"سر رافن"
"سر رافن"
البارت الرابع — سر رافنكان رافن يركض في الممر الضيق، وأريانا خلفه تحاول مجاراته.كانت أصوات الكائنات الفضائية تقترب من خلفهما، وأضواء حمراء بدأت تومض على الجدران.قالت أريانا وهي تلهث:— رافن، استنى!لم يتوقف.— مفيش وقت.— أنا مش هتحرك خطوة واحدة تاني قبل ما تفهمني!توقف رافن فجأة.كادت أريانا تصطدم به.التفت إليها، وكانت ملامحه مختلفة تمامًا عن هدوئه المعتاد.— لو وقفت دلوقتي، ممكن نموت إحنا الاتنين.— وإنت فاكر إن ده هيخليني أثق فيك؟صمت.اقتربت منه أريانا.— إنت قلت إنك كنت واحد منهم.— أيوه.— كنت بتعمل إيه معاهم؟أخذ رافن نفسًا عميقًا.— كنت واحد من البشر اللي اشتغلوا معاهم.— يعني إنت إنسان؟نظر إليها طويلًا.— أيوه.شعرت أريانا براحة غريبة، لكنها لم تظهرها.— طب ليه شكلك وكلامك كأنك عارفهم من سنين؟— لأن ده حقيقي.ثم تابع:— قبل الغزو بسنوات، ظهرت أول إشارات لوجودهم. حكومات كتير عرفت، لكن بدل ما تحذر الناس، حاولت تتواصل معاهم.— وإنت كنت جزء من ده؟— كنت صغير وقتها، لكني كنت أشتغل في مركز أبحاث.نظرت إليه أريانا باستغراب.— وماذا كنت بتعمل؟— كنت أراقب الأجهزة اللي بتقيس الإشارات اللي بتطلع منهم.سكت قليلًا.— في البداية افتكرنا إنهم جايين للسلام.— وبعدين؟نظر إلى الأرض.— اكتشفنا إنهم كانوا بيدرسونا.— البشر؟— كل شيء فينا. طريقة تفكيرنا، خوفنا، ذاكرتنا، وحتى طريقة اتخاذ القرارات.شعرت أريانا بقشعريرة.— وعشان كده بدأوا التجارب؟أومأ.— كانوا عايزين يعرفوا إزاي يسيطروا على عقل الإنسان بدون ما يدمروه.قالت أريانا بغضب:— وإنت كنت بتساعدهم؟— في البداية.— وفي النهاية؟رفع عينيه إليها.— في النهاية فهمت إنهم مش شايفين البشر ككائنات حية.صمت لحظة.— كانوا شايفيننا أدوات.تغير وجه أريانا.— وعشان كده هربت؟— عشان كده حاولت أوقفهم.وفجأة صدر صوت من نهاية الممر.اقترب رافن من أريانا بسرعة.— لازم نكمل.بدأا بالتحرك مرة أخرى.وصل الاثنان إلى غرفة صغيرة مخفية خلف باب معدني.أغلق رافن الباب.ثم جلس للحظة يستعيد أنفاسه.جلست أريانا بجانبه.ساد الصمت.كانت المسافة بينهما صغيرة.قالت أريانا:— إنت كنت ممكن تسيبني وتهرب.— أيوه.— لكنك ما عملتش.نظر إليها.— مش هسيبك.تسارعت دقات قلبها.حاولت إخفاء ارتباكها.— ليه؟لم يجب مباشرة.فقط نظر إلى عينيها.— مش عارف.ابتسمت أريانا ابتسامة صغيرة.— أول مرة تقول حاجة مش عارفها.ابتسم رافن.— متعود أكون عارف كل حاجة.— واضح.ضحكا بهدوء للحظة، وكأنهما نسيا أن العالم الخارجي ينهار.لكن اللحظة لم تستمر.بدأت يد أريانا تضيء مرة أخرى.اختفت ابتسامتها.— رافن...اقترب منها.— العلامة.ظهرت خطوط مضيئة على ذراعها، ثم امتدت حتى كتفها.قال رافن بقلق:— متخافيش.— أنا مش خايفة.لكن صوتها كان يرتجف.— أنا معاكي.وضعت أريانا يدها فوق يده.— عارفة.نظر رافن إلى يدها فوق يده، ثم إليها.للحظة لم يقل أي شيء.ثم بدأ الضوء يهدأ.قالت أريانا:— هو إيه اللي بيحصل لي؟أجاب:— مش متأكد.— بس إنت قلت إني المفتاح.— لأنهم كانوا بيبحثوا عن شخص يقدر يقاوم سيطرتهم.— وأنا؟— إنتِ مش بس بتقاومي.اقترب رافن من الشاشة الصغيرة في الغرفة وفتح ملفًا.ظهرت صورة قديمة.كانت لطفلة صغيرة.أريانا.توقفت في مكانها.— دي أنا؟أومأ.— الصورة دي اتاخدت قبل سنوات من الغزو.— بس مين صورني؟فتح ملفًا آخر.ظهر اسم والدها.اتسعت عيناها.— بابا؟قال رافن:— والدك كان يعرف عنهم.سكتت أريانا.بدأت ذكريات قديمة تظهر في عقلها.غرفة بيضاء.أصوات رجال.والدها يمسك يدها.ثم صوت امرأة يقول:"الاختبار نجح."وضعت أريانا يدها على رأسها.— أنا فاكرة...اقترب رافن منها.— إيه اللي فاكره؟— مكان أبي.— فين؟رفعت رأسها.— في مكان تحت الأرض.— تعرفي مكانه؟— لا... بس أعرف إنه كان بيقول لي دايمًا: "لو السماء سقطت يومًا، لا تثقي في الغرباء."نظر رافن إليها بصمت.ثم قال:— كان يقصدهم.هزت رأسها.— لا.— إيه؟نظرت إليه.— كان يقصدك أنت.ساد الصمت.تغير وجه رافن.— أريانا...— أنت قلت إنك كنت واحدًا منهم.— وقلت لك إني تركتهم.— بس أنا مش عارفة ليه.اقترب منها.— لأنني كنت أعرف أنك ستظهرين يومًا.نظرت إليه بدهشة.— من سنين وأنا أبحث عنك، لكن عندما وجدتك...توقف.— إيه؟خفض عينيه.— ما قدرتش أعتبرك مجرد مهمة.لم تعرف أريانا ماذا تقول.شعرت بدفء غريب في قلبها رغم كل الخوف المحيط بها.لكن قبل أن تتحدث، اهتز الباب بعنف.رفع رافن رأسه.— لقونا.وقف بسرعة.— لازم نخرج من هنا.— ومنين؟فتح جزءًا مخفيًا من الجدار.ظهر ممر مظلم.دخلت أريانا، ثم التفتت إليه.— رافن!— نعم؟— مهما حصل...مدت يدها إليه.— متسبنيش.نظر إلى يدها.ثم أمسكها.— مش هسيبك.دخل الاثنان الممر.وخلفهما بدأ باب الغرفة في الانهيار.لكن قبل أن يختفيا تمامًا، ظهرت صورة والد أريانا على إحدى شاشات المختبر.وتحت صورته ظهرت جملة واحدة:"والد أريانا لا يزال حيًا."توقفت أريانا في مكانها.— بابا...أما رافن، فظل صامتًا.لأنه كان يعرف الحقيقة.وكان يعرف أيضًا أن والد أريانا لم يكن أسيرًا لدى الفضائيين...بل كان يعمل معهم.يتبع...