LNCrawler

الفصل الخامس : طَحْنُ العِظَام.. وَفَجْرُ الرِّفَاق | كتاب خطوط الجاذبية الأولى

خطوط الجاذبية الأولى — www.novlay.com · All chapters

الفصل الخامس : طَحْنُ العِظَام.. وَفَجْرُ الرِّفَاق | كتاب خطوط الجاذبية الأولى

-----------------كنتُ أتمشى في ممرات الجامعة بخطى لم أعهدها من قبل؛ خطى خفيفة، واثقة، وتكاد تقفز من الفرح. لم أكن أهتم بهمسات الطلاب المعتادة حولي، ولا بنظراتهم التي تلاحق جسدي؛ فكل ضجيج هذا العالم تضاءل وتبدد أمام ما رأيته بعينيّ هذا الصباح.عندما وقفتُ فوق المؤشر الحديدي للميزان في منزلي، وجدته قد تراجع ليعلن خسارتي لـ خمسة كيلوغرامات أخرى!عشرة كيلوغرامات كاملة في شهرين! التدريب المكثف، والركض الفجري، وشقلبات الباركور الانتحارية التي طحنت عظامي بدأت تدفع فاتورة تعبي أخيراً. الملابس الفضفاضة أصبحت أكثر اتساعاً حتى لم تعد تصلح لي، أخذت بعض من ملابس اخي الأكبر وكانت على مقاسي! وفجأة، وبينما كنتُ غارقاً في نشوتي الخفية، شعرتُ بظل يندفع نحوي من الخلف، ليقفز شخصٌ ما فوق كتفي ويصرخ بحماس يصم الآذان: "جين هيووووونغ!"ترنحتُ خطوة للأمام بفعل الهجوم المفاجئ، وقبل أن أطلق زفرة احتجاجية أو أسدد لكمة دفاعية، التفتُّ لأرى تلك الخصلات النارية المتوهجة.تنهدتُ بقلة حيلة،و نطقت بجفاء مصطنع: "صباح الخير لك ايضاً جونغهو... الا يمكنك أن تكون أرق عند التحيه، أقسم أنك ستتسبب لي بنوبة قلبية يوماً ما."لم يستمع لشكواي كالعادة؛ بل كان يحمل ورقة ملونة ، واندفع يرفعها ويدفعها نحو عينيّ مباشرة لدرجة أنها لمست أرنبة أنفي.رجعتُ برأسي للخلف بضيق وصحتُ به: "أيها الأحمق! أبعدها قليلاً، أنا لا أرى شيئاً سوى بياض الورقة! ما هذا بحق الجحيم؟""اقرأ! اقرأ يا هيونغ! عليك أن تقرأ هذا الآن!"صرخ وهو يقفز في مكانه كجرو متحمس."وكيف أقرأ وأنت تكاد تدخل الورقة في عيني يا أحمق؟ أبعدها!"تراجعتُ خطوتين حتى تمكنتُ من الرؤية، لكن قبل أن تسعفني عيناي، سحب جونغهو الورقة بضحكة صاخبة وقرأ الإعلان بنفسه بنبرة مسرحية حماسية: "مسابقة الباركور السنوية الكبرى بين الجامعات! بعد شهرين من الآن!"نظرتُ إليه ببرود، وعقدتُ يديّ أمام صدري: "حسناً، إعلان رائع ومثير للحماس. لكنني لا أريد هدم حماسك المشتعل هذا.. ليس لدى جامعتنا نادي باركور من الأساس لنشترك في مسابقة كهذه."اتسعت ابتسامة جونغهو لتكشف عن نواجذه، وهزّ رأسه بغرور : " كان هذا صحيحاً في الماضي، لكنه ليس كذلك الآن يا هيونغ!"وفجأة، وبحركة درامية كمن يؤدي على مسرح ، سحب ورقة أخرى مطوية من جيبه الخلفي وفردها أمامي بحرص: "تفضل.. تصريح رسمي لإنشاء نادي الباركور الأول في الجامعة!"تصلبتُ في مكاني، ونظرتُ إلى الختم الرسمي الأزرق القابع في أسفل الورقة بذهول مطلق. أخذتُ الورقة من يده وأنا غير مصدق: "كيف؟... كيف فعلت هذا ؟! العميد رجل عجوز وصارم، ويكره الرياضات بكل انواعها، حتى إنه بالكاد وافق على فتح نادي كرة القدم !"رفع جونغهو ذقنه للأعلى بغرور ، ومرر يده على شعره الأحمر: "أوه.. إنه سر المهنة يا جين هيونغ، تشوي جونغهو يستطيع إقناع الصخر إذا أراد." ثم تلاشت نبرة الغرور فجأة، وحلّت مكانها مسحة من الجدية والقلق وهو يفرك مؤخرة رأسه:"لكن.. هناك مشكلة صغيرة واحدة.""ما هي؟" سألتُه ووجسي يعود لمكانه."التصريح مشروط.. علينا أن نجمع عشرة أعضاء على الأقل خلال هذا الأسبوع ليعتمد النادي رسمياً، وإلا سيُلغى كل شيء.""حسناً.. ذلك ليس صعباً جداً.... لكنه في نفس الوقت ليس سهل " ردتت وانا أمسك ذقني. من أين نجد أعضاء مناسبين خلال أسبوع فقط؟ . . . بعد الفتره الصباحيه، انطلقتْ رسمياً رحلة البحث عن الأعضاء العشرة ، أو كما أسميتها أنا: "حملة إقناع البشر بكسر عظامهم طواعية".تحولنا أنا وجونغهو ومينتشول إلى ثلاثي بائس يجوب ممرات الجامعة. كنا نقف عند المدخل الرئيسي، جونغهو يحمل المنشورات الملونة ويوجه ابتسامته المشعة نحو كل طالب يمر، بينما يقف مينتشول بهدوء يحاول شرح الجانب الآمن للرياضة، أما أنا؟ فقد كنتُ أقف في الخلف كحارس شخصي كئيب، أوزع نظرات حادة ومخيفة تمنع الطلاب من السخرية، وفي نفس الوقت أتساءل كيف انتهى بي المطاف هنا."مرحباً يا زميلي! هل ترغب في الشعور بالحرية والتحليق فوق أسطح المباني؟" صاح جونغهو فجأة معترض طريق طالب يرتدي نظارات طبية ضخمة ويحمل كدساً من كتب العلمية.تراجع الطالب للخلف بفزع، ونظر إلى المنشور ثم إلى جونغهو قائلاً برعب: "أطير فوق الأسطح؟ أنا أصاب بالدوار إذا وقفتُ فوق كرسي! ابعدوا هذا الشيء عني!"وهرب راكضاً كأننا نعرض عليه الانضمام لعصابة دولية.تنهدتُ بقلة حيلة وقلتُ لجونغهو ساخراً: "رائع.. هذا سابع هارب. متبقي ثلاثة آخرون لنكمل العشرة."نظر الآخر لي بطرف عينه ورد بغيظ :" ليس مضحكاً هيونغ! "لكنني ابتسمت على اي حال، نبدو كزوجة أب بياض الثلج وهي تحاول إقناع ضحاياها بتناول التفاحة المسمومة. لم يستسلم النيزك الأحمر؛ و في فترة الغداء، قرر جونغهو القيام بـعرض حي في فناء الجامعة لجذب الانتباه.وقفنا في منتصف الساحة بين الطلاب الذين ينظرون نحونا بفضول، صفق مينتشول مشجعاً، بينما بقيت انا صامتاً. اندفع جونغهو كالسهم، فوضع قدمه على أحد المقاعد الخشبية ليكتسب دفعة، ثم ارتقى فوق الطاولة المجاورة بحركة بهلوانيه .لم يتوقف للحظة، ثم دفع جسده للأعلى متجاوزًا الطاولات والكراسي المحيطة به بحركات متتابعة جعلت شعره الأحمر يلمع كشرارة نارٍ راقصة.استند بكفه إلى حافة إحدى الطاولات، ودارت قامته في الهواء بانسياب ريشة تحملها الرياح، ثم هبط على العشب بهدوء. ثم استقام ينفض الغبار عنه، نظر نحوى و الابتسامة الحماسية تزين وجهة كالعادة، لأبُادله بأخرى خفيفة . في كل مره أشاهده فيها يزيد افتتاني بحركاته، قد يكون أحمق و مزعج ثرثارًا ، لكن حين يتعلق الأمر الباركور يتحول إلى شخص آخر تماماً. صفق بعض الطلاب بإعجاب، وتقدم شاب ذو بنية رياضية يبدو متحمساً: "أوه! هذا رائع حقاً! هل هذا نادي للجمباز؟"اندفع جونغهو إليه بحماس: "بل هو نادي الباركور! تخطي العوائق والقفز فوق الجدران!"تلاشت حماسة الشاب فوراً وحل مكانها تعبير جاد: "جدران؟ معذرة، أنا لاعب كرة سلة، عضامي غالية عليّ ولا أريد توديع ركبتي في هذا السن." واستدار مغادراً.مسحتُ وجهي بكفي مستسلماً ، والتفتُّ إلى مينتشول: "أخبرني يا مينتشول، هل هناك أي بند في قانون العقوبات يحاسبنا إذا قمنا باختطاف ثمانية طلاب وتزوير توقيعاتهم على ورقة النادي؟"ضحك مينتشول بصخب وهو يهز رأسه: "أخشى أن العميد سيكتشف الأمر يا هيونغ، لكن انظر.. هناك من يقترب."التفتُّ لأجد فتى نحيلاً للغاية، يبدو كأنه غصن شجرة جاف، ينظر إلى الملصق بعينين متسعتين:"هل.. هل هذه الرياضة تساعد على الهروب السريع؟"نظرنا إليه نحن الثلاثة بذهول، ليرد جونغهو بغباء:"إنه جوهر الرياضة بالكامل! لماذا تسأل؟"أجاب الفتى بنبرة مرتعشة: "حسناً.. أنا أدرس في كلية الهندسة، والكلاب الضالة تلاحقني دائماً في طريق عودتي ليلاً.. إذا سجلتُ معكم، هل سأتمكن من قفز سور حديقة الحي بالكامل؟"كتمتُ ضحكتي بصعوبة، وتقدمتُ خطوة للأمام وأمسكتُ القلم و ورقه التوقيعات ، ودفعتُها نحوه: "أنت بالذات.. وقع هنا فوراً أيها الزميل المستقبلي. نحن ملاذك الآمن الوحيد ضد الكلاب."وهكذا، بفضل فتى الهندسة الهارب من الكلاب ، وطالب آخر انضم فقط لأنه ظن أن النادي يوزع وجبات بروتينية مجانية، وطالبة من قسم الفنون اعتقدت أن الباركور نوع من أنواع الرقص الحديث.. تمكنا بعد يومين من النواح والركض من جمع سبعة أسماء. سبعة مجانين، وبقي ثلاثة فقط لإنقاذ النادي من مقصلة العميد!. . أمسكتُ بالورقة، وبدأتُ أعد الأسماء المكتوبة بخطوط يد مختلفة ومتعرجة."واحد.. اثنان.. ثلاثة.. سبعة أسماء!" صرختُ بجونغهو وأنا ألوح بالورقة في وجهه: "أيها النيزك الذكي، مضى اربعة ايام ولم نجمع سوى سبعة! ينقصنا ثلاثة أعضاء والمهلة تنتهي غداً!"نظر إليّ جونغهو ببرود شديد، ثم التفت إلى مينتشول الذي كان يرتشف عصيره بهدوء، وانفجرا معاً في ضحك صاخب هزّ ممر الجامعة، لدرجة أن طالب الهندسة الهارب من الكلاب تراجع خطوة للخلف بذعر."ما المضحك في مصيبتنا يا معاتيه؟"صحتُ بهما وضغطتُ على صدغيّ اللذين بدآ ينبضان بالصداع.تقدم جونغهو وضرب كتفي بخفة وهو يمسح دمعة من طرف عينه: "هيونغ.. أرجوك أخبرني أنك تمازحني. أنت تدرس الكيمياء العضوية ومعادلاتها المعقدة، ولا تستطيع حساب عددنا؟"قطبتُ حاجبي بوجوم : "ماذا تقصد؟"أخذ مينتشول الورقة مني بلطف، وأشار بسبّابته إليّ ثم إلى جونغهو ثم إلى نفسه: "جين هيونغ.. السبعة الذين وقعوا هم الأعضاء الجدد. أضف إليهم أنا وأنت وجونغهو.. كم يصبح المجموع؟"تصلبتُ مكاني لثوانٍ. رمشتُ بعينيّ ببطء، وأنا أحسب الحسبة البسيطة في عقلي. سبعة.. زائد ثلاثة.. يساوي عشرة."تباً.." همستُ بها بذهول وسخرية من نفسي، بينما كان جونغهو يكاد يسقط على الأرض من فرط الضحك: "أوه يا إلهي! جين هيونغ كان مستعداً لاختطاف ثلاثة طلاب آخرين وهو يملك العدد الكامل بالفعل!"حمحمتُ بحرج محاولاً استعادة هيبتي الضائعة، وسحبتُ الورقة من يد مينتشول بعنف: "احم.. كنتُ فقط أختبر شدة انتباهكما، هذا كل شيء. هيا بنا إلى مكتب العميد قبل أن أغير رأيي وأسحق رأس هذا النيزك الضاحك.". . مشينا نحو مبنى الإدارة، وأنا أنظر إلى الورقة التي تحمل تصريح نادينا الجديد. عشرة أعضاء.. عشرة مجانين بائسين وخارجين عن المألوف، سيقودهم فتى أحمر الشعر، ويدعمهم فتى هادئ، ويحميهم فتى ممتلئ خسِر عشرة كيلوغرامات من وزنه وقرر أخيراً أن يتحدى الجاذبية.لقد أغلقتُ قائمة الأسماء، وبدأتْ رسمياً رحلتنا نحو المسابقة الكبرى بعد شهرين.. . . عدتُ إلى المنزل والبهجة التي كانت تملأ صدري بإنشاء النادي تبخرت فور أن دلفتُ من الباب الخشبي.كانت الأجواء كالعادة باردة وخانقة. توجهتُ نحو المطبخ لأرتشف بعض الماء، لتستوقفني والدتي التي كانت تجلس عند طاولة الطعام.تفحصتني بملامحها الحادة، وظلت نظراتها تتنقل على جسدي الذي تراجع حجمه بشكل ملحوظ تحت الملابس الفضفاضة. تمنيت أن أرَ في عينيها فخراً أو حتى اعترافاً بتغيري ، لكن قابلتني بنظرات جليدية حانقة . أخرجت من حقيبتها علبة بلاستيكية صغيرة، ودفعتها فوق الطاولة نحوي قائلة بنبرة آمرة جافة:"سوكجين، هذه حبوب كابحة للشهية مستوردة وجديدة، لقد كلفتني الكثير. تناولها بانتظام لتتخلص من بقية تلك الشحوم المقرفة."نظرتُ إلى العلبة الرمادية، وشعرتُ برغبة في التقيؤ بمجرد تذكر تلك الليلة السوداء التي كدتُ أنهي فيها حياتي بتلك العقاقير البائسة.تراجعتُ خطوة للخلف، وقلتُ بصوت هادئ وصلب:"لن أتناولها. خذيها وأعيديها من حيث أتيتِ بها.. أنا لم أعد بحاجة لهذه السموم."تصلب وجه والدتي، ونهضت من مقعدها بعنف أحدث صريراً حاداً، وصرخت بوجهي بنبرة هستيرية غاضبة: "ماذا دهاك أيها العاق؟ الحبوب التي كنتَ تبلعها طوال الأشهر الماضية هي التي أنقصت وزنك وجعلتك تبدو بشرياً مجدداً! عليك أن تكون شاكراً لأنني ما زلتُ أهتم بمظهرك المقزز أمام الناس، لا أن تتفلسف فوق رأسي!"خرجتْ مني ضحكة ساخرة مريرة هزت أركان المطبخ، ضحكة فتى لم يعد يخشى سوط كلماتها، فتى مل انتظار نظرات عطف و حب منها. نظرتُ في عينيها مباشرة وقلتُ بنبرة حادة وواضحة:"الحبوب؟ أتظنين حقاً أن هذه العقاقير السامة هي من أنقص وزني؟ نقص وزني كان بجهدي الخاص! بعرقي، بدماء قدميّ، بالركض في الصقيع عند الخامسة صباحاً، وبطحن عظامي يومياً! لا علاقة لعقاقيركِ الغبية بهذا التغيير، بل هي كل ما كانت تفعله هو إمراضي وتدمير معدتي و إصابتي بصداعي مزمن."احتقن وجه والدتي بالدم الصاعد من فرط الغضب، وازداد صراخها حدة وهي تكيل لي الشتائم والاتهامات بالتمرد وقلة الاحترام، لكنني لم أعد أستمع. لقد مات جين القديم بالفعل. التفتُّ عنها ببرود تام وتوجهتُ نحو الدرج، صاعداً إلى غرفتي بخطى واثقة، تاركاً صوت صراخها يتردد خلفي في الرواق دون أن يمس شعرة واحدة من ثقتي.دخلتُ غرفتي وأغلقتُ الباب بالمفتاح، ارتميتُ على سريري وأنا أتنفس براحة وكان جبل انزاح عن كاهلي .لن أدمر صحتي مجدداً من أجل إرضاء عقدها النفسية ومن أجل مجتمع حثالة. نظرتُ إلى أشلاء لوحتي القديمة المعلقة في الزاوية، وابتسمتُ بسعادة .. لقد وجدتُ هدفي في الحياة أخيراً، ومعي عشرة مجانين مستعدين للطيران، ولن يسمح جين الجديد لأي شخص بأن يكسر أجنحته بعد الآن.                   -------------------                           رايكم بالفصل؟                 نادي الباركور و اعضاءه ؟                        علاقه جين و أمه؟           توقعاتكم للمسابقه المنتظره؟