خطوط الجاذبية الأولى | الفصل الثاني :شَرَارَةٌ حَمْراء في زَاوِيَةٍ
خطوط الجاذبية الأولى | الفصل الثاني :شَرَارَةٌ حَمْراء في زَاوِيَةٍ
------------------اخترقت أشعة الشمس الصباحية ستائر غرفتي بقسوة، لتنعكس على وجهي النائم .استيقظتُ وجسدي يَئِنُّ من الخمول، ومعدتي تقلب غثياناً بسبب تلك الحبة الرمادية التي ابتلعتها بالأمس. الصداع المزعج استوطن رأسي مجدداً كعقوبة على كوني ما زلتُ أتنفس.جرجرتُ جسدي الضخم نحو الحمام، نظرتُ للمرآة بسخرية: وجه شاحب، هالات سوداء، وخصلات شعر مبعثرة.. منظر مثالي لرجل يوشك على خوض معركة مع ممرات الجامعة المقرفة. ارتديتُ ملابسي ، وخرجتُ من المنزل دون أن ألقي بالاً لأحد، فمزاجي المتعكر منذ الصباح كفيل بإشعال حريق في أي نقاش.وصلتُ إلى بوابة الجامعة وأنا أضع سماعاتي على موسيقى الكمان العذبة، متمنياً أن تحدث معجزة وتشتعل الجامعة بمن فيها . لكن، يبدو أن قوانين ميرفي وضعتني في رأس قائمتها اليوم، ليس وكأن الحظ كان معي يوماً. لم أكد أخطو ثلاث خطوات داخل الساحة الرئيسية، حتى انشق الحشد فجأة، وظهر من بين الصفوف ذلك النيزك الأحمر المزعج! كان جونغهو يركض نحوي، وشعره الناري يتطاير في الهواء، ووجهه يفيض بحيوية ونشاط يثيران الرعب في قلب أي عاشق لنوم مثلي .من أين يستمد ذلك الفتى طاقته حقا! "جين هيونغغغ! صباح الخير!" صرخ بأعلى صوته وهو يلوح بيده، وكأنه لم يرني منذ قرن وليس وكأننا كنا في وجوه بعضنا طوال يوم أمس. "يا إلهي، امنحني الصبر أو امنح هذا الفتى قفلًا لفمه،" تمتمتُ في سري وأنا أغير مساري فوراً متظاهراً بأنني لم أسمعه، وزدتُ من سرعة خطواتي الثقيلة محاولاً الابتعاد عنه وتضييعه بين الطلاب.لكن، كيف يمكنك الهروب من شخص تخصصه الجامعي هو الركض؟في لمح البصر، شعرتُ بظله يقترب، وقبل أن ألتف حول المنعطف، قفز فجأة ليصبح أمامي مباشرة، مرجعاً جسده للخلف بخفة وهو يسير بطريقة عكسية ، والابتسامة المشرقة تشق وجهه المستفز."لماذا تسرع هكذا يا هيونغ؟ كدتُ أظن أنك تتهرب مني!" قالها وهو يلهث بخفة، وعيناه تشعان... حرفياً. نظرتُ إليه بطرف عيني، ونزعتُ جهة واحدة من السماعة بقله صبر و صرحت ببرود : " أنا فقط أحاول الحفاظ على ما تبقى من خلايا دماغي السليمة في هذا الصباح. أليس لديك محاضرات بدنية تركض فيها بدلاً من الركض خلفي؟"ضحك بمرح غير متأثر بردودي الجافة : "محاضراتي لا تبدأ إلا بعد ساعة، ووجدتُ أن أفضل طريقة لقضاء الوقت هي مرافقة مرشدي السياحي المفضل! إلى أين نحن ذاهبون الآن؟""أنا ذاهب لقاعتي.. بمفردي،" شددتُ على الكلمة الأخيرة واستدرتُ لأتجاوزه، لكنه ببساطة التف وواكب خطواتي، ضاماً يديه خلف ظهره كأنه طفل يتبع والدته في السوق.لم يترك لي أي خيار أو مساحة شخصية للرفض. لقد قرر هذا النيزك رسميًا أن يتشبث بمداري، ومهما حاولتُ الابتعاد، كان يتبعني كظلي المزعج .و استمر جونغهو في تتبعي خلال اليوم بأكمله، ثم اليوم الذي بعده، والذي يليه.... حتى غدا وكأنه ظلي الذي لا يفارقني . والأدهى من ذلك، أننا صرنا نتناول طعام الغداء معاً في كافتيريا الجامعة. لا تظنوا أنني وافقتُ على هذه الشراكة بكامل إرادتي، إطلاقاً! كل ما في الأمر أنني لم أكن أملك الطاقة الكافية لجدال شخص ثرثار ذي رأس يابس كالصخر، يمتلك قدرة مرعبة على تحويل كل كلمة "لا" أنطق بها إلى مقال من وستمائة كلمه. لذا، استسلمتُ وتركتُه على راحته، على الأقل كان يمثل درعاً بشرياً يبعد عني نظرات لي نو وعصابته المقرفة.انا فضولي نوعاً ما لأعرف لماذا لي نو لا يجادله أو يتشاجر معه، لكن في النهايه استفد منه. وبينما نجلس في زاويتي المعزولة المعتادة. كنتُ أحرك عيدان الطعام ببطء، منشغلاً ببلع طعامي ومقاومة الصداع المزمن والذي أصبح لازمني بشكل مزعج الفتره الماضيه. كان جونغهو مسترسلاً في الحديث بحماس وتعبير حيوي و يشير بيديه كالطفل ، يخبرني عن متجر ألعاب جديد أو ما شابه.لم أكن مركزاً معه حقاً؛ فصوته كان يتحول في عقلي إلى دندنة خلفية دافئة تطرد طنين البعوض المزعج، حتى اخترق كلماته سؤال مفاجئ:"إذن، ما رأيك يا هيونغ؟ هل ستذهب معي إلى هناك بعد انتهاء الدوام؟"رفعتُ نظري الفاتر إليه، وكنتُ على وشك أن أنطق بكلمة "لا" قاطعة تعيدني إلى سريري الدافئ ونومي الطويل، لكنني عندما نظرتُ إلى بريق الحماس المتفجر في عينيه.. تجمدت الكلمة في حلقي.تنهدتُ بقلة حيلة، وأومأتُ برأسي موافقاً بصمت، لتقفز أسهم سعادته إلى عنان السماء.لقد أصبحت حقاً لا استطيع رفض طلب له و ذلك أكثر ازعاجاً. . . عند نهاية الدوام، وجدنا أنفسنا داخل ذلك المتجر الصاخب المليء بالرفوف الخشبية العتيقة والمجسمات.وبمجرد أن دلفنا، انطلق جونغهو كالسهم ببحثه الهستيري عن لعبته ، ليفترق عني ويختفي بين الممرات المزدحمة بالزبائن.تنحنحتُ بضيق، وعدلتُ حقيبتي على كتفي، متحرِّكاً ببطء بين الممرات الضيقة التي لم تكن مريحة لحجمي على الإطلاق.وعندما كنتُ أحاول الالتفاف حول أحد الرفوف، اصطدمتُ برجل متوسط البنيه، يبدو في أواخر عشرينياته، يرتدي سترة جلدية ونظراته تقطر عنجهية.وقفتُ مكاني بجسدي الصلب ذي الثمانين كيلوغراماً، مما جعل الرجل يرتد خطوة للخلف بترنح... أردت الاعتذار عن خطئ لكن قاطعني صوت صراخه :"ألا ترى أمامك أيها الدب الغبي؟! أم أن الشحوم غطت على عينيك أيضاً؟!" صرخ الرجل بحدة، ليتلفت بعض الزبائن نحونا.تضاعف الصداع خلف عينيّ كالمطرقة، بينما تابع الرجل سخريته الجارحة بصوت مسموع، متفحصاً جسدي بقرف: "اللعنة على هذا الجيل.. أصبحت ممرات المتاجر تضيق بسبب أشكالكم المقرفة، اذهب لإنقاص وزنك بدلاً من سد طريق البشر الطبيعيين."بدأ رأسي يزن بشكل جنوني، وشعرتُ بطعنة حادة ومألوفة في معدتي أثارت غثياني ."كيف يتجول بهذا الشكل القبيح "همس ~"يالهي! انه بشع لدرجه مقرفه. "في تلك اللحظة، ومع كل كلمة قذرة تخرج من فمه، شعرتُ بشيء ينفجر في أعماقي. تلاشت أصوات المتجر، واختفى صوت العقل تماماً، وتحولت رؤيتي بالكامل إلى اللون الأحمر القاني من فرط الغضب . في لحظه تحول الرجل الي والدتي، وأخي، ولي نو، وكل حثالة سخر من حجمي يوماً.قبضتُ على يدي حتى طقطقت مفاصلي، وتقدمتُ خطوة نحوه، وعينيّ تتسعان بشرارة مرعبة، وعلى وشك أن أرتكب جناية تنهي كل شيء..تسارعت أنفاسي وتحولت الكلمات في عقلي إلى دويّ رعد صاخم. لم أعد أرى سوى وجهه المقرف.وقبل أن يستوعب الرجل ما يحدث، اندفعت يد ثقيلة ومحملة بقهر أشهر مضت؛ سددتُ له لكمة واحدة عنيفة ومباشرة في منتصف وجهه.أحدثت ضربتي صوتاً مكتوماً قوياً، ليرتد الرجل للخلف بقوة ويصطدم بالرف الخشبي وتتناثر الألعاب حوله، مستقراً على الأرض وهو يمسك بأنفه الباكي دماً بصدمة. اظن أنني ساصمت فقط لانه اكبر مني... وأهم! تملكني جنون أعمى، وتقدمتُ نحوه من جديد لأزيد من ضرباته وأسحق ما تبقى من غطرسته، لكن جسماً مرناً اندفع فجأة في الفراغ حائلاً بيني وبينه."هيونغ! توقف! أرجوك!"كان هذا صوت جونغهو. أمسك بذراعي بكل قوته، ومحاولاً جري على التراجع، لم أكن اريد ايذاءه في لحظت غضب لذا تركته يسحبني . لم اعِ متى خرجنا من المتجر أو متى وصلنا إلى ذلك الزقاق فقد كنت مشغولاً بالتحكم في ارتجاف جسدي. ألقى بي جونغهو في الزقاق ، وحاول الإمساك بكتفي لتهدئتي وهو يلهث بفزع:"هيونغ، اهدأ! هل جننت؟ كدت أن تقتله!""ابتعد عني!" صرختُ في وجهه بغضب عارم والشرر يتطاير من عينيّ، ونفضتُ يديه عني بعنف: "أنت لا تفهم شيئاً! لا أحد منكم يفهم! لستُ سجادة عتيقة في ممر مهجور ليطأني الجميع ثم أبتسم!"تراجع جونغهو خطوة للخلف، ونظر إليّ بنظرة عميقة لم أتبين معناها؛ و لم افكر في ذلك اصلاً. صمت لثوانٍ، ثم سحب هاتفه من جيبه بهدوء، وأجرى مكالمة سريعة ومقتضبة لم أسمع منها سوى كلمات: "أجل.. افتح الباب الآن، أنا قادم "كنتُ أستند بظهري إلى الجدار الإسمنتي البارد، أحاول لملمة شتات نفسي والتخلص من الغضب الهستيري الذي جعل معدتي تطعنني بألم حاد ورأسي يكاد ينفجر.ثم شعرتُ بها. كف دافئة وقوية تقبض على معصمي وتجرني نحو الأمام ب إصرار لا يلين.وجاء صوت جونغهو حازماً ولكن بنبرة هادئة: "لنذهب ، جين هيونغ."حاولتُ المقاومة، لكن غضبي المستنزف وجسدي المنهك خذلاني؛ ليتملكني العجب وأنا أرى رجليّ تطيعان إرادته العجيبة وتسيران معه دون مقاومة تُذكر.سار بنا الطريق لقرابة الربع ساعة، حتى وصلنا أمام مبنى قديم ذي بوابة حديدية ضخمة، دفعها جونغهو ودلفنا إلى الداخل، لتتسع عيناي بخفوت؛ لقد كانت صالة رياضية واسعة، جدرانها مكسوة بالمرايا العاكسة، وأرضيتها مغطاة بحصائر سميكة، وتنتشر في زواياها حواجز خشبية وقضبان حديدية متوازية.كانت الصالة خالية تماماً من البشر، يلفها سكون مريح نجح أخيراً في إخماد النيران المستعرة في صدري، لأهدأ نوعاً ما.ترك جونغهو معصمي، واتجه بخطى سريعة نحو غرفة تبديل الملابس في الزاوية، دون أن ينطق بكلمة.جلستُ على مقعد خشبي طويل، واضعاً رأسي بين كفيّ لأقاوم الصداع المزمن. وبعد فترة ليست بالطويلة، انفتح الباب وخرج جونغهو وهو يرتدي زياً رياضياً أسود بالكامل، فضفاضاً ومريحاً، أبرز خفة قوامة وجاهزيته البدنية.تقدم نحوي، ومد يده ببدلة رياضية أخرى تطابق خاصته تماماً، لكنها كانت بحجم أكبر بكثير لتناسب بنيتي الضخمة.انه ليس جاداً.. صحيح؟ رفعتُ حاجبي الأيسر ونظرتُ إلى الزي ثم إليه بنظرة باردة: "ما هذا ؟ هل تعتقد أنني في مزاج يسمح لي بممارسة التمارين الرياضية الآن يا تشوي جونغهو؟"ابتسم جونغهو ابتسامة خفيفة، هادئة وواثقة، وقال:"جرب فقط، هيونغ.. لم تخسر شيء ."نظرتُ إلى البدلة الرياضية السوداء القابعة بين يدي، ثم عدتُ بنظري إلى جونغهو الذي كان يقف أمامي بثبات كأنه ينتظر قراراً مصيرياً. تنهدتُ بقلة حيلة. توجهتُ نحو غرفة تبديل الملابس بخطى ثقيلة، وأغلقتُ الباب خلفي. تخلصتُ من قميص الجامعة الخانق، وارتديتُ السترة الرياضية ثم البنطال.وقفتُ أمام المرآة بذهول خفيف؛ كانت الملابس فضفاضة، مريحة، ولا تضغط على بطني أو تبرز تضاريس جسدي التي أمقتها.مررتُ يدي على القماش الناعم وتساءلتُ بدهشة وسخرية: "من أين أتى هذا النيزك بملابس رياضية بهذا الحجم الخارق والنوعية الممتازة؟" انفتح الباب وخرجتُ أجرجر قدمي، ليخرجني من شرودي صوته الحيوي الحاضر دائماً: "أوه! إنها تناسبك جداً يا هيونغ! تبدو كلاعب محترف مستعد للنزول إلى الحلبة."أطلقتُ همهمة خافتة وجافة كإجابة وحيدة، وعقدتُ يديّ أمامي محاولاً إخفاء ارتباكي من إطرائه المفاجئ.تقدم جونغهو نحو منتصف الحصيرة الكبيرة، والتفت نحوي ملامحه خلت من المزاح فجأة، وحل مكانها نضج وجديه لم أعتده منه.أشار بيده إلى المساحة الخالية حولي وقال بنبرة دافئة وعميقة:"أنا لم أحضرك إلى هنا لتتدرب رغماً عنك يا هيونغ.. لقد أحضرتك إلى هنا لتفرغ ذلك الإعصار الذي في صدرك. طوال الشهرين الماضيين اللذين قضيتهما معك، راقبتك جيداً.. عرفتُ أنك سريع الاشتعال والغضب، وتتحول إلى شخص عدائي تماماً عندما يتعلق الأمر بشكلك أو حجمك."تجمدتُ في مكاني، ونظرتُ إليه بأعين متسعة بفعل الصدمة، لكنه تابع دون أن يمنحني فرصة للمقاطعة:"لكنني عرفتُ أيضاً أن هذا الغضب ليس رغبة في الأذى، بل هو درع تحمي به نفسك من الوجع. والسؤال هنا: بدلاً من تفريغ ذلك القهر في وجه شخص حثالة بالشارع يورطك في جريمة، وبدلاً من كتمانه في الداخل لينهش معدتك ويصيبك بالألم .. لمَ لا تخرجه هنا؟ لمَ لا تحول هذا الغضب الأعمى إلى طاقة تدفع بها جسدك نحو الأعلى؟ الرياضة لن تغير شكلك فقط يا هيونغ.. بل ستعطيك القوة لتنظر في أعينهم جميعاً دون أن تحتاج لتسديد لكمة واحدة."ترددت كلماته في أرجاء الصالة الخالية، ولامست وتراً مكسوراً في أعماقي جعل الصداع يزداد أكثر. نظرتُ إليه لثوانٍ، ثم أفلتُّ ضحكة ساخرة مريرة خرجت من بين أسنانى كفحيح الأفعى.الرياضة؟ تفريغ الغضب في الركض؟ يا إلهي، هل يعتقد هذا النيزك الساذج أنه يعيش في رسوم متحركة ملهمة؟"أنت تعيش في عالم وردي جداً يا تشوي جونغهو،" قلتها بنبرتي المتهكمة وأنا أتحرك ببطء نحو المقعد: "أنت ترى جسداً يحتاج إلى 'تفريغ طاقة'، بينما أنا أرى كتلة من الشحوم العاجزة. أنا لا أستطيع الجري لعشر دقائق متواصلة دون أن أشعر أن رئتيّ ستنفجران، فكيف تريدني أن أركض خلف أوهامك؟"تقدم خطوة ونبرته الحماسية لم تخبُ: "كل شيء يبدأ بالتدريب يا هيونغ! مع الوقت والاستمرار، ستتحسن لياقتك، وجسدك سيتغير حتماً.""تتغير؟" التفتُّ إليه بعنف، وشعرتُ بطعنة المعدة تعود لتذكرني بوجودها: "أتظن أنني لم أجرب ذلك من قبل؟ لقد جربتُ كل شيء! مارستُ الرياضة حتى تيبّست عضلاتي، واتبعتُ حميات غذائية صارمة جعلتني أرى العالم باللون الأسود، بل وحتى الأدوية والعقاقير.. أبتلعها كالمجنون! وكل ذلك لم ينفع. الأمر ببساطة أن بنية جسدي خُلقت هكذا، جيناتي تميل إلى السمنة منذ أن كنتُ طفلاً صغيراً، والجاذبية متمسكة بي أكثر من أي شخص آخر."هزّ جونغهو رأسه بعناد ، ولم يبدُ عليه الإحباط:"لكل شيء حل في هذا العالم يا هيونغ، وجسدك ليس استثناءً. كل ما في الأمر أنك تحتاج إلى التوجيه الصحيح، وألا تستسلم بهذه السهولة!"أستسلم بسهولة؟ترددت الكلمة في عقلي لتشعل نار القهر مجدداً.سخرتُ في نفسي بمرارة قاتلة: "أستسلم بسهولة؟ ألم يستمع هذا المعتوه لما قلته للتو؟ لقد حاولتُ، وحاولتُ، وبكيتُ قسراً فوق الموازين، وتجرعتُ السموم رغماً عني، ولم يتغير أي شيء في هذا الواقع المقيت !""أنت تضيع وقتك.. ووقتي أيضاً،" قلتها بجفاء وأنا ألتفتُ عنه بالكامل: "أنا سأرحل."استدرتُ بخطى سريعة وثقيلة متوجهاً نحو غرفة تبديل الملابس. لحق بي جونغهو مسرعاً، وبدأ يتحدث بنبرة رجاء حارة، محاولاً إقناعي بالبقاء وإعطاء الصالة فرصة أخرى، لكنني أغلقتُ عقلي تماماً عن سماع طنين صوته." هيونغ فقط اسمعني قليلاً... "وصلتُ إلى الباب الخشبي، ودلفتُ إلى الداخل، ثم أقفلته في وجهه بعنف أحدث صدىً عالياً في الصالة الخالية.تخلصتُ من البدلة الرياضية السوداء وألقيتها على الأرض بقرف، وأعدتُ ارتداء ملابسي الخانقة.خرجتُ من الغرفة، ومررتُ بجانبه دون أن أنظر إلى وجهه أو أعير نداءاته المتكررة أي اهتمام. اندفعتُ نحو البوابة الحديدية الضخمة، ودقّات قلبي تضرب صدري بغضب مستعر، تاركاً النيزك الأحمر خلفي في عتمة الصالة، غارقاً في أوهامه الحالمة التي لا تناسب واقعي المرير.. . . سارت قدماي على الرصيف البارد بذات الآلية الميتة التي تدفع الآلات للعمل. كانت أفكاري تتجول نحو اللاشيء؛ فراغ رمادي مطلق يشبه سماء سيول في أكثر أيامها كآبة.الصداع كان يطحن صدغيّ، ومعدتي تقلب كأنها تعاقبني على تلك اللكمة التي سددتها في المتجر. استوقفني بريق ضوء منعكس. وجدتُني واقفاُ بقرب متجر ذي واجهة زجاجية عريضة ونظيفة. أملتُ نظري ببطء نحو الانعكاس، لتستقر عيناي على جسدي الممتلئ القابع داخل تلك الملابس الضيقه .تضاعفت المرارة في قلبي حتى شعرت بغثيان حقيقي؛ كنت أبدوا كجبل من العجز، كتلة صماء من اللحم والشحوم لا تنتمي لهذا العالم الرشيق.حدقتُ في عينيّ المنعكستين على الزجاج، وفي تلك اللحظة بالذات، انشق جدار الحاضر لتندفع من خلاله الذاكرة بعنف، جارفة إياي إلى الوراء.. إلى حيث بدأ كل هذا الخراب. flashback :كنتُ في العاشرة من عمري، طفلاً صغيراً بوجنتين ممتلئتين وعينين كانتا -للمفاجأة- تلمعان ببعض البراءة قبل أن يطفئها البشر.كان ذلك اليوم مطيراً، وكنتُ أقف في ساحة المدرسة الابتدائية، محاصراً من قِبل ثلاثة من فتيان الصف الأعلى."انظروا إلى هذا الفيل الصغير! إنه يكاد يسد مخرج الساحة بمفرده!" صاح أحدهم وهو يدفعني من كتفي بقوة.ترنحتُ للخلف، وجسدي الصغير الممتلئ لم يسعفني في الحفاظ على توازني، فسقطتُ بثقل فوق بركة من الطين والماء البارد.تعالت ضحكاتهم الساخرة الخرقاء كأنها سياط تجلد جلدي.لم أكن عدائياً وقتها، ولم أكن أملك هذه القبضة التي تسدد اللكمات اليوم؛ كنتُ مجرد طفل ضعيف، انكمش على نفسه في الطين، ودموعه تختلط بمياه المطر وهو ينظر إلى الأرض بعجز كامل، متمنياً أن تنشق وتبتلعه بعيداً عن عيونهم القاسية.عدتُ إلى المنزل في ذلك اليوم يجرني ذلي، ملابسي المدرسية ملوثة بالطين، والشهقات المكتومة تكاد تكسر ضلوعي.دلفتُ من الباب مستنجداً بالأمان الوحيد الذي كنتُ أعرفه.. أمي.رأتني والدتي واقفاُ في الرواق، لكن ملامحها لم تسترخِ بالقلق، ولم تندفع لتحتضن طفلها الباكي.بدلاً من ذلك، تيبست نظراتها، وتفحصت جسدي الملوث بقرف واضح واشمئزاز ، ثم تنهدت بنبرة باردة و عاتبة قتلت طفولتي في مهدها:"سوكجين؟ هل تعرضت للتنمر مجدداً بسبب حجمك؟ لقد أخبرتك مئات المرات أن توقف عن التهام الحلوى والركض كالمجانين. أنت تحرجني أمام أمهات زملائك في المدرسة! اذهب وغير ملابسك القذرة هذه، ولا تدع شقيقك يراك بهذا المظهر العاجز."لم تسألني من ضربني، ولم تمسح دمعة واحدة عن وجنتي الممتلئتين.كل ما كان يهمها هو المنظر و الخجل الذي أسببه لها. في ذلك اليوم، تعلمتُ درسين قاطعين: الأول، أن جسدي هو خطيئتي الكبرى، والثاني، أن البكاء لن يحميني.. لذا استبدلته بجدار صامت من الكره والعدائية.أفقتُ من غيبوبة الذاكرة على صوت بوق سيارة حاد في الشارع.أخذتُ نفساً حاراً ومضطرباً، وأبعدتُ نظري عن زجاج المتجر. مسحتُ وجهي بكفي المرتجفة؛ لقد مرت سنوات طويلة على ذلك اليوم، لكن الخنجر ما زال مغروساً في نفس المكان، غير مداوي ، يدمي دماً قانياً .عدلتُ غطاء سترة الرياضة فوق رأسي لأخفي وجهي بالكامل، وتابعتُ سيري نحو المنزل بخطى أسرع، وأنا أشعر برغبة هستيرية في الوصول إلى غرفتي، وتناول تلك الحبوب الرمادية، ثم الغرق في نوم طويل يمتد لقرون.. نوم لا يوجد فيه للبشريه وجودولا حتى انا . -------------------- ما رأيكم في الفصل؟ وما رأيكم بالأحداث حتى الآن؟