رسائل لم ترسل | فصل (الإختبار)
رسائل لم ترسل | فصل (الإختبار)
انغلق الباب الضخم خلفهما بصوتٍ أشبه بضربة مقصلة. سقطتُ على الأرض المتربة بجوار الأريكة، وجسدي ينتفض بالبكاء. لم تكن دموع حزن عادية، بل كانت دموع قهر وإهانة شعرتُ بها في كل خلية من جسدي. كلمات سعاد المسمومة كانت ما زالت تطن في أذني كصواعق متتالية: "حتة مهندسة فاشلة.. شديتي ابني للسرير". نظرتُ إلى يدي المرتجفتين، ثم إلى الصندوق الأسود المفتوح على الطاولة. شعرتُ بالاشمئزاز من نفسي، ومن هذا البيت، ومن تلك اللعنة المتوارثة التي جعلتني عارية ومستباحة أمام كراهية امرأة لا ذنب لي في ماضيها.قضيتُ بقية اليوم غائبة عن الوجود، محبوسة في غرفتي المظلمة، أرفض الرد على مكالمات يوسف المتكررة ورسائله الاستعطافية التي تملأ شاشة هاتفي. كنتُ أشعر أن أي تواصل معه الآن هو طعنة إضافية لكرامتي التي أُهدرت.في اليوم التالي، رنّ جرس الباب مجدداً. تملكتني رعدة ذعر، لكنني فتحتُ الباب مستعدة للمواجهة. لم تكن سعاد هذه المرة، بل كان يوسف وحده. كان يبدو كمن خرج من معركة طاحنة؛ عيناه حمراوان من قلة النوم، وشعره مبعثر، وملامحه مكسورة تماماً.دخل دون أن يستأذن، وألقى بنفسه عند قدمي وأنا جالسة على المقعد، ممسكاً بيدي بقوة وهو يبكي بنحيب مرير:"سامحيني يا ليلى.. أنا مش عارف أبص في وشك إزاي بعد اللي أمي قالته وعملته. أنا اتخانقت معاها قلبنا الدنيا، وسبت لها البيت.. أنا مستعد أتجوزك دلوقتي حالا ونقطع علاقتنا بيهم كلهم." نظرتُ إليه بقلبٍ ثقيل، وسحبتُ يدي ببطء وهدوء شديدين. قلتُ له:"قطع العلاقات مبيرممش القلوب اللي اتوجعت يا يوسف.. أمك مهاجمتنيش أنا، هي كانت بتهاجم شبح جدتي فيا. جوازنا وأنت هربان من غضبها هيكون مجرد هروب تاني، وهينتهي بالندم."قبل أن يجيب، اهتز هاتف يوسف برسالة نصية من والدته. قرأها، وتصلبت ملامحه، ثم رفع عينه إليّ وقال بصوت مذهول:"أمي بعتت رسالة.. بتقول إنها مستعدة تديكِ فرصة، بس بشرط واحد."نظرتُ إليه بحذر:"شرط إيه؟"بلع ريقه بصعوبة ثم أجاب:"جالها تليفون من صديق عائلي شغال في وزارة الثقافة، في منحة لمهندسين الترميم في إسبانيا، مشروع تبع الأندلس لمدة سنة كاملة. أمي بتقول.. لو ليلى وافقت تسافر السنة دي، وفضلتوا بتحبوا بعض بعد سنة من البعد والمسافة، هي مش هتقف في طريقنا وهتوافق على الجواز.. بس لازم تسافري فوراً."ضحكتُ بمرارة؛ لم تكن سعاد غبية، بل كانت شديدة الدهاء. لم تكن هذه "فرصة"، بل كان اختباراً مغلفاً بالخبث؛ حيلة ذكية لإبعادي عن طريق ابنها، ظناً منها أن غربة سنة كاملة في بلاد باردة كفيلة بأن تقتل هذا الاندفاع العاطفي، وتنسي يوسف اسم "ليلى" كما نسيت الأيام أسماءً كثيرة قبلها.نظرتُ إلى يوسف، ورأيت الخوف من الفقد يلوح في عينيه مجدداً. اعتدلتُ في جلستي، وشعرتُ بكبريائي الجريح ينهض من جديد. لم أكن سأقبل السفر لإرضاء سعاد، بل كنتُ سأقبله لأجل نفسي، لأثبت لها وله وللتاريخ أننا لسنا ضعفاء، ولأنني كنتُ بحاجة إلى تلك المسافة لأعرف إن كان هذا الحب حقيقياً أم مجرد صدى لمرض أجدادنا القديم. قلتُ له بنبرة حاسمة هزت سكون الغرفة:"أنا موافقة يا يوسف.. أنا هسافر إسبانيا. والسنة دي هي اللي هتقول لو كان الحب ده يستاهل نحارب علشانه.. ولا أمك كانت صح."