رواية: رسائل لم ترسل - عنوان الفصل: العقبة
رواية: رسائل لم ترسل - عنوان الفصل: العقبة
مرتْ ثلاثة أسابيع كاملة كأنها حلم خاطف، كانت القاهرة خلالها تبدو مختلفة تماماً في عيني. لم تعد تلك المدينة الإسمنتية المزدحمة التي هربتُ إليها، بل غدتْ مسرحاً لحكايتنا الوليدة. كنا نلتقي تقريباً كل مساء؛ نتجول في شوارع الزمالك الهادئة تحت ظلال أشجار الفيكس العتيقة، أو نجلس في الحديقة الخلفية للشقة نتبادل الرسائل والضحكات. كانت مشاعرنا تنمو باندفاع جارف، كأننا نحاول تعويض سنوات الجفاء والانتظار التي عاشها أجدادنا.وفي ليلة من تلك الليالي، كنتُ أقف في المطبخ أعدّ القهوة بماء الزهر، عندما تسلل يوسف من خلفي بهدوء. شعرتُ بأنفاسه الدافئة تلامس عنقي قبل أن يطوق خصري بذراعيه، ساحباً جسدي نحو صدره العريض. التفتُّ بين يديه بحياء داهم، فالتقيتُ بعينيه خلف نظارته الطبية، وقد غاب عنهما وقار الأستاذ الجامعي وحلّ محله شغف حارق.همس وهو يزيح خصلة شعر تمردت على وجهي:"مش متخيل حياتي قبل الثلاث أسابيع دول كانت عاملة إزاي.. إنتي غيرتي طعم الأيام يا ليلى."ابتسمتُ، ولم أكد أنطق بكلمة حتى انحنى وطبع قُبلة رقيقة على خدي، ثم هبط بشفتيه نحو شفتيّ. كانت قُبلة طويلة، عميقة، تفيض بمشاعر جياشة احتبست في صدورنا لأيام. شعرتُ بركبتيّ تكادان تعجزان عن حملي، فتمسكتُ بمؤخرة رأسه بقوة، جاذبة إياه إليّ وكأنني أقول صامتة: "لا تتركني أبدًا"، بينما امتدت يده لتتغلغل في شعري، يشدني إليه أكثر كأنه يخشى أن أتبخر من بين يديه. كان المزيج بين رائحة القهوة العبقة ونبضات قلبه المتسارعة يصنع حولي هالة من النشوة الخالصة، ثوانٍ انفصلنا فيها عن العالم وجدرانه وخوفه.لكن دوام الحال من المحال.بعد تلك الفترة المترعة بالحب، جاءني يوسف ذات مساء ووجومٌ غريب يكسو ملامحه. دخل الشقة بخطى ثقيلة، ولم يتجه صوب الحديقة كالعادة، بل جلس على الأريكة الواسعة مطرقاً رأسه بين يديه.انقبض قلبي فوراً. جلستُ بجواره، ووضعتُ يدي على كتفه قائلة بوجل:"مالك يا يوسف؟ في إيه؟ شكلك مش مريحني."تنهد بعمق، ورفع رأسه لينظر إليّ بعينين يملؤهما الأسف والمرارة، وقال بصوت مخنوق:"أمي عرفت يا ليلى.. أمي عرفت بكل حاجة."شعرتُ ببرودة مفاجئة تجتاح أطرافي:"عرفت إزاي؟ وقالت إيه؟"أمسك يدي وضغط عليها كأنه يعتذر عن ذنب لم يقترفه:"شافتني وأنا بكتب الرسائل الأسبوع اللي فات، ولما واجهتني مأنكرتش.. حكيت لها عن الصندوق وعنك. المشكلة مش فيكي إنتي كشخص، المشكلة في العقدة القديمة.. أمي شافت جدتي، وهي بتتعذب طول حياتها بسبب اسم 'نور'. شافت بيتها وهو قايم على صمت ووجع وراجل عايش بجسمه بس مع عيلته. هي مرعوبة.. مرعوبة إني أكرر مأساة جدي، وشايفة إن علاقتنا دي مش حب حقيقي، دي مجرد لعنة وتاريخ بيعيد نفسه."سقطت كلماته كأحجار ثقيلة فوق صدري. سحبتُ يدي ببطء، ونظرتُ إلى الفراغ. لم أكن غاضبة من والدته، بل على العكس؛ كمهندسة تفهم كيف تؤثر الأساسات القديمة في سلامة البناء، تفهمتُ تماماً مخاوف "سعاد". لقد عاشت تلك المرأة طفولتها وشبابها تشاهد أمها تُهدم كل يوم بسبب امرأة تُدعى نور.التفتُّ إلى يوسف، والدموع تحجب الرؤية عن عينيّ، وقلت بصوت مرتعش:"عندها حق يا يوسف.. الخوف اللي جواها حقيقي. التاريخ مش سايبنا في حالنا، وكل ما بنحاول نبعد عنه، بيطلع لنا من تحت الأرض."ساد صمت مطبق، ثقيل ومخيف، كأن جدران الشقة تضيق علينا وتستعد لابتلاعنا في جوف غياب جديد. نظرتُ إلى يوسف، ورأيت الرعب ذاته يرتسم في عينيه؛ لم يكن خوفاً عادياً، بل ذعر الفقد الذي بدأ يتسلل إلى عروقنا قبل الأوان. فجأة، وباندفاع أعمى خالٍ من أي تمهيد، ألقى يوسف بنفسه نحوي، وجذبني إليه بقوة كادت تحطم ضلوعي.التقت شفتانا في قبلة عنيفة، عاصفة، تختلف تماماً عن عذوبة قبلتنا الأولى. كانت قُبلة مجنونة يمتزج فيها الشغف الجسدي بمرارة الرجاء؛ كأننا نتوسل إلى بعضنا بألا نستسلم، ونستجدي من اللحظة أن تتجمد. تغلغلت أصابعه في شعري بعنف يائس، يجذب رأسي إلى الخلف ليشرب من شفتيّ كل ذرة صمود متبقية، بينما تشبثتُ بقميصه أدفن نفسي في صدره، والدموع الساخنة تسيل من عيني لتذوب بين شفتينا الملتصقتين.امتزج طعم الملوحة برائحة أنفاسه اللاهثة، وغبنا في شبق محموم مدفوع بالخوف الخالص؛ معركة شرسة نخوضها بأجسادنا ضد التاريخ والعالم وأميال المسافة التي شعرنا أنها تقترب. كنا نقبل بعضنا كغرقى يتنازعون على آخر أنفاس الهواء قبل الغرق الكامل، وكأننا ندرك، في قاع أرواحنا المرتجفة، أن هذه القبلة قد تكون حصننا الأخير قبل الإعصار.