خطوط الجاذبية الأولى | الفصل الثالث : شَظَايَا الِابْتِسَامَةِ
خطوط الجاذبية الأولى | الفصل الثالث : شَظَايَا الِابْتِسَامَةِ
-----------------دلفتُ من البوابة الرئيسية للجامعة بخطى أشبه بجرّ القيود. لم يكن نوم البارحة ملاذاً كافياً، بل كان أشبه بغيبوبة ثقيلة استيقظتُ منها بوجه شاحب، وعينين متعبتين محمرّتي الأطراف بفعل الصداع الذي بات الصديق الأوفى لرأسي.كنتُ أسير غير مهتم بأي شيء حولي؛ الطلاب، الممرات، الهمسات، وحتى الهواء البارد الذي يلف وجهي.. كل شيء كان يبدو رمادياً وباهتاً.توجهتُ مباشرة نحو مبنى الفنون، عازماً على حبس نفسي داخل القاعة الخلفية والانعزال عن هذا العالم المقرف.لكن، وحالما اقتربتُ من المنعطف المؤدي للمبنى، لمحتُ من بعيد تلك الكتلة النارية المألوفة.. شعر أحمر يتوهج تحت أشعة الصباح. إنه جونغهو.تصلب جسدي لثانية واحدة، وشعرتُ بطعنة مألوفة في معدتي. لم أكن مستعداً على الإطلاق لسماع كلمة واحدة منه بعد حادثة الأمس في الصالة.لا أريد تبريرات، ولا أريد حماساً موقتاً، ولا أريد أن يذكرني أحد بضعفي وجيناتي الحمقاء .غيرتُ اتجاه سيري فوراً وبخطوات سريعة ، ملتفاً نحو الممر الجانبي الطويل والمطوّل، مفضلاً قطع مسافة مضاعفة وسط الصقيع على أن ألتقي بعينيه المشعتين بالأمل.كان كل ما أريده في تلك اللحظة هو الهروب من مداره الجاذب، والبقاء في عتمتي الخاصة حيث لا يجرؤ أحد على جلب النور الخافت.. . . كانت محاضرة الرسم تسير في رتابتها المعتادة، وصوت الأستاذ يطن في أذني كضجيج بعيد.كنتُ أجلس أمام حاملي الخشبي، معزولاً في زاويتي، وأصابع الملوثة بالألوان تتحرك على اللوحة الورقية البيضاء .عندما تراجعتُ خطوة للخلف لأتفحص ما رسمتُ، نبض قلبي بوجل خفي؛ لقد رسمتُه هو.على الورقة، تجسدت ملامح ذلك النيزك الأحمر.. تشوي جونغهو.كيف فعلت ذلك لم أكن منتبهاً! كانت اللوحة غنية بطبقات الطلاء الزيتي، بألوان كثيفة، اشتعل الشعر بالأحمر القرمزي، واحتضن الأسود الدافئ الملابس التي اخترقتها خطوط برتقالية.رسمتُه وهو يبتسم تلك الابتسامة الواسعة والمشرقة التي يقتحم بها صباحي كل يوم.

نظرتُ إليها بهدوء ، ولأول مرة منذ سنوات، شعرتُ بزوايا شفتي تترنح برغبة ضئيلة في الابتسام.لقد صار هذا الفتى، دون أن أدرك، الأثر الوحيد الجميل في أيامي الرمادية.انتهت المحاضرة، وحملتُ لوحتي بحذر شديد متوجهاً نحو المخرج، حريصاً على ألا تتلف باي شكل ... ربما اريها له لاحقاً. وفجأة، وبشكل متعمد وقذر، ارتد خطوة للخلف أحد طلاب الصف المعتادين على مضايقتي، ليصطدم بكتفي بقوة.سقطت اللوحة من بين يديّ، واصطدمت زواياها بالأرض الصلبة، ولسوء الحظ، داس أحدهم فوقها بحذائه وهو يمر، لتمزق الورقة من المنتصف، وتتلطخ ابتسامة جونغهو المرسومة ببقعة سوداء مشوهة.انتظرت ان ينطلق غضبي الهستيري... لكن ولسبب ما وجدت نفسي عاحزاً انظر نحو اللوحه بضياع... و بدلاً من الغضب، شعرتُ بغصة حادة تكاد تخنقني تلتف حول حنجرتي كالخناجرشعرتُ بألم يمزق صدري، وبرد مفاجئ سلب أطرافي القدرة على الحركة.لم تكن مجرد لوحة ممزقة ؛ لقد شعرت وكأن الأمل الوحيد الذي تجرأتُ على رسمه قد دُس تحت الأقدام مجدداً.تعالت ضحكات الطلاب الساخرة في أرجاء القاعة، وكانت أصوات تهكمهم تدوي في رأسي وكأنها مطارق حديدية.لم أهتم بسخريتهم، ولم أنظره لأي منهم.بأصابع مرتعشة وكسيرة، انحنيتُ على الأرض ولملمتُ أشلاء لوحتي الممزقة والمشوهة، محاولاً إخفاء عينيّ المحمرتين اللتين تحرقانني بالدموع.خرجتُ من القاعة، ومن الجامعة بأكلها، متخطياً كل المحاضرات المتبقية. سارت قدماي نحو المنزل بلا هدى، والمدينة تبدو في عيني ضبابية ومظلمة.. . دخلتُ غرفتي وأغلقت الباب بالمفتاح. ألقيتُ بقايا اللوحة على المكتب، وجلستُ على السرير وأنا أشعر بفراغ أسود مرعب يبتلعني. وبنقر مفاجئ، وبلا أي طرق، دُفع الباب بعنف.تصلبتُ مكاني وأنا أنظر إلى والدتي التي دلفتْ وعيناها تشعان ببرودها المعتاد وسخطها الدائم. لم تكلف نفسها عناء النظر إلى حالتي ، بل وقفتْ عند طرف السرير وقالت بنبرة آمرة جافة:"انزل إلى المطبخ فوراً وأعدّ لي طعام الغداء."ابتلعتُ غصتي المريرة، وقلتُ بصوت مبحوح واهن: "أمي.. أرجوكِ، لستُ قادراً الآن.. أنا متعبة جداً، وجسدي...""متعب؟!" قاطعتني بصرخة حادة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة سخونة مقززة وهي تتأمل جسدي الضخم بقرف: "ومِمَّ أنت متعب بالضبط؟ من الجلوس طوال اليوم والتمدد ككتلة شحوم لا فائدة منها؟ انظر إلى شكلك المقزز، حتى الحركة أصبحت ثقيلة عليك! أنت لا تفعل شيئاً سوى الأكل والنوم، والآن تتباكى وتدعي التعب لتتهرب من أبسط الواجبات؟"كل كلمة كانت تخرج من فمها كأنها نصل يُمزق ما تبقى من كرامتي.شعرتُ بروح تُسحق تحت وطأة إهانتها لحجمي وجسدي. نهضتُ ببطء، وراسي منكس للأرض، وقلتُ بصوت منخفض: "حسناً.. سأفعل."نظرتْ إليّ بحنق وازدراء، واستدارت لتغادر وهي ترمي كلماتها الأخيرة خلفها: "أسرع، فأنا خارجة بعد قليل ولا أريد تضييع وقتي بسبب كسلك."نزلتُ إلى المطبخ بخطى ثقيلة كالمقيد بالأغلال.وقفتُ أمام الموقد، ورغم أن الطهي كان دائماً ملجئي الآمن والفن الذي أتنفس من خلاله، إلا أن عقلي الليلة كان مشلولاً. كانت يداي ترتجفان بعنف، وضباب الحزن يعمي بصري.أمسكتُ ببيضة لأكسرها، لكن قبضتي المرتعشة خانتني، فسقطت البيضة على الأرض وتناثرت في فوضى لزجة. انحنيتُ بذعر وأنا أحاول تنظيف الأرضية بأصابع ترتعش، وفي تلك اللحظة بالذات، دوت صرخة والدتي مجدداً وهي تدخل المطبخ بغضب:"أيها الغبي! رائحة اللحم تحترق!"انتفضتُ برعب وركضتُ نحو الموقد، لكن الأوان كان قد فات. رفعتُ الغطاء ليقابلني دخان أسود كثيف؛ لقد تفحم اللحم تماماً وتحول إلى رماد متفحم.وقفت والدتي تنظر إلى البيض المسكوب على الأرض واللحم المحترق، وتضاعف الغضب في عينيها وهي تصرخ بوجهي بصوت هز أركان المطبخ: "أنت حقاً عاجز وعديم الفائدة! حتى الطهي الذي تتبجح به لا تجيده! لا شيء يُرجى منك أبداً، أنت مجرد عبء وخيبة أمل متحركة!"خرجتْ وصفعت الباب خلفها بعنف، تاركة إياي وسط عاصفة الصمت.تراجعتُ للخلف حتى استند ظهري إلى الجدار، ونظرتُ ببؤس إلى فوضى المطبخ، إلى البيض المكسور، وإلى الطعام المتفحم الذي صار يشبه حياتي تماماً.انزلقت دموعي الحارقة على وجنتيّ بقلة حيلة، وهمستُ بنبرة حزينة مكسورة: "هل.. هل فقدتُ لمستي لفن الطهي الآن أيضاً؟ هل سُلب مني الشيء الوحيد الذي كنتُ أبرع فيه؟"لم يعد هناك مكان يتسع لحزني سوى عتمة غرفتي. صعدتُ الأدراج وأنا أجر خيبتي وانكساري، دخلتُ غرفتي، وأغلقتُ الباب مجدداً. وفي تلك اللحظة، وسط الظلام الخانق، سحبتُ علبة حبوب تقليل الوزن بيد ترتجف بعنف. نظرتُ للحبوب الرمادية.. لم أعد أحتمل هذا الجسد، ولا هذا العالم الذي يشوه كل شيء جميل ألمسه.وفي نوبة يأس مطلق، أفرغتُ كمية كبيرة منها في كفي، وابتلعتُ تلك الجرعة الكبيرة دفعة واحدة، مستسلماً للظلام.مرت ساعات طويلة من الألم والغثيان الحاد قبل أن أفتح عينيّ. لم أمت، يالهي لما ذلك لا اريد شيء من هذا الحياه بعد الان.سمعت أصوات بعيده لضحاكات امي و صوت اخي الأكبر، كم مر من وقت منذ أن ضحكت في وجهي أو حتى ابتسمت لي، لم أشعر بنفسي الا وأغلق باب المنزل خلفي و الرياح العاتيه تلطم وجهي. كانت الساعة الواحده بعد منتصف الليل، خرجتُ اجوب الشوارع دون وجهةٍ محددة. حتى وجدت نفسي امام الصالة الرياضية السابقه .ترددت للحظه... من المستحيل ان يكون جونغهو هناك في هذا الوقت. دفعتُ البوابة الحديدية الضخمة، ودخلتُ الصالة الخالية إلا من ضوء خافت يقبع في الزوايه.. ثم رأيته، جونغهو وهو يمارس تمريناته بهدوء.توقف جونغهو فور سماعه صرير الباب، والتفت نحوي متفاجئاً لتلمع عيناه بالقلق ، لا بد أنني أبدو مثل جرو مهجور بائس ترك تحت المطر في ليله عاصفه .تقدمتُ نحوه بهدوء، وتوقفتُ أمامه تماماً. نظرتُ في عينيه المشعتين، ومن غير أي مقدمات، قلتُ بصوت هادئ وحازم:"أنا موافق.. دربني."لمعت عيناه بحماس و ابتسم. . . . أنا أتراجع رسمياً عن كل فكرة عاطفية خطرت ببالي تجاه هذا الكائن الناري. أقسم لكم، تشوي جونغهو هو أسوأ، وأفظع، وأكثر المدربين سادية على وجه هذه الأرض البائسة!الساعة الآن هي الخامسة صباحاً، نعم، الخامسة صباحاً، الوقت الذي يُفترض بالبشر الطبيعيين، وحتى الحيوانات والطيور، أن يكونوا غارقين في نومهم الدافئ.لكنني كنتُ قابضاً على ركبتي، أنحني بجسدي الثقيل وألهث بهستيرية ككلب صيد عجوز، بينما قطرات العرق البارد تمتزج بصقيع الفجر لتتساقط على عشب الحديقة الخارجية العامة.أما هو؟ فقد كان يقف أمامي بكامل أناقته ونشاطه المقرف، يرتدي ساعة إيقاف ضخمة في معصمه، والأسوأ من كل هذا.. أنه كان يبتسم! تلك الابتسامة المشرقة والواسعة التي رسمتُها بالأمس معجباً بها، كنتُ أقسم في أعماق روحي المنهكة الآن أنني أريد تمزيقها بيدي، وقتله، ودفنه تحت هذا العشب دون أي شعور بالذنب."هيا يا هيونغ! مضت نصف ساعة فقط، الجولة الأولى لم تنتهِ بعد! أين ذهبت تلك النظرة الحازمة التي رميتني بها البارحة ليلاً؟" قالها جونغهو بنبرة تصدح بالحيوية، وهو يقفز بخفة في مكانه كأنه أرنب يبحث عن الجذر .البارحة ليلاً؟ سخرتُ في نفسي بمرارة وأنا أحاول التقاط أكسجين يكفي لتشغيل رئتيّ اللتين تشتعلان كالجمر.البارحة كنتُ تحت تأثير نوبة اكتئاب وانتحار بطولي، أما الآن، فأنا تحت تأثير عذاب واقعي حارق."تشوي.. جونغهو.." نَطقتُ باسمه بصعوبة، وصوتي خرج مبحوحاً ومتقطعاً: "إذا لم.. تخرس.. سأستخدم.. ما تبقى من عظامي.. لسحقك."ضحك بمرح غير متأثر بتهديدي ، وضغط على زر ساعة الإيقاف ليصدر طنيناً حاداً صب الزيت على نيران صداعي المزمن: "التهديدات تتطلب طاقة يا هيونغ، وأنت بحاجة لكل ذرة طاقة لأننا سنبدأ الآن تمرين الاندفاع الأعلى. تحرك!"حسم الأمر سأقتل جونغهو اليوم.. ------------------ ما رأيكم في الفصل؟ علاقه جين و جونغهو؟ الأحداث حتى الآن؟