الفصل الرابع :جَاذِبِيَّةٌ مُعَلَّقَةٌ فِي الهَوَاء - (خطوط الجاذبية الأولى)
الفصل الرابع :جَاذِبِيَّةٌ مُعَلَّقَةٌ فِي الهَوَاء - (خطوط الجاذبية الأولى)
---------------مرّ شهرٌ كامل منذ ذلك الفجر الذي أعلنتُ فيه استسلامي لجنون تشوي جونغهو.ثلاثون يوماً من العذاب اليومي، والاستيقاظ في غسق الليل، والركض حتى تتورم قدماي. لكن، ومع كل ذلك الألم، بدأت آثار عملي الشاق وتجرعي للصبر تظهر أخيراً؛ لقد خسرتُ خمسة كيلوغرامات كاملة في هذا الشهر!قد يبدو تقطير السعرات هذا تقدماً بسيطاً وبطيئاً، لكنه بالنسبة لجسدي العنيد كان إنجازاً ملحوظاً جعل الملابس الفضفاضة تنسدل حولي بحرية أكبر قليلاً، وخفف -ولو بنسبة ضئيلة- من ذلك الثقل المرعب الذي يربطني بالأرض.انحنيت أمام عتبة الباب أرتدي حذائي للخروج، لاسمع من خلفي صدى خطوات مألوفة ... انها أمي. " سوكوجين! " رفعت رأسي نحوها وهمهمت، لم تختلف نظراتها عن آخر لقاء نفس الاشمئزاز و النفور، لكن الغريب أنني ما عدت انزعج منها كما سبق ربما اخيرًا قد قبلت انها لن تحبني ابداً. " تناول هذا الأدوية قبل خروجك" أمرت بجفاف وهي تمد لي بعلبة بنيه أوه ، هل قررت تغير دوائي مجدداً؟ الم تلاحظ حتى نزول وزني قليلاً، ألهذا الحد هي غير مهتمة أم مجرد انها تراه غير كافي. نظرت نحو الحبوب الرمادي، ومعدتي تتقلب كالبركان ، أردت أن أرفض ان اصرخ عليها انها تزيدني سوء وانني بالفعل على الطريق الصحيح و لا احتاجها.... لكن كالعادة ابتلعت كلماتي و أخذتها من يديها بصمت و ابتلعتها دون ماء حتى أخرج بسرعه من المنزل . . . . كنتُ أسير الآن فوق طريق ترابي غير ممهدة، وعيناي معلقتان بخريطة الهاتف المحمول، أحاول فك شفرة الموقع الذي أرسله لي ذلك النيزك المزعج قبل ساعة، مرفقاً برسالة مقتضبة تقول: "أوراقك و بحثك الجامعي التي نسيتها معي موجودة في هذا الموقع، تعال لاستلامها". وزعتُ نظري بضيق في أرجاء المنطقة السكنية المبهمة والخاوية تماماً من المارة.البيوت القديمة هنا تبدو شبه مهجورة، والجدران متشققه و مكسوة بالنباتات البرية. أين هذا المكان اصلاً ؟ولماذا قد يضع بشرٌ عاقل أوراقاً جامعية في مخرّبة كهذه؟وقبل أن أضغط على زر الاتصال لأوبخ ذلك الفتى الناري وأمطره بوابل من الشتائم لجعل جسدي الثقيل يسير كيلومترات إضافية نحو مكان قاحل، تناهت إلى مسامعي بعض الضجة الغريبة القادمة من خلف المبنى الأسمنتي القريب.توقفتُ مكاني، وتوجستُ خيفة. ماذا يحدث هناك؟ هل أذهب لأتفقد الأمر؟ هززتُ رأسي رافضاً الفكرة فوراً، لا.. ماذا لو كانوا مجرمين، أو حثالة يخططون لشيء خطير؟ لستُ بمزاج يسمح لي بمواجهة عصابة اليوم. استدرتُ لأرحل، لكن الضجة عادت مجدداً، مصحوبة بضحكات بعيدة وأصوات ارتطام خفيفة بالأرض.هل كنتُ أتخيل ذلك بسبب الدواء ؟ لستُ متأكداً. ورغم علمي التام وعقلي الذي كان يصرخ بي أن أغادر المكان فوراً، إلا أن الفضول غلبني هذه المرة، وقاد قدميّ للتقدم بخطى حذرة وصامتة نحو مصدر الصوت.سرتُ لعدة دقائق، ملتفاً حول زاوية المبنى الأسمنتي الضخم، وحين التفتُّ.. تجمدتُ في مكاني بالمعنى الحرفي للكلمة، واتسعت عيناي بذهول مطلق.أمام عينيّ، وفي الساحة الخلفية الواسعة المليئة بالحواجز والركام، كان يقف جونغهو برفقة شاب آخر في مثل عمره تقريباً.لكنهما لم يكونا يسيران ؛ بل كانا يخوضان نوعا من السباقات.... علي ما اعتدقد. رأيتُ جونغهو يركض بسرعة فائقة نحو جدار مرتفع، وبدلاً من أن يتوقف أو يصطدم به، قفز في الهواء ضارباً الجدار بقدمه ليرتد نحو الأعلى، متشبثاً بحافة السطح بخفة مرعبة ليصعد في لمح البصر. وفي ذات الوقت، كان الشاب الآخر يندفع من فوق حاجز حديدي، ليتشقلب في الهواء بدورات سريعة ويهبط على قدميه بسلاسة فوق الأرض الترابية دون أن يتباطأ، مستأنفاً الركض والقفز بين الفجوات الضيقة وكأنهما يمتلكان أجنحة خفية. بعدها انطلق الاثنان بسرعة متقاربه نحو الحافه حيث يوجد عمود طويل يمتد من الأسفل. لحظه فقط، هما لن يفعلا ما اتخيله.. صحيح! قفز جونغهو اولاً، امسكت يده بالعمود ثم التفه حوله بحركة نصف دائريه، ثم أفلته! وهبط بنعومة تامة على الأرض ، متلقياً وزن جسده على مشاط قدميه مع دحرجة احترافية امتصت الصدمة تماماً، ثم تبع الشاب الآخر خطاه. وقفتُ أراقب تطاير خصلات شعر جونغهو الحمراء في الهواء وهو يُثب من جدار إلى جدار بحركات استعراضية خاطفة للأنفاس، وأنا عاجز تماماً عن استيعاب ما تراه عيناي.هبط جونغهو عن الحاجز الأخير بخفة وهو يلهث بانتصار، بينما تبعه الشاب الآخر وهو يضحك ويضرب كتفه بخفه.التفت النيزك الأحمر فجأة نحو الزاوية، وفي لحظه خاطفه ألتقت اعيننا، واقف هناك كالصنم، وفمي ما زال مفتوحاً بذهول.اتسعت ابتسامته فوراً، وصاح بمرح وهو يلوح بيده: "جين هيونغ! لقد وصلت!"دون أن ينتظر إجابتي، ركض نحوي بذات الحيوية المستفزه التي تجعله يبدو وكأنه لم يبذل أي مجهود قبل قليل.وقفتُ أمامه، وكلمة واحدة خرجت من بين شفتيّ دون وعي مني :"ذلك.. كان رائعاً حقاً."لحظه لم يفترض أن اقول ذلك ... يالهي ذلك الأحمق لن ينساها ابداً. اتسعت ضحكته أكثر، وبدا سابحاً في بحر من الفخر وهو يمسح العرق عن جبينه:"شكراً لك يا هيونغ! سماع هذا منك يعد معجزة تاريخية!"أجل أنه كذلك لأنه لن يتكرر... في الحقيقه سانكر في المستقبل أنني قلت ذلك حتى التفت إلى الشاب الآخر الذي كان يقترب منا بهدوء، وأشار إليه قائلاً: "جين هيونغ، هذا صديقي المقرب وشريكي في هذا الجنون، 'مينتشول'. مينتشول، هذا هو جين هيونغ الذي أخبرتك عنه."تبادلنا النظرات لثانية، ثم مد الشاب يده بابتسامة ودية : "أهلاً بك يا جين هيونغ، جونغهو لا يتوقف عن الحديث عنك، سعيد بمقابلتك ."صافحته بخفه ، وتفحصت شكله، كأن بنفس طول جونغهو أو أطول قليلاً، يرتدي ملابس رياضيه سماويه، بينما شعره الاسود الطويل مربوط الي الخلف، انه حقا وسيم. لكن، سرعان ما عاد عقلي التائه ليتذكر سبب وجودي هنا وسط هذه الخرابة، فنظرتُ إلى جونغهو وسألتُه بجفاف: "حسناً، أخبرني الآن.. ما سبب وجودنا في هذا المكان المهجور ؟ وأين أوراقي؟"نظر جونغهو نحو صديقه مينتشول، وتبادلا ابتسامة غامضة ذات مغزى، لست مرتاحاً للأمر... التفت إليّ مجدداً، ضاماً يديه خلف ظهره:"الأوراق في الحفظ والصون يا هيونغ، سنأخذها بعد قليل. لكن أولاً.. ما رأيك بحركاتي وحركات مينتشول قبل قليل؟ أليست رائعه! هل تعرف ماذا يسمى هذا الذي كنا نفعله؟"أملتُ رأسي جانباً بحيرة، و ردت ببساطه محاولاً إخفاء فضولي: "لا.. اعتقدتُ أنكما مجرد مجانين هربوا من السيرك ويحاولون كسر أعناقهم فوق الجدران."ضحك الاثنان معاً، وتابع جونغهو وعيناه تلمعان بحماس: "هذا الفن يسمى 'الباركور' يا هيونغ. وببساطة، هو ليس مجرد قفز بهلواني.. بل هو فن الانتقال من النقطة (أ) إلى النقطة (ب) بأسرع وأكفأ طريقة ممكنة، باستخدام جسدك فقط."أكمل مينتشول الشرح بنبرة هادئة ومتزنة: "بالضبط، في الباركور، كل جدار، كل حاجز، وكل عائق تراه في طريقك لا يعود سبباً للتوقف.. بل يتحول إلى وسيلة تدفعك للأمام وتجعلك تتخطاه. الجسد يتعلم كيف يتناغم مع المحيط بدلاً من الاصطدام به."بينما كانا يسترسلان في الشرح، شعرتُ بشيء غريب يحدث في داخلي، نار... أو بالأحرى شراره قد اشتعلت. تلاشت الكلمات الساخرة، ولمعت عيناي ببريق لم أعرفه منذ سنوات طويلة.. تخطي العوائق؟ تحويل الجدران لمنصات قفزات نحو الأعلى؟... الكلمات لم تكن تشرح رياضة بدنية فحسب، بل كانت تلمس روحي مباشرة. هذا الجسد الثقيل الذي طالما كان عائقاً يحبسني.. هل يمكنه يوماً أن يتخطى الجدران ويصبح حراً كالطير ؟قطع جونغهو حبل أفكاري المتشابكة، حين تقدم خطوة نحو الأمام، واختفت الابتسامة الطفولية من وجهه لتحل مكانها تلك النظرة الجادة والواثقة التي جعلتني أثق به في صالة الرياضة قبل شهر.نظر في عينيّ مباشرة، وسألني بنبرة حاسمة هزت كياني: "هل تريد أن تتعلم الباركور، جين هيونغ؟"لم أتردد. لم يسخر عقلي في الداخل، ولم تتجمد الكلمة في حلقي كما حدث في الماضي. أخذتُ نفساً عميقاً، وشددتُ على قبضتي، وقبل أن تتراجع شرارة الشجاعة الجديدة في صدري، نَطقتُ بكلمة واحدة صلبة وحازمة :"أجل.". . . أنا رسمياً رجل لا يتعلم من أخطائه أبداً. لو كان لديّ ذرة واحدة من العقل السليم، لكنتُ قد حزمتُ حقيبتي وهربتُ إلى أبعد نقطة عن هذا النيزك الأحمر في اللحظة التي نطقتُ فيها بكلمة "أجل".لكنني لم أفعل، والنتيجة؟ أنا الآن مستلقٍ على ظهري فوق الأرض الترابية القاسية، أحدق في السماء الخاوية بينما كل عضلة، وكل عصب، وكل خليك في جسدي تصرخ ألماً وتوجه لي شتائم غير مشفرة.الباركور.. يا إلهي، تبدو هذه الكلمة ناعمة وخفيفة، لكنها في الواقع أسهل طريقة لتعذيب البشر! لقد اتضح أنها أصعب بمراحل مما بدت عليه عندما كنتُ أراقبها بذهول.إنها لا تحتاج للقوة فحسب، بل تتطلب مرونة مطاطية وسرعة خاطفة، وهما شيئان لا يمتلك جسدي الممتلئ أي صلة قرابة بهما حالياً."هيا يا هيونغ، تمرين الهبوط والتدرج مجدداً! عليك أن تمتص الصدمة بكتفك وليس بجمجمتك!" صرخ جونغهو بنبرته القاسية التي يتحول إليها أثناء التدريب، واضعاً يديه على خصرة يذكرني ب.. .سخرتُ في نفسي بمرارة وأنا أتذكر المهزلة التي قمتُ بها قبل قليل؛ لقد طلب مني القفز من فوق حاجز أسمنتي لا يتعدى طوله المتر، والتدرج على الأرض بسلاسة كما يفعلون.والنتيجة؟ قفزتُ ككيس من البطاطس، واصطدم كتفي بالأرض بثقل أحدث هزة أرضية في الحارة، وبدلاً من التدحرج السلس، تقلبّتُ عدة مرات بجسدي الضخم كبرميل دُفع من أعلى منحدر، حتى استقررتُ في هذا الوضع البائس وسط ضحكات مكتومة من جونغهو المزعج.هذا بالإضافة إلى تمرين 'التعلق الميت' بالأنابيب الحديدية، حيث بقيتُ معلقاً كذبيحة لثوانٍ قبل أن تخونني أصابعي وأسقط على مؤخرتي بغباء.بينما كنتُ ألعن حظي وأحاول استجماع شتات نفسي، انحجب ضوء الشمس من فوقي ليحل محله وجه مينتشول .مدّ يده نحوي بزجاجة ماء باردة، وارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة لطيفه، ثم قال بنبرة مشجعة وخفيضة:"لا بأس يا جين هيونغ، في بداية تدريبي كنتُ أسقط بشكل أسوأ من هذا وأبكي كالأطفال. جسدك قوي وعظامك صلبة، كل ما تحتاجه هو بعض الوقت ليتعلم عقلك كيف يوزع هذا الثقل. أنت تبلي بلاءً حسناً مقارنة بشهرك الأول."أخذتُ زجاجة الماء منه وأنا أنظر إلى عينيه الشبيهتين بالفينيق.تنهدتُ في سري وقلتُ معجباً :" حسناً.. أنا أحب هذا الفتى رسمياً. على الأقل هناك كائن بشري طبيعي في هذه المجموعة يمتلك قلباً وليس مثل أحدهم ." القيت نظر منزعجه نحو جونغهو الذي لم يعرنى اهتماماً وهو يراسل شخص ما على هاتفه. ومن هنا، بدأت عجلة الأيام تدور بسرعة جنونية ومجهدة. أصبح وقتي مقسماً بدقة وبلا هوادة: يبدأ بالجامعة ومحاضراتها الثقيلة ونظرات الجميع نحو جسدي المتغير و التي بدأتُ أتخلى عن الاهتمام بها، ثم التدريبات الصباحية القاسية مع جونغهو لحرق الدهون، وينتهي بتدريبات الباركور بعد الغسق في تلك الساحة المهجورة، حيث تلتحم أقدامنا بالتراب والحصى.ومع انضمام مينتشول الرسمي إلينا-والذي بالمناسبه تبين انه يدرس في نفس جامعتنا- تحول ذلك الجحيم اليومي ببطء إلى شيء أنتظره؛ لم أعد ذلك الفتى المنبوذ الذي يسير بمفرده، بل صرتُ جزءاً من ثلاثي غريب.. فتى ممتلئ ومكتئب يحاول الطيران، ونيزك أحمر يقوده للجنون، وصديق هادئ يرمم ما ينكسر منا من عظام وأمل.على ان اعترف أنني أحبهم نوعاً ما.. وبالطبع لن أقول ذلك لهم يوماً. ------------------ كيف كان الفصل؟ صداقتهم مع مينتشول؟ رياضه الباركور؟ توقعاتكم للقادم؟