رواية خطوط الجاذبية الأولى | الجزء الأول :سَكْبُ الرَّماد
رواية خطوط الجاذبية الأولى | الجزء الأول :سَكْبُ الرَّماد
[ ﷽ ] ----------------كانت ساحة الجامعة تعجّ بالحياة؛ أمواج من الطلاب يتحركون في كل اتجاه، أصوات احاديثهم المزعجه يرن في اذني مثل طنين الباعوض، مرت امامي مجموعه من الشبان الذي ترتسم في محياهم البسمه، على ماذا هم فرحون لا أفهم! من أين يأتون بهذا الطاقه الايجابيه في الصباح الباكر بينما يترتب عليهم ترك منازلهم الدافئه و الخروج في هذا الصقيع كي يتحولوا لايسكريم بنكهة البشر ، لا أعرف بماذا فكرت أدارت التعليم حين وضعت قرار كهذا! استمعت لأحاديثهم النشطه فأصواتهم من علوها ستصل الي النص الآخر من العالم. لكني عرفت الان لما هم سعداء، لا بد انهم ذلك النوع من الطلاب، الذين ينهون المنهج مرتين في اليوم دون عناء ، كم احسدهم فأنا فاشل في الدراسه لابعد حد وهذا ليس مجرد تشائم أو حديث فارغ، بل حقيقه علميه مؤكده فقد حصلت علىّ نسبت 50٪ في امتحان الالتحاق بالجامعه. صدقوني حتى انا متفاجئ مثلكم، فهذه أكبر درجه احصل عليها في حياتي ولا علم لي كيف فعلتها، ربما اشفق على الحظ و وقف في صفي تلك المره ثم و ترك جانبي الي الأبد. اكملت سيري لداخل الممرات الداخليه، فأنا بالفعل متأخر عن المحاضره. هل اتخطاها هذا المره؟ ...يا الهي كم تغريني هذه الفكره لكن للأسف لا يمكنني، فالجميع سيلاحظ ذلك خصوصاً ذلك المعتوه لي نو و سيخبر المعلم ليخصم من درجاتي والتي هي بالكاد تعادل الصفر. تنهدت بأسي مستسلم لمصيري المحتوم، وعندما كنت على وشك الالتفاف حول احد المنعطفات اصتدم بي نيزك أحمر مسرع ! "الا ترى أمامك يا هذا " صاح النيزك اوه، صار الأمر خطأي انا، يا الهي الصبر "اظن ان عليك الاعتذار بدلا عن الصياح فأنت من كان يركض باعين مغلقه "اجبته ببرود، أعقد يدي معا. رفع النيزك رأسه لتبان علامات حمراء كالصفعه على وجهه الوسيم. حسنا... هذا ما يحدث حين ترتطم بجدار من الدهون مقداره 80 كيلواجرام.والذي بالمناسبه هو انا... اعرف بماذا تفكرون، أجل انا عملاق. لم اهتم لما سيقول النيزك و اكملت سيري نحو ممر القاعه الدراسيه. . . دفعت الباب الخشبي الثقيل للقاعة.وحالما انفتح الباب ، توجهت نحوي على الفور مجموعة من العيون الفضولية. الم يروا بشراً متأخر من قبل؟ "لماذا تأخرت اليوم يا سيد كيم؟"جاء صوت الأستاذ هادئاً لكنه حازم من مقدمة القاعة."لقد اصتدم بي نيزك اثناء الطريق "صرحت بالحقيقه ببساطه تنهد الأستاذ وهو يعدل نظارته: "لا بأس، ادخل وسأسامحك هذه المرة، لكن لا تكررها."أومأت براسي له، مررت نظري حول المكان ابحث عن ماوي، ثم راين مقعد خاوي عند الزوايه الخلفيه واتجهت اليه. وبسبب تسرعي وضيق ممر المرسم و اكتساده باللوحات المتقاربه، مقارنة بحجم جسدي الممتلئ، ارتطم كوعي بحامل خشبي، لتسقط لوحة أحد الطلاب على الأرض محدثة صوتاً مدوياً.اعتذرت له بهدوء ثم هممت بالانحناء لرفع اللوحه. لكن الطالب صاحب اللوحة سبقني ، والتقطها ثم نظر إلى بابتسامة حملت الكثير من التهكم، وقال بصوت مسموع لمن حوله:"لا بأس.... بعد كل شيء، هذه الممرات صُممت للبشر الطبيعيين ولا تتسع لحجمك الخارق! ربما من الأفضل أن تجلس في المقدمة مستقبلاً، بعيداً عن لوحاتنا كي لا تسقط المزيد من الأشياء بسبب اندفاعك."انفجرت ضحكات مكتومة في أرجاء القاعة،انقبضت معدتي بألم حاد ومألوف، قبضت على يدي حتي أبيضت مفاصلي، لا... لا يمكنني ضربه هنا وأمام المعلم. لم انطق بحرف بينما استمر الآخر بالقاء نظرات السخريه الخرقاء، سوف يندم... تحركت بخطى ثقيلة وجلست على مقعد الزاويّ المعزول في الخلف.حاولت تجاهل المهزله التي حصلت والتركيذ على الدرس ، سحبت لوحتي البيضاء أقرب إلى ، وأمسكت بقلم الفحم متمنياً أن تختفي كل خطوه العالم حولي وتحبس داخل تفاصيل لوحتي وربما بعدها ارتاح فقط من البشر المزعجين .مع إعلان الأستاذ نهاية المحاضرة، انتظرت حتى فرغت القاعة تماماً لاخرج آخر الطلاب فلا اريد اي اختلاط مع قطيع الخرفان هؤلاء . وضعت سماعاتي حول عنقى ، و تركت خصلات شعري الجميله تنسدل فوق عيني لتخفي ملامحي الباهتة . رأيت الطالب الأحمق يتحدث مع طالب آخر لأتجه نحوه و ارتطم بكتفه بقوة، وللحظه سمعت تقطقه عظام باهتة. "اوه، أسف لم انتبه الممر كان ضيق قليلاً"سخرت وانا اتظاهر بالإعتذار، لم اعطيه فرصه ليرد وسرت مبتعد. ابتسمت برضى لنفسي وانا ابتعد متظاره بعدم سماع صراخه المزعج خلفي . تحركت قدماي تلقائياً نحو كافتيريا الجامعة، فلا شيء يرمم الروح بعد الرسم ... إلا الطعام .وقفت أمام خط الخدمة حيث يصطف الطلاب لشراء وجباتهم.مررت نظرة سريعة على قائمة الطعام اليومية، لتلمع عيناي بحماس ؛ لقد كانت يقدموا الجاجانغميون اليوم! (نودلز الفاصوليا السوداء الكثيف والدسمة)وجبتي المفضله! تحركت بحذر بعد أن استلمت طعامي وجلست في زاوية بعيدة ومنعزلة، منذ بدايه العام وهذا مكاني، والذي لسبب ما لا يجلس فيه احد، او بالاصح، لا يجلس احد في قطر طوله عشر أمتار من مكاني... وذلك كان أفضل، ارتدى سماعات الرأس، لتنساب في مسمعي في الحال نغمات هادئة لعازف الكمان المفضل لدي. فصلت عيدان الطعام ولعابي يكاد يسيل من جوعي. وقبل أن اهنأ بقضمتى الأولى... امتدت يد وقحة اطاحت بصينية طعام بعيداً، لتسقط النودلز الدسمة على الأرض وتتناثر الصلصة السوداء في كل مكان. تجمدت يدي في الهواء، وجحظت عيني وانا أرى طعامي العزيز ينسكب على الأرض، ياله من إهدار لم اتناول حتى ربع قضمه.نزعت سماعاتي بعنف والتفت لأرى الفاعل. ولم يكن سوى لي نو يقف ومعه رفيقاه، والابتسامة القذرة تشق وجهه المستفز.متنمر الجامعه المشهور، الذي يظن أنني لقمه سائغه له، لكن صدقوني كل ما يمنعني من لمسه هو والده، والذي يكون عميد الجامعه المعاقه التي تطئها اقدامي. وضع يديه في جيوبه وانحنى قليلاً نحوى ، سأل بسخرية :"ماذا يا فيل؟ أكنت ستأكل كل هذه الدهون دفعة واحدة لتصبح شبيهًا بالعمالقة؟ ألا ترى أن الكافتيريا بالكاد تتسع لكرشك، وتريد ملأه بالمزيد؟"شعرت بحرارة تصعد إلى وجهي، الصداع تكثف خلف عينيّ ليصبح نابضاً كالمطرقة. لم أعد أرى أمامي سوى اللون الأحمر. تباً للعميد، وتباً للعقلانية، وتباً للجامعة وقوانينها!سوف اقتله! اطلق الكرسي الخشبي صرخة محتضرة حادة أثارت انتباه الكافتيريا بأكملها.نظرتُ إلى لي نو بعينين تشتعلان ناراً ، وتقدمتُ خطوة نحو جسده الضئيل مقارنة بحجمي، ممسكاً بقبضتي بقوة جعلت عروق ذراعي تبرز بشكل مخيف."أعد ما قلته لتو.. " نفثتُ الكلمات من بين أسناني بنبرة منخفضة مغتاظه ، جعلت الابتسامة تختفي فجأة من على وجه لي نو، وحل مكانها ارتباك خفي وهو يرى الفيل الساخر يوشك على سحقه.اظن أنني قد اصمت لقد حذرته من اللعب معي، فلا يلم سوى نفسه لما سيحدث الان. وقبل أن تفرغ قبضة يدي شحنة الغضب الأعمى في وجهه المقرف، وتحديداً قبل أن أتحول رسمياً إلى مجرم هارب من العدالة داخل أسوار الجامعة، امتدت يد قوية غريبة واستقرت على صدري ، دافعة إياي للخلف. "أعتقد أن النودلز قد سقطت بالفعل، ولا حاجة لأسنانك أن تسقط وراءها يا صاح " قاطعني صوت مألوفاً، حيوياً لدرجة مستفزة .نظرت نحوه بطرف عيني، ويالها من مفاجأة.. إنه هو! النيزك الأحمر من الممر سابقاً !وقف الفتى ذو السترة الحمراء والشعر الناري حائلاً بيني وبين لي نو، وكان يضع يديه في جيوب سترة الرياضة ، ويلتفت نحو لي نو وعصابة الخرفان خلفه بنظرة حادة ومستهزئة جعلت الأخير يتراجع خطوة إضافية للخلف."من أنت بحق الجحيم؟ وما دخلُك بنا؟" صاح لي نو محاولاً استعادة كبريائه المهدور أمام الكافتيريا التي تراقب المشهد بصمت.عدل النيزك الأحمر وقفته، وقال بنبرة باردة وابتسامة ساخرة شقت وجهه: "أنا شخص لا يحب رؤية النفايات البصرية في مكان عام.. اترك المكان الآن قبل أن أضطر لتغيير ملامح وجهك الوسيم هذا."نظر لي نو إليّ، ثم نظر إلى الفتى الرياضي الواقف أمامه، وشعر على ما يبدو أن ميزان القوة لم يعد في صالحه. بصق على الأرض بقرف، وتمتم بكلمات غير مفهومة وهو يشير لرفيقيه بالانسحاب: "لقد نجوت هذه المرة يا فيل.. لكن الأيام بيننا."تلاشت خطواتهم المزعجه نحو البوابة، ليعود الهدوء يلف المكان. تنفستُ الصعداء، وشعرتُ بوخزة ألم مألوفة تنهش معدتي الفارغة، بينما عاد الصداع ليضرب رأسي بقسوة.التفت النيزك الأحمر نحوي فجأة، وتفحصني من أعلى لأسفل بأعين يملأها القلق : "هل أنت بخير؟ لم يصبك مكروه، أليس كذلك؟""أنا بخير.. لستُ زجاجاً لينكسر من دفعة خرقاء،" أجبته ببرود ونبرة جافة، رغماً عن شعوري بالامتنان الخفي لتدخله.عدلتُ حقيبتي على كتفي واستدرتُ لأغادر، فلا رغبة لي في البقاء وسط بركة الجاجانغميون الحبيب المسكوبة على الأرض، وازيد الم قلبي. "مهلاً لحظة!" هتف الفتى خلفي وهو يضيق عينيه بتركيز، ثم قفز خطوة للأمام ليصبح في مستوى نظري وابتسامة واسعة ومفاجئة تشرق على وجهه: "الستَ الفتى نفسه من الممر؟ "هل استوعب الأمر الان فقط.... أهو أحمق لذلك الحد ؟ تنهدتُ بقلة حيلة لكن اجبته باختصار : "أجل. "ضحك الفتى بمرح صاخب جذب بعض الأنظار مجدداً، ثم مد يده نحوي بثقة:"أنا تشوي جونغهو، طالب مستجد في قسم التربية البدنية والرياضية."نظرتُ ليده الممدودة لثوانٍ، وتذكرتُ كم أكره البشر والتعارف الغبي، وكل ما يحتاج لحديث... لكن الفتى ساعدني فلا ضرر في مجرد مصافحه: "كيم سوكجين.. فنون جميلة.""اسم جميل، سوكوجين هيونغ " نطقها بعفوية كأنه يعرفني منذ سنوات وابتسامه سعيده تحتل شفتيه. "من سمح لك مناداتي بهيونغ! "سحب يده ووضعها خلف رأسه بحرج طفولي وهو يتلفت حول الكافتيريا الكبيرة: "في الحقيقة.. أنا ضائع تماماً هنا. هذا أول يوم لي في الجامعة، والمباني تبدو كمتاهة معقدة. هل بإمكانك تعريفي على المكان؟ هيونغ "ذلك المزعج تجاهل سؤاليوهل قال مرافقه ان آخر ما أريده هو نيزك من الطاقة الإيجابية في يوم كهذا، لكن معدتي كانت تؤلمني، والصداع يحتاج لِكوب قهوة أسود دافئ.. "حسناً يا تشوي جونغهو.. اتبعني، وسأريك كيف تنجو في هذه المتاهة،" أجبته بنبرتي الساخر ، وأنا أتحرك اخطو نحو المخرج، بينما انطلق النيزك الأحمر بجانبي بخطوات خفيفة كأنه يراقص الأرض.هذا الفتى غير طبيعي بالمره. . . استغرقت رحلة التعريف تلك اليوم بطوله. وذلك ليس لأن الجامعة واسعة بمبانيها المتعدده فحسب، بل لأن هذا النيزك المدعو جونغهو كان ثرثاراً بشكل مرعب، ويمتلك مخزوناً من الأسئلة والطاقة يكفي لإدارة كوكب كامل.كان من المستحيل التخلص منه؛ فكلما حاولتُ التذرع بحجة للمغادرة، تذكر فجأة أنه يريد رؤية قاعة الرسم، أو الاستفسار عن موقع المكتبة المركزية، أو حتى معرفة رأيي في جودة شطائر الكافتيريا الغربية.رغماً عن صبغة الغيظ التي غلفت يومي، إلا أنني استمتعتُ برفقته.. نوعاً ما، لكنني بالطبع لن أعترف له بذلك أبداً، ولن أكرر الأمر ابداً. انقضت الساعات وتلاشت الحشود، ليحل الغسق برذاذه البارد مصحوباً بوشاح الليل الداكن الذي بدأ يلتف حول شوارع سيول العتيقة.سرت في ممر المشاة بخطى بطيئه، وجسدي الـمُتعب يئن تحت وطأة الصداع الذي عاد لينهش صدغيّ بقسوة. نظرتُ للسماء المتشحة بزرقة قاتمة، وتمتمتُ في نفسي بسخرية: "ها قد انتهى يوم آخر من هذه الحياة الرتيبة.. يوم آخر من استهلاك الأكسجين ومقاومة نظرات البشر القذرة، دون أي إنجاز يُذكر سوى أنني نجوت، وحافظت على ما تبقى من عظامي سليمة." و بعد دقائق قليله وقفتُ أخيراً أمام باب منزلي، ذلك المكان الذي من المفترض أن يمنح المرء الدفء والأمان، لكنه بالنسبة لي لم يكن سوى ساحه أخرى على تجاوزها حتى ينتهي اليوم . أخذتُ نفساً عميقاً، وضغطتُ على مقبض الباب الحديدي البارد . َدلفتُ إلى الداخل الذي كان غارقاً في صمت ثقيل . ألقيتُ نظرة سريعة على الرواق والصالة المظلمة؛ لحسن الحظ، لم يكن هناك أحد في الأنحاء. يبدو أن والدتي العزيزة وشقيقي الأكبر لم يعودا بعد، أو أنهما يتجنبان التواجد في الأوقات التي أعود فيها ، وهذا كرمٌ إلهي أشكر الحظ عليه.صعدتُ إلى غرفتي ثم ألقيتُ بحقيبتي جانباً، وتخلصتُ من ملابس الجامعة الخانقة لأرتدي ملابس نومي الفضفاضة والواسعة ، والتي تُعد المخلوق الوحيد في هذا العالم الذي يتقبل حجمي دون تذمر.نزلتُ إلى المطبخ مجدداً، وشعرتُ بجوع ينهش معدتي. بدأتُ بإخراج المكونات والأدوات من الثلاجة والخزائن، وارتسمت على شفتي ابتسامة لا اراديه وانا افكر باطباق اليوم .في الحقيقة، أنا أحب الرسم لأبعد حد، وأقدس الألوان.. لكن بالنسبة لي، لا يوجد ما هو أفضل وأجمل من رسم أطباق الطعام وتنسيقها؛ فالطهي هو الفن الوحيد الذي يمكنك أن تأكله بعد أن تنتهي من إبداعه.أمسكتُ بسكين الطاهي الحاد، وبدأتُ بتقطيع الخضراوات باحترافية وسرعة لتتساقط كبتلات جميله على الطبق ؛ إيقاع السكين على اللوح الخشبي كان يبدو كمعزوفة موسيقية بديعه تطرد طنين الصداع من رأسي.وضعتُ المقلاة على النار لتصدر ازيز يزيدني طرباً ، وبدأتُ بمزج التوابل والصوصات كمن يخلط ألوان الإكريليك على لوحة فنية لتشكيل اللمسة المثالية. كنتُ مستمتعاً لأبعد حد، غارقاً في تفاصيل إبداعي ، والروائح الزكية التي تصاعدت في الأجواء كانت بمثابة الضمادة الدافئة التي تداوي جروح روحي المكسورة من الحياه .سكبتُ الطعام في اطباقه المناسبه ، ونسقته بطريقة تليق بمعرض فني، ولم أنتظر ثانيه قبل تناوله بشراهة مطلقة مدفوعاً بتلك الشهية المفتوحة دائماً والتي لا تشبع أبداً، واظن ان ذلك واضح من وزني الضخم. وما إن وضعتُ اللقمة الأخيرة في فمي، حتى تحرك مقبض الباب الخارجي يعلن وصول العاصفة.تيبس جسدي في مكاني، و دلفَت والدتي إلى الصالة، كانت تبدو أنيقة كالعادة بملابسها الرسمية، مرت بجانبي وكأنني مجرد قطعة أثاث زائدة في المنزل؛ لم تنظر إليّ، ولم تنطق بكلمة ترحيب أو تسأل كيف كان يومي.. لا شيء سوى التجاهل التام.حسنا لقد اعتد على ذلك منذ سنوات لكن يبقى الأمل موجود انها ستلاحظني يوماً ما. تحركت بخطواتها الواثقة نحو السلالم لتصعد إلى غرفتها، وقبل أن تطأ قدمها الدرجة الأولى، توقفت فجأة دون أن تلتفت نحوي، وجاء صوتها حاداً وخالياً من أي عاطفة أمومة:"سوكجين.. لا تنسَ تناول الحبوب الخاصة بك قبل أن تنام."نزلت كلماتها كالسكين المسموم في صدري، لتتبخر كل متعة شعرتُ بها أثناء الطهي ، تابعتْ صعودها وكأنها لم تحطم ما تبقى من روحي للتو.أنا لا أتناول تلك الحبوب برغبتي، بل أبتلعها مجبراً كي أشتري ودها ، ولاجل ان أتفادى نظرات القرف التي ترميني بها كل صباح.اليس ذلك مضحكاً أن أشتري ود أمي وتقبلها؟ صعدت الي غرفتي و تحركتُ نحو خزانتي مباشراً، أخرجتُ علبة حبوب إنقاص الوزن ، وضغطت على الشريط لأخرج تلك الحبة الرمادية الصغيرة. وضعتها في فمي وتجرعتها بدفعة ماء واحدة. أن لها طعم مقرف للغايه كأنني أضع في فمي بيضاً فاسداً . لم البس كثيرآ حتى شعرتُ بأثار الدواء، ثقل يجتاح جفوني.الصداع العنيف و الخمول هاجماني معاً كالعاصفة، تلك الرماديه ليس من وصفِ طبيب ما بل من متجر مجهول ، امي فقط تعرفه، ولها الكثير من الآثار الجانبيه السيئه، عن نفسي لست امانع حتى إذا امرضني أو قتلني ذلك .تلمستُ طريقي نحو سريري بصعوبة، ودثرتُ جسدي الضخم تحت الأغطية الثقيلة، مستسلماً لسلطان النوم. على أمل أن يطول هذا النوم ولا أضطر للاستيقاظ قريباً.