LNCrawler

رسائل لم ترسل - فصل (البحث)

لعبة بافوميت — www.novlay.com · All chapters

رسائل لم ترسل - فصل (البحث)

فتحتُ كمبيوتري المحمول، وكتبت في محرك البحث اسمًا لم أكن أعرف عنه سوى بضعة أحرف من الماضي: "آدم.. الزمالك.. 1965".قضيتُ الساعات الأولى من الفجر والكمبيوتر المحمول يضيء وجهي في عتمة الصالة. كانت المحاولات الأولى محبطة للغاية؛ فالبحث عن اسم "آدم" في القاهرة دون كنية يشبه البحث عن إبرة في كومة قش رقمية. ظهرت أمامي آلاف الحسابات والصفحات التي لا تفضي إلى شيء ملموس.فركتُ عينيّ المجهدتين والتقطتُ الحزمة الأولى من الرسائل مجدداً. بدأتُ أقرأ السطور بتأمل معماري، باحثة عن تفصيلة مكانيّة أو إشارة دقيقة خارج حدود العواطف. تذكرتُ ما كتبته جدتي في رسالتها الأولى عن الفوارق بين عالمها في السيدة وعالمه في الزمالك. وفي الرسالة الثامنة، العائدة إلى ربيع 1966، توقفتُ أخيراً عند خيط حقيقي وجملة كتبتها عابرة:« ورأيتُ سيارتك "الفيات الكابريوليه" الزرقاء تقف كالعادة أمام فيلا عبد الحميد باشا، خلف كنيسة المرعشلي بالزمالك.»قفز قلبي. "عبد الحميد باشا". هذا هو المفتاح. عُدتُ إلى لوحة المفاتيح بنشاط مفاجئ، وكتبت: "عائلة عبد الحميد باشا.. الزمالك".هذه المرة، انفتحت أمامي طاقة القدر. ظهرت شجرة عائلة ممتدة، ومقالات تتحدث عن تأميم ممتلكات العائلة بعد الثورة، ثم نعي قديم نُشر في جريدة الأهرام عام 2014: "توفي إلى رحمة الله تعالى الكاتب والمفكر آدم عبد الحميد، حفيد عبد الحميد باشا، عن عمر يناهز السادسة والسبعين".تصلّب جسدي وأنا أقرأ التاريخ. توفي قبل خمس سنوات فقط. لقد عاش عمراً كاملاً بعد رحيل جدتي، مات شيخاً وقوراً وترك خلفه إرثاً من الكتب الثقافية والتاريخية. نقرتُ على الروابط المرتبطة باسمه، ليردني أحدها إلى صفحة تعزية رسمية تخص كلية الآداب بجامعة القاهرة، وكان من بين المعزين حفيد يحمل اسماً مألوفاً: "دكتور يوسف عبد الحميد، أستاذ التاريخ الحديث بالكلية".بحثتُ عن حساب يوسف على منصات التواصل. ظهرت لي صورته؛ رجل في أوائل الثلاثينيات، يرتدي نظارة طبية ذات إطار أسود خفيف، ملامحه هادئة وتحمل مسحة من الجدية الأكاديمية الصارمة، لكن في عينيه شيئاً من نظرة "آدم" التي وصفتها جدتي في حديقة الأورمان.ترددتُ طويلاً. كيف سأبدأ كلامي مع رجل غريب؟ كيف أقول له إنني أحمل رسائل غرامية كتبتها جدتي لجده قبل نصف قرن؟ صغتُ الرسالة في عقلي مئة مرة، ومسحتها مئة مرة، حتى استجمعتُ شجاعتي وأرسلتُ له عبر حسابه الأكاديمية:«أهلاً دكتور يوسف. أنا ليلى عبد الرحمن، مهندسة معمارية. أقوم حالياً بترميم منزل جدتي الراحلة "نور" في الزمالك، وأثناء العمل عثرتُ على صندوق مغلق يحتوي على رسائل شخصية قديمة متبادلة في الستينيات، وموجهة إلى جدك الراحل الأستاذ آدم عبد الحميد. أعلم أن الأمر يبدو غريباً، لكن الرسائل تحمل قيمة إنسانية وتاريخية تخص عائلتينا، وأود بشدة أن أشاركك محتواها إذا سمح وقتك.»أغلقتُ الكمبيوتر ونمتُ نومًا قلقًا مليئاً بأطياف الماضي.في تمام الساعة الحادية عشرة صباحاً، أيقظني صوت إشعار الرسائل الواردة. فتحتُ الهاتف بسرعة ويداي ترتجفان. كان الرد من يوسف، مختصراً، حذراً، لكنه يحمل نبرة من الفضول المهذب:"أهلاً بشمهندسة ليلى. الكلام ده غريب ومفاجئ جداً بالنسبة لي، بس جدي الله يرحمه كان دايماً بيتكلم عن فترة الستينيات كأنها أهم مرحلة في حياته. أنا هكون موجود في الزمالك بكرة بالليل عشان عندي شغل قريب من كنيسة المرعشلي. لو يناسبك، ممكن نتقابل في كافيه هناك أو أعدي عليكي في البيت أشوف الموضوع ده؟"قرأتُ الرسالة مرتين، ودق قلبي بعنف. لم أكن أريد لقاءً عابراً في مقهى صاخب وسط ضوضاء الأكواب وحركة الناس؛ هذه الرسائل تحتاج إلى جدران تفهمها. كتبتُ له عنوان الشقة مباشرة، واتفقنا على التاسعة من مساء الغد.قضيتُ يومي في تنظيف الصالة وإعداد المكان. مسحتُ الطاولة الخشبية العتيقة حتى لمعت، ووضعتُ الصندوق المعدني الأسود في المنتصف تماماً، وبجواره غلاية القهوة. وقبل أن تصدق عقارب الساعة التاسعة بوعودها، رنّ جرس الباب الخارجي.أخذتُ نفساً عميقاً، وفتحتُ الباب.كان يقف أمامي؛ أطول مما بدى في الصور، يرتدي قميصاً أزرق داكناً مريحاً، ويحمل حقيبة جلدية فوق كتفه. تلاقت أعيننا في الممر المظلم للشقة، ولثوانٍ معدودة، شعرتُ وكأن الهواء انقطع عن المكان، وكأن الزمكان انطوى ليجمع بين "نور وآدم" من جديد عبر ملامحنا.ابتسم باهتزاز مهذب وقال بصوت رخيم:"مساء الخير يا بشمهندسة.. أنا يوسف."أفسحتُ له الطريق وقلت بوجل:"أهلاً يا دكتور.. اتفضل، نورت البيت."