وفي إحدى الليالي، جلس الأخوان بجوار بعضهما.قال يوسف:"إبراهيم؟""نعم؟""لما أكبر، هساعدك."ضحك إبراهيم وقال:"إنت لسه صغير."رد يوسف بثقة:"هكبر."سكت إبراهيم لحظة، ثم وضع يده على رأس أخيه وقال:"خليك زي ما إنت يا يوسف... متكبرش بسرعة."لم يفهم يوسف وقتها لماذا قال إبراهيم تلك الجملة.لكنه ظل يتذكرها.أما إبراهيم، فكان يعرف جيدًا معناها.لأنه كان قد كبر بالفعل.كبر وهو في التاسعة.كبر قبل أن يعرف كيف تكون الطفولة.ومع مرور السنوات، بدأ إبراهيم يكتشف أن أصعب شيء في الحياة ليس أن تعمل وأنت صغير...بل أن تعتاد على تحمل كل شيء وحدك.لكن إبراهيم لم يكن وحيدًا تمامًا.كان لديه يوسف.وكان يوسف يرى في إبراهيم أخًا أكبر يحبه، بينما كان إبراهيم يرى في يوسف الشيء الوحيد الذي جعله يتمسك بابتسامته.وفي تلك الليلة، قبل أن يناما، نظر يوسف إلى إبراهيم وقال:"إنت مش هتسيبني، صح؟"نظر إبراهيم إليه طويلًا، ثم ابتسم وقال:"عمري ما هسيبك."لم يكن إبراهيم يعرف أن هذه الجملة ستكون وعدًا سيحاول الوفاء به مهما كلفه الأمر.ولم يكن يعرف أيضًا أن الأيام القادمة ستضع الأخوين أمام اختبار أكبر من أعمارهم...اختبار سيجعل إبراهيم يفهم لماذا كبر وحيدًا، ولماذا كانت طفولته هي أول شيء خسره في حياته.
