LNCrawler

رواية المسؤولة الخفية للعائله | الجزء الأول

المسؤولة الخفية للعائله — www.novlay.com · All chapters

رواية المسؤولة الخفية للعائله | الجزء الأول

بغداد مدينة الأسرار، تجمع بين العمران والنور، وتخفي بين أزقتها الجريمة والظلام. بقعةٌ يحمي فيها كل شخص سرّه، ولا شيء فيها كما يبدو على حقيقته. الحقيقة الوحيدة الثابتة هي أن الأغنياء ينعمون فيها برغد العيش، بينما يكدح الفقراء حتى تتآكل أجسادهم الضعيفة. اعتاد أهلها الذين ولدوا فيها هذا الخلل الذي يفصل بين المترفين والمحرومين، لكن ذلك لم يمنع الحقد من أن ينهك قلوبهم. أغلبهم يصارعون الجوع واليأس، وجلّهم يتكدسون في "حي الخيزران"؛ ذلك البؤر المعتمة التي تفوح منها رائحة الفقر والخوف.إذا كان الذين يمشون في الطرقات المبلطة تحت الشمس يملكون سمات مريبة، فإن الوحوش الكاسرة التي تتربص في الظلام هي ما يزرع الرعب في قلب أعتى الرجال. هؤلاء الوحوش ليسوا سوى بقايا رجال حطمهم قسوة الشتاء وفتك بهم الجوع.ذاك الصبي الصغير الذي يبيع الصحف عند زاوية الشارع؟ ليس إلا نشالاً محترفاً يتخلص من ضحاياه دون رحمة. وتلك المرأة التي تقف خلف عربة الخضار بالقرب من جامع الرصافة؟ تتدبر إدارة عدة دور للمشبوهين على ضفاف نهر دجلة وتتخلص ببلادة من أي حمل غير مرغوب فيه. في حي الخيزران لا مكان للعيش الكريم، بل هي محاولة مستمرة للبقاء؛ شوارعه كالشفرة الحادة لا يجيد التعامل معها إلا من تمرس على السير بين المخاطر.يضم حي الخيزران نواحي عدة للمآسي، لكن بقعة واحدة فيه تُعد رأس البلاء؛ إنها "سوق الجسر". بموقعها المتوسط وإشرافها المباشر على النهر، اكتسبت سمعة بكونها البقعة الأغلى والأكثر ربحاً لكل تجارتهم المحرمة.والعجيب أن السوق تشهد في النهار حركة تجار وناس يبتسمون للمستقبل، فتدب الحياة في أرجائها. ولكن ما إن يحل الليل حتى تخرج وحوش الظلام لتمارس عبثها، تقتات على كل من يسوقه سوء حظه للمرور بمرادهم. والذين يغامرون بالدخول بعد هبوط الليل يختفون تماماً، ثم تطفو أجسادهم بعد أسبوع على سطح النهر.في هذه الليلة المظلمة العاصفة، كان "زقاق النخيل" يموج بالحركة الليلة. صبي صغير ينشل صرة دراهم من رجل سكران يترنح بجانب امرأة لعوب تهمس في أذنه بوعود زائفة. قوارب صغيرة ترسو بهدوء في مياه النهر المظلمة، يتداول أصحابها البضائع المهربة ويبيعونها بسرعة قبل أن يتسللوا عائدين كالأشباح. وعلى طول الشارع، ينبعث الضوء الدافئ من الحانات المكتظة ليضيء طريق الذين يترنحون في عودتهم إلى منازلهم.شَبَّ شجار بالقرب من حانة "الأعور"، حيث اشتبك رجلان على الأرض المبتلة، وتجمهر حولهما بعض المارة يترقبون نهاية ستنتهي حتماً بمقتل أحدهما. ومن زقاق جانبي، انسلت شخصية مبهمة من قلب الظلمة لتلج في بقعة الضوء المنبعثة من نوافذ الحانة. كانت ترتدي عباءة سوداء ثقيلة وتغطي وجهها بغطاء رأس دافئ. وقفت اللثام تفحص الشجار لبرهة، ثم تجاوزت الجمع ودخلت الحانة.كانت حانة "الأعور" مقهى كبيراً يمتلئ بالطاولات الخشبية الدبقة والمقاعد المتشاطية. وكان الوجار يتأجج بالنار، فينشر الدفء والنور على الزبناء الغارقين في سكرهم. عُلّقت على الجدران لوحات للطبيعة بجانب صور أخرى مبتذلة. يمتد المنضدة الرئيسية على طول الجدار الأيمن مع ممر صغير ينتهي إلى الخلف. المقهى يعج بالرجال الذين يرمقون الخادمان بنظرات مريبة أثناء توزيع الشراب المغشوش. يقف خلف المنضدة رجل ضخم كالجبل على خده الأيسر ندبة غائرة. قفزت عيناه الصغيرتان نحو الدخيل فور فتح الباب، لكنه لم يبدِ أي رد فعل واصل مسح الكأس التي بيده.تحرك الوافد بحذر متجنباً صخب الزبناء وفوضاهم، وسار محاذياً للمنضدة حتى وصل إلى الممر الصغير. وبدلاً من أن يتجه يساراً ليقف خلف المنضدة، واصل طريقه مباشرة نحو باب صغير متوارٍ خلف رفوف المشروبات. لم ينتبه له أحد وهو يدفع الباب برفق ليفتح في صمت.وراء الباب تقبع غرفة سريّة صغيرة تتسع بصعوبة لثلاثة أشخاص. لم يكن فيها سوى مكتب وكرسي خشبي وقبالته كرسي آخر. تضيء الشمعة الجدران والأرضية الحجرية، بينما لا ينبعث أي ضوء من النافذة الصغيرة المطلة على الزقاق الجانبي. أغلق الدخيل الباب وسحب المزلاج الحديدي الثقيل، فأصدر صوتاً خفيفاً جعل الرجل الجالس خلف المكتب يرفع رأسه عن الأوراق ويطبب حاجبيه بنظرة جهمة. أظهر ضوء الشمعة فكه الخشن وأنفه المكسور سابقاً، والتمع الشعر الملتصق بجبينه، بينما كانت لحيته الكثة المهملة تسلط الضوء على شفته المدماة.وقف صابر وهو يسأل بصوت جاف: صابر: ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟ملأ بجسده العريض نصف الغرفة. وتحركت يده بتلقائية نحو الخنجر المعلق في حزامه.توقف الوافد ينظر إلى السلاح، ثم تقدم بخطوات هادئة: ثريا: أسترميني بسلاحك يا صابر؟عند سماع هذا الصوت الناعم، استرخى صابر ووضع يده الضخمة على صدره: صابر: لقد أفزعتني يا سيدة ثريا.ثم عاد يلقي بجسده على الكرسي: صابر: سامحيني، فالحذر واجب في هذه الأيام، كنت أدافع عما أملك فقط.ثم جرع شربة من كأسه.أزاحت ثريا غطاء رأسها وابتسمت ابتسامة باردة: ثريا: تقصد ما أملكه أنا.مرر صابر إصبعه على ذقنه ملتقطاً نبرة التحدي: صابر: قصدتُ ما كان يملكه جدكِ.ردت عليه بهدوء وهي تجلس على الكرسي وتضع قدماً فوق أخرى: ثريا: وقد مات جدي، وآلت ملكيته إليّ بموجب وصيته. صابر: إذن، لهذا السبب أتيتِ للنقاش.أومأت برأسها وثبتت نظراتها عليه. تململ صابر في جلسته لكنه لم يحرف نظرها. صابر: حسناً، لنتحدث.مدّ يده إلى أحد أدراج المكتب وأخرج بضع أوراق: صابر: لم أتحدث مع باقي الرجال بعد، لكننا متفقون على أنكِ إن كنتِ لا تريدين تحمل هذه الأعباء وإمضاء الوقت كما كان يفعل الراحل، فإننا قادرون على إدارة الأمور بدونكِ.ثم دفع بالأوراق والقلم نحوها: صابر: توقيعكِ على هذه الورقة يعفيكِ من أي التزام تجاه سوق الجسر.انحنت ثريا وقرأت السطور سريعاً، ولم يستغرق الأمر منها سوى دقائق قبل أن تدفع الورقة بعيداً عنها. ثريا: أتريدون إدارة المكان بمفردكم؟ أجننتم؟لم يرد صابر، فتابعت والنبرة الغاضبة تتسلل إلى صوتها: ثريا: ما الذي تجده فيّ غير مناسب؟ أهو سني؟ أم كوني امرأة؟ صابر: كلاهما، وبصراحة أنتِ تفتقرين إلى الخبرة، ولا أستطيع تحمل هذه المخاطرة.أومأت برأسها وهي تفكر، ثم طوت ذراعيها وحافظت على هدوء ملامحها. تركت الصمت يسود الغرفة لبرهة بينما كان يرمقها بنظرات قلقة، وعندما تحدثت جاء صوتها هادئاً بشكل مفاجئ. ثريا: لا أشك في قدرتك على إدارة هذا المكان لعدة أشهر، فسمعتك القاسية تسبقك، ولا أجادل في أساليبك.ثم قامت وسارت نحو النافذة، ومررت يدها المغطاة بالقفاز على إطارها المتسخ: ثريا: ولكن ما الذي سيحدث عندما تنفد الأموال؟ وتطرح السلطات أسئلتها؟ المحقق شاهين يضع سوق الجسر في رأسه، ويوهم نفسه بأنه المصلح الذي سينظف هذه الشوارع.انحنت إلى الأمام ومسحت لوح الزجاج، فتراجعت العناكب المتشبثة بالغبار إلى جحورها. نظرت إلى الزقاق المظلم ثم أردفت: ثريا: نعلم جميعاً أن هذه الشوارع ستظل ملوثة، ولن يستطيع ذلك الرجل تغيير شيء، خاصة وأن عائلتي هي من تمول معظم جهود الجهات الأخرى. في الحقيقة، عائلتي هي من دعمت كل خطوة هنا، واستخدمنا نفوذنا لصالح الناس، ولن أسمح بضياع ذلك.راقبت عنكبوتاً ينسج خيطه في الغبار لتمنح صابر فرصة لاستيعاب كلماتها، ثم التفتت إليه بملامح حاسمة: ثريا: الدعم الوحيد الذي ستحصل عليه من آل المنصور سيكون عن طريقي أنا فقط.نnature النظر إليها صابر بثبات ثم أطرق رأسه نحو الأرض: صابر: خطبة عصماء وبذلتِ فيها جهداً، لكن الأمر يتطلب أكثر من الكلمات المنمقة وجدٍ نافذ لتبسطي نفوذكِ على سوق الجسر.ثم استند إلى الخلف: صابر: هناك عائلات كثيرة يمكننا اللجوء إليها إذا ضاقت بنا الأحوال، فلستِ الوحيدة التي تملك المال. ثريا: أفتخاطر بهذا الاستقرار؟ بمجرد أن تتغير المعادلة، ستخسر كل ما تعبت في بنائه.اقتربت من المكتب وانحنت حتى أضحت قبالة وجهه: ثريا: الناس يحترمون عائلتي، ويحترمونك أنت أيضاً، وهذا المكان آمن بالنسبة لهم. إن أدخلت عائلة غريبة بأهداف مختلفة، فستنهار الأمور فجأة ودون أن تشعر.تراجعت ببطء وعادت إلى كرسيها، وجمعت يديها في حجرها: ثريا: لن أدعي أن خسارة سوق الجسر لن تؤثر عليّ وعلى عائلتي، فأنا بحاجة إليكم أيضاً، وهذا ما يجعل الشراكة بيننا مجدية.ثم رفعت رأسها بثقة: ثريا: لكن كلينا يعلم أنني سأظل حية لأرى عائلتك "الجديدة" وهي تدمر كل شيء وكل شخص. هل أنت متأكد من أنك ستنجو؟ ماذا لو رأوا أن قتلك أنفع لهم من بقائك حياً؟دفع صابر كرسيه إلى الخلف ودار حول المكتب ليقف أمامها، فنهضت بسرعة. كان يطوقها بحجمه الضخم كأنه جذع شجرة عتيق. صابر: لم يمضِ على دفن جدكِ أسبوع واحد حتى جئتِ لتأخذي مكانه، تتحدثين مثله تماماً. ثريا: لقد دفنّاه اليوم.وانزلقت يدها على ثوب حدادها الأسود. لبرهة، تلينت ملامح صابر وظهر عليه الأسف. لاحظت ثريا ذلك، فحنحنت فوراً ورسخت نظرة جادة على وجهها. ثريا: مات الرجل، لكن العمل والمال وحياة الناس في هذه السوق لن تتوقف لموته. أنت بحاجة إليّ، وأنا بحاجة إليك. لا أدعي المعرفة بكل شيء، لكننا معاً سننجح في إدارة هذا المكان.فكر صابر للحظات، ثم مدّ يده الضخمة الخشنة نحوها. رفعت حاجبيها ونظرت إلى يده: ثريا: أأنت متأكد؟ صابر: لا أضمن لكِ أن تكون النهاية سعيدة، فالناس لن يتقبلوا الأمر بسهولة، فأنتِ امرأة في النهاية. ثريا: أوَلاحظوا ذلك؟ يا للمفاجأة!ثم خنست قفازها الدانتيل الأسود من يدها اليمنى: ثريا: أنا متفهمة للوضع.تصافحا، ليعلنا بدء شراكة غير مكتوبة بينهما. صابر: أهناك شيء آخر؟ثم عاد إلى كرسيه وبدأ في إشعال لفافة تبغ. ثريا: ألا يحق للفتاة أن تزور حاميها لمجرد الحديث اللطيف؟وابتسمت له ابتسامة خفيفة تداري بها شدة ارتياحها.لم يبتسم صابر و: صابر: كلام جميل، لكن لديّ عمل هام.اقتربت من المكتب وحاولت قراءة الأوراق الموجودة على السطح. لم تفهم جداول الأرقام، لكنها ميزت عنواناً يعود لأحد أكثر الموانئ ربحاً على أطراف سوق الجسر. ثريا: ما هذا؟ صابر: هذا مخطط لوضع تدابير وقائية؛ فهناك عائلة تحوم حول هذا الميناء، وأود تجنب تكاليف حرب الشوارع، لذا اتركيني أعمل.قطبت حاجبيها: ثريا: أي عائلة؟ صابر: عائلة آل القاسم. ثريا: ومن هؤلاء؟ لا أعرف عائلة بهذا الاسم.ثم وضعت يدها على خصرها وتفكرت: ثريا: علينا أن نسأل ونرسل أحداً لاستكشاف أمر هذه العائلة. صابر: أجهل عنهم ما تجهلينه تماماً.ثم نظر إلى وجهها القلق وسارع إلى طمأنتها: صابر: لكن لا ينبغي أن نتصرف بتسرع ونشيع الخوف قبل الأوان. أفهم قلقكِ، ولكن لا تشغلي بالكِ، سأرسل عمران إذا حدث أي جديد. أما الآن، فلنترقب ونخطط للمستقبل.ثم تفحص ساعته الذهبية: صابر: اقتربت الساعة من الثانية فجراً، عليكِ بالعودة إلى المنزل. ثريا: حسناً. صابر: ليلة سعيدة.ثم أخرج دخاناً كثيفاً وعاد يركز في أوراقه. رمقته ثريا بنظرة حادة وهي تعيد ارتداء قفازها: ثريا: ليلة سعيدة.فتحت المزلاج وخرجت. تركت غطاء رأسها مرفوعاً وهي تجتاز المقهى المكتظ، فتنحى الناس جانباً ليفسحوا لها الطريق فور معرفتهم لوجهها. هز صاحب المقهى رأسه تحيةً لها أثناء مرورها. فتحت الباب الخارجي ووطأت قدمها الليل، واستنشقت هواء الفجر البارد. كان الشجار القائم سابقاً قد انتهى، واختفى الرجال والمتفرجون، تاركين الشارع خالياً وبارداً.خرج غضبها المكتوم عن سيطرتها، فضربت أسفل عمود الإنارة بقدمها، فسرى ألم حاد في قدمها المنتعلة بالحذاء الجلدي، وصحت بحنكة. استندت إلى جدار المقهى وأغلقت عينيها. غمرها حزن عميق وهي تتذكر أول مرة أحضرها جدها إلى هذا الجانب المظلم من المدينة؛ تتذكر جيدا كيف كانت تمسك بيده بقوة وهو يقودها عبر الشوارع الكئيبة، ولا تزال تستحضر نظرات الناس والزوايا المعتمة في أولى لحظاتها بين هؤلاء القوم الذين أصبحوا أهلاً لها. انقبض حلقها وهي تتخيل صورة نعشه وهو ينزل في القبر، لكنها أبت أن تدع الدموع تسقط. يجب أن تكون قوية، وستكون قوية؛ لأجل نفسها، ولأجل الناس، ولأجله.باغت هواء خفيف خصرها، ففتحت عينيها فجأة واندفعت يدها لتطبق على شيء صلب. نظرت إلى الصبي الذي تقبض على كتفه بإحكام، لترتسم في كفه الصغيرة محفظة سوداء صغيرة. حاول التملص من قبضتها، لكنه طفل نحيل لا تكاد تبدو عليه معالم العاشرة، فلم تكن مجهدة في إحكام السيطرة عليه. قطب جبينه منزعجاً من سقوطه في شركها، ثم رمقها بنظرات استعطاف بريئة. ثريا بنبرة حازمة: ثريا: أنت تعرف القواعد يا عمران.أشرس عمران بعبوس وأبعد المحفظة المسروقة عنها: عمران: هذا ليس عادلاً! دائماً تمسكين بي. ثريا وهي تمد يدها لتسترد محفظتها: ثريا: أفعل ذلك، لكن اليوم الذي لا أتمكن فيه من الإمساك بك سيكون اليوم الذي تملكه فيها حقاً.دسّت المحفظة في جيبها ثم حررت كتفه، وانحنت لتتأمل وجهه. كانت له عينان خضراوان جميلتان وغمازات صغيرة تزين محيط فمه. أخرجت من جيبها منديلاً ومسحت الأوساخ عن وجنتيه الصغيرتين. تذمر متضايقاً لكنه تركها تنظف التراب عنه.التقشت ثريا عمران منذ ولادته، على الرغم من أنها لم تكن سوى طفلة في الحادية عشرة من عمرها آنذاك. كانت أمه خياطة غادرت ويلز برفقة زوجها بحثاً عن حياة أفضل، لكن وصولهما إلى العاصمة لم يكن كما تمناه. توفي والد عمران في حادث بمصنع بعد ثلاثة أشهر من قدومهما. وحيدة ويائسة وتصارع الجوع وهي حامل، لجأت الأم إلى البغاء لتضمن بقاءها، وانتهى بها المطاف للعمل مع صابر وريدريك المنصور، جد ثريا. كانت ثريا تساعد جدها في جولاته عندما باغت المخاض أم عمران. ظلت ممسكة بيد المرأة طوال لحظات الألم والدماء، حتى استرخاء اليد في يدها وفارقت أم عمران الدنيا إلى غير رجعة، تاركة خلفها وليداً صغيراً ذا شعر أجعد. من باب التعاطف وعدم وجود أبناء له، تبنى صابر الصبي وأسماه على اسم أبيه الحقيقي كي لا ينسى أصوله والوالدين اللذين كانا سيغمرانه بحبهما. ثريا وهي تطوي ياقة معطفه الأزرق الممزق: ثريا: هل تناولت طعامك اليوم؟ عمران وهو يتذمر ويدفع يديها ليبعدهما ويعيد ياقته إلى وضعها: عمران: كفي عن هذا.تنهدت ونهضت واقفة: ثريا: حسناً، أأكلت أم لا؟ عمران: تناولت بعض الإفطار، وسرقت تفاحة وقطعة خبز. ثريا متسائلة: ثريا: أهذا كل ما في الأمر؟وهي تدرك تماماً أن صابر ينسى عادة إطعام ابنه المتبنى بسبب استغراق إدارة سوق الجسر لكل تفكيره.عقد عمران ذراعيه وركل الأرض بقدمه: عمران: لست جائعاً.قطبت حاجبيها لكنها لم تضغط عليه. التفتت للخلف لتتأمل حانة "الأعور" التي تتلألأ أنوارها: ثريا: الأفضل لك أن تسرع بالذهاب الآن. لن يسر صابر رؤيتك تلعب هنا في مثل هذا الوقت. عمران وهو يرفع ذقنه ويعلو وجهه عبوس ساخط: عمران: هو غير راضٍ عن أي شيء هذه الأيام، دائم المزاج السيئ ويصرخ طوال الوقت.هزت رأسها بحنان وبعثرت خصلات شعره الأشقر، فانحنى تحت ذراعها وابتعد خطوات: ثريا: إنه مجرد متوتر، فهناك بعض التغييرات التي تثقل كاهله.سأل بفضول وهو ينزل يديه عن ترتيب شعره: عمران: تغييرات مثل جدك؟شدت عباراته أوتار قلبها البريء، لكنها تمكنت من إيماءة صغيرة وابتسامة مهتزة: ثريا: تماماً مثل جدي. عمران وهو يرفع بصره نحو السماء الداكنة الملبدة بالغيوم التي بدت كأنها تبسط غطاء أسود فوقهم: عمران: يقول صابر إنه صعد إلى أمي في المكان المميز بالسماء. أهذا صحيح؟أدارت ثريا رأسها نحو السماء بدورها، وهمست: ثريا: أتمنى ذلك حقاً.واستشعاراً لحزنها، لف عمران ذراعيه النحيلين حول خصرها وعانقها. بادلته العناق وحبست أنفاسها محاولة محو الدموع التي تجمعت في عينيها. وقفا متعانقين في الشارع لدقيقة، قبل أن يبتعد أخيراً ويخطو خطوة باتجاه الزقاق القريب. وهو يبتعد: عمران: سأذهب إلى المنزل الآن. طاب مساؤك.نادت وهي تتبع خطاه: ثريا: عمران؟التفت برموش مكسورة. مدت يدها بانتظار: ثريا: محفظتي من فضلك.التوى وجه عمران غضباً وضرب الأرض بقدمه في استشاطة. نقل يده اليسرى من خلف ظهره ودس المحفظة في كفها. حدق في الحقيبة المزينة بالخرز ثم مضى ماراً وهو يتمتم باستمرار. ابتسمت ثريا وهي تراه يبتلع في جوف الظلام. وعلى الرغم من أنها لا تحتاج للسرقة من الأغنياء، إلا أن جدها علمها الكثير من حيل النشالين واللصوص، والتي بدورها بدأت تلقنها لعمران. هزت المحفظة بيدها فشعرت بثقل القطع النقدية، ثم أعادتها إلى جيب معطفها وبدأت مشيها القصير نحو المنزل.تجاوزت في طريقها العديد من الحانات المضيئة والمكتظة بشخصيات صاخبة تغني وتشرب حتى تسقط على الأرض غائبة عن الوعي. حرصت على التمسك بأطراف الشارع وأخفت وجهها عن غير المعرفين لها. أما أولئك الذين تعرفوا على وجهها الشاحب المرصع بالنمش وشعرها الشوكولاتة المجدول، فكانوا يحنون رؤوسهم احتراماً لها. عكست تعابير الكثيرين منهم حزناً، لكن لم يجرؤ أحد على مقاطعة سيرها.كان جد ثريا، ردريك المنصور، شخصية بارزة في عالم الجريمة الواسع بالعاصمة، وحتى من لم يعملوا لحسابه عرفوا جبروته وحضوره. واكتسب سمعة سيئة بانتزاع الأراضي والعقارات بطرق قاسية ومرعبة. احافه الناس وهابوه بقدر متساوٍ. كان يمتلك القدرة على دخول أي غرفة ليلفت أنظار الجميع واهتمامهم واحترامهم الفوري. كان يفهم طريقة عمل الناس ومدى سهولة التألاعب بهم، ويستطيع شق طريقه والنجاة من أضيق المواقف وأصعبها.حاول ردريك نقل هذه المعرفة إلى ابنه سليم المنصور، لكن سليم أبدى اهتماماً ضئيلاً للغاية بالناس الذين يعيشون في سوق الجسر. وتطور هذا العزوف إلى كفر واشمئزاز حين التقى ماري سيفاجون، الوريثة الفرنسية الثرية التي كانت تنفر كرهاً من الفقر وكل ما يمثله. أقنعته بأن أي شخص دون مستواهم لا يستحق عناء الاهتمام به. وراقب ردريك وحيدَه وهو يغرق في حياة زوجته الجديدة الباهرة ناسياً أن هناك بشراً تعتمد بقاء عائلتهم على أسرته.أنجب سليم وماري ثلاث فتيات هن: سيليس، وكاثرين، وثريا. في المرة الأولى التي نظر فيها ردريك إلى وجه حفيدته الصغرى، أدرك فوراً أن هذه الفتاة هي المقدر لها تولي قيادة الجانب المظلم من نجاح عائلة المنصور ومكانتها. أصبحت ثريا مدللته ومتبناته وهي في السادسة من عمرها، وتربت على يد جدها وأهل سوق الجسر بدلاً من أمها المتعصبة.ومع اقترابها من حدود أراضي سوق الجسر، ازدادت ثريا وعياً بالأناس الذين يمشون في الشوارع. معظم المنطقة المحيطة بنهر دجلة قد جرى المطالبة بها بنحو ما، لكن شوارع وحدائق معينة ظلت أرضاً محايدة، ومن الأفضل توخي الحذر عند عبورها.لقد سلكت طريق البيت برفقة جدها مرات عديدة من قبل ولم تشعر بالخوف قط، لكن شعوراً بالاضطراب استقر في معدتها هذه الليلة ولم تستطع التخلص من إحساسها بأن أحداً يراقبها. تسارعت خطاها ومعها دقات قلبها؛ قد يكون هذا نطاق نفوذها، لكن شتى الشخصيات المشبوهة دأبت على العبور منه.صاحت صوت مفاجئ:صاحت شخصية: إلى أين ترتادين في مثل هذا الإسراع؟بحركة خاطفة، أزاحت ثريا السكين المخفي في كمها ليستقر في كفها، وأمسكته بأمان بجانبها مستعدة للهجوم. التفتت بحذر. كانت مصابيح الزيت المصطفة على طول الشارع تلقي ضوءاً دافئاً وظلالاً على الثنائي. تقدم الغريب نحو بقعة ضوئية كشفت عن ملامح وجهه بوضوح حاد. أنزلت ثريا السكين فوراً.صاحت ثريا وقبضتها تنبض بخفقان قلبها: ثريا: أترغب في التعرض للطعن؟ فلورنس ميليس وهي تبتسام وتتكىء على الدرابزين المحاذي لنهر دجلة: فلورنس: إذن فقد عدتِ إلى هنا. ثريا وهي تعيد سكينها إلى ثوبها: ثريا: يبدو ذلك. فلورنس وهي تلف خصلة من شعرها الأحمر حول سبابتها: فلورنس: سمعت بعض الثرثرة في الحانة لكن لا يمكنك التأكد أبداً. ظننتك ستأتين للبحث عني، أنا مجروحة حقاً.قاومت ثريا رغبتها في إطلاق ضحكة خفيفة؛ فعلى الرغم من صداقتها المقربة مع تلك البغي، إلا أنها لم تملك الوقت لتفتش فراش كل صعلوك لتخبره أنها عادت للنشاط. تميزت فلورنس بقوام نحيل وممتلئ، وشعر أحمر ناري وملامح رقيقة، وقد عملت بنجاح كعاهرة في سوق الجسر منذ بلوغها الخامسة عشرة، مدرة دخلاً وفيراً كل شهر. كانت مخلوقة جميلة لكنها مجروحة، إذ خلفت الأحكام القاسية للرجال بصماتها على روحها إن لم تكن على بشرتها. مالت ثريا للتعلق بالفتاة الجامحة فوراً، وامتدا معاً بصداقة تجاوزت اثني عشر عاماً، لم تكن نموذجية لكنها اعتبرت هذه البغي صديقتها المقربة. ثريا وهي تسند ساعديها على الدرابزين وتحدق في الأعماق المظلمة للنهر: ثريا: أعتذر، كان لدي بعض الأعمال لتسويتها قبل أن أستطيع القيام بزيارة اجتماعية.ثم التوت برأسها مبتسمة لصديقتها: ثريا: لكنني افتقدتك يا فلور.اقتربت فلورنس وخفضت صوتها: فلورنس: أأنتِ متأكدة أنكِ التقيتِ بصابر؟ ماذا حدث؟ وبماذا أجاب؟تنهدت ثريا: ثريا: حاول إبعادي، فهو لا يثق بي ولا بدوافعي. كان عليّ إقناعه بالسماح لي بالمحاولة لكنه لا يرغب في العمل معي.صمتت فلورنس قليلاً وهي تعض شفتها: فلورنس: بالطبع هو يثق بك، هو فقط يريد التأكد من... الأمور.هزت ثريا رأسها: ثريا: إنني لست كجدي وأن الأمر لن ينجح كما كان في السابق.حملت الكلمات طعماً مراً وهي تغادر شفتيها.صرحت فلورنس: فلورنس: كلاري، أنتِ لستِ مثل جدك. لكن هذا أمر جيد. لقد قادنا عبر الكثير من الألم لنصل إلى هنا. نحن نحتاجك لحفظ السلام والدفاع عنا، لا لإشعال المزيد من الحروب.أومأت ثريا برأسها. كانت فلورنس تكبرها بخمس سنوات وتتذكر الأوقات العصيبة والمظلمة التي أدار ردريك من خلالها سوق الجسر لصنع سلام دائم ومربح، بينما لا تملك ثريا سوى ومضات ذكريات. بمرارة: ثريا: من الصعب الحفاظ على السلام عندما لا تعرفين من تدافعين ضده.سألت فلورنس: فلورنس: ماذا؟ ثريا باعتراف: ثريا: أخبرني صابر أن عائلة تدعى القاسم تراقب موانئنا. لا أعرف أحداً بهذا الاسم، قد يكونون أي شخص.يصبح الوضع بالغ الخطورة عندما يبدأ منافسون معروفون بمراقبة موانئك ونطاقك، ويزداد سوءاً إن جهلت هويتهم وحدودهم أو من يقف خلفهم. فلورنس ببطء: فلورنس: ليس... أي شخص.رمشت ثريا مرتين وعقدت حاجبيها في وجه صديقتها: ثريا: أتعرفين من هم؟بدت فلورنس مذنبة فجأة وبدأت تفرك يديها ببعضهما: فلورنس: ليس تماماً.لكنها لم تستطرد. طالبتها ثريا مقتربة منها ومحدقة بها نظرة مباشرة: ثريا: ما الذي تعلمينه يا فلور؟أطلقت فلورنس زفيراً: فلورنس: حسناً، اهدئي.ثم انحنت مقتربة لتتأكد من خلو المكان من المتلصصين قبل أن تتحدث: فلورنس: كنت مع زبون في المدينة في الأيام الماضية، وبينما كنت أغادر نزل "الحصان والأرنب" سمعت أحد الرجال يتحدث عن قدوم شخص من عائلة القاسم لمقابلة ألدربريج وتفقد بعض الأمور. بدا الأمر غريباً لعدم معرفة أي روح بهويته.تمتمت ثريا لنفسها: ثريا: إذن، القاسم يتغلغلون في المدينة. يجب أن نراقب ذلك عن كثب.ثم هزت رأسها لتصفية ذهتها والتفتت إلى فلورنس وعينناها تنطقان بالعتاب: ثريا: ما الذي كنت تفعلينه مع رجل في المدينة على أي حال؟ تعلمين أن هذا ليس آمناً.أدارت فلورنس عينيها: فلورنس: من السهل عليك قول ذلك، فأنتِ لم تولدي وفي فمك ملعقة من فضة. أنا بحاجة للطعام يا كلاري، وقد أصبحت الأمور جافة جداً هنا منذ رحيل جدك، فالناس يبتعدون. ثريا فوراً: ثريا: أنا آسفة، فقط لا أعرف ما كنت لأفعله لو فقدتك. بوسعي حمايتك إن بقيت في سوق الجسر، لكن خارجها لا أستطيع فعل شيء. أحدث هذا tonight؟وأشارت إلى تمزق بارز في الجانب الأيسر من ثوب فلورنس القرمزي.نظرت فلورنس إلى التمزق: فلورنس: لقد علقت فقط، أنا لست مصابة.مدت ثريا يدها لتخلع قرطي الحجر الأسود اللذين اختارتهما في صباح اليوم. ومدت كفها بهما: ثريا: خذي هذين، ليسا ثمينين لكنهما يكفيان لإطعامك أنت والفتيات لأيام قليلة. بيعيهما أو ارتديهما، لا يهم، فقط كن حذرة.قبلت فلورنس الحلي مترددة ودستها في صدرها: فلورنس: شكراً لك. متى أراك مجدداً؟هزت ثريا كتفيها: ثريا: أمي تحكم إغلاق المنزل، لكني سأجد طريقة للخروج. أفعل ذلك دائماً.قاطع صداع مفاجئ خلفهما حديثهما، فالتفتتا فجأة لترقب مجموعة رجال يترنحون خارجين من إحدى الحانات ليسقطوا متراكمين على الأرض. حاولوا النهوض لكن أطرافهم تشابكت فانتهى بهم الأمر على الحجارة الرطبة مجدداً.علقّت فلورنس وهي تراقب الرجال باهتمام: فلورنس: تبدو حياة مختلفة تماماً عن مدارس البنات الراقية، أليس كذلك؟وافقت ثريا: ثريا: عوالم شتى تفصل بينهما. فلورنس وهي تسحب ياقة فستانها المنخفضة إلى أبعد وترمي شعرها خلف كتفيها: فلورنس: حسناً، إن سمحت لي، فلدي بعض الأعمال لأنجزها.ثم مشت بثقة نحو السكارى، وبإشارة شفاه خطفت انتباههم فوراً لتتجه أنظارهم صوب جسدها كله. وراقبته ثريا وهي تختفي في الحانة بينما تعلق معرفوها الجدد بكلماتها المنمقة.أحكمت ثريا معطفها حولها وبدأت الجزء الأخير من طريق العودة، مصارعة الرياح المرة. وصلت إلى وستمنستر وبدأت تسترخي وهي تسير في شارعها، بوابة الملكة آن، متوجهة إلى المنزل رقم 15. كان منزلها عبارة عن قصر حجري أبيض كبير بنافذات طويلة وشرفات في الطابقين العلويين. صعدت الدرجة الواحدة نحو الباب الأمامي وتجاهلت حلقة الباب المصنوعة على شكل رأس أسد لتفتح الباب وتتسلل داخلة بخفوت، وتغلقه بهدوء. نزعت معطفها وحذائها بعناية ودستها في خزانة جانبية. بالكاد أصدرت قدماها صوتاً وهي تجتاز صالة المدخل نحو الدرج الدوّاري الواسع المؤدي إلى الطوابق الثلاثة الأخرى.صعدت الدرج المفروش بالسجاد إلى الطابق الثالث ثم سيرت في الممر متوجهة إلى الغرفة الأخيرة. دفعت الباب ودخلت غرفتها. كانت غرفة واسعة ومفتوحة، تضم سريراً مغطى ذو أعمدة بألوان الكريم والورد مثبت على الجدار الأيمن. ومقابل السرير توجد مدفأة رخامية تعلوها بعض اللوحات والكتب وإجازة من زنبق أبيض. انتصبت خزانتا بلوط على جانبي المدفأة وكرسي ذراعين لونه كريمي يواجه النار بزاوية وبجانبه طاولة صغيرة. ووقفت خزانتا بلوط كبيرتان خلف الباب تتوسطهما طاولة زينة صغيرة مغطاة بمجموعة متنوعة من الجواهر والقلائد البامعة. وبرزت شاشة تبديل على يسار الباب المزدوج المؤدي إلى الشرفة التي تطل بوضوح على حديقة سانت جيمس.عبرت نحو كرسيها وبدأت تخلع ثوبها فطوته ووضعته على مسند الكرسي. ثم حررت شعرها من الجديلة المتواضعة وتركت خصلاته اللامعة تنسدل على ظهرها. فتحت الخزانة اليسرى وأخرجت ثوب نوم لافندري فاتح اللون. ارتدته متخلصة من ملابسها الداخلية. أظهرت ساعة المنضدة أن الوقت اقترب من الثالثة فجراً عندما تسلقت إلى سريرها وتركت الستائر تنسدل حوله. انزلقت تحت الأغطية وحدقت في سقف السرير وتنهدت. أغمقت عينيها واستسلمت للنوم.انفتح باب غرفة ثريا فجأة في الصباح التالي، واصطدم بالجدار بقوة جعلتها تجلس في سريرها وهي مذعورة. سحبت ستائر السرير الخشبية وتطلعت حولها لتكشف هوية الدخيل، لتجد أختها تتهادى داخل الغرفة ثم ترتمي على طرف السرير بتنهيدة مبالغ فيها. كاترين: لم أعد أحتمل هذا الوضع. ثريا وهي تتثاءب: صباح الخير يا كاترين.شدت الأغطية وأرفعتها حتى كتفيها وهي تستوي في جلستها، غير مستعدة تماماً لمغادرة دفء سريرها. كانت أشعة شمس الضحى تتسلل عبر النافذة وتلقي بأضوائها الساطعة في أرجاء الغرفة، فاضطرت إلى حجب عينيها بكسل لترى ملامح أختها المتألمة. ثريا: ما الخطب؟انقلبت كاترين من ظهرها على بطنها ودست وجهها في الفراش، وكررت بصوت مكتوم: كاترين: لم أعد أحتمل هذا الوضع.سألتها ثريا وهي تتأمل أختها الكبرى: ثريا: تحمل ماذا؟رفعت كاترين رأسها قليلاً لترمق أختها بنظرة كئيبة، ثم جلست وتربعت على السرير، وأزاحت شعرها البني عن وجهها. كاترين: سيليس هنا.ضحكت ثريا من ملامح أختها المنزعجة، وألقت الأغطية جانباً لتترجل من السرير.سألت ثريا وهي تتجه نحو الخزانة اليسرى لتخرج ثوباً أسود بسيطاً من الدانتيل المخصص للنهار: ثريا: أيفترض هذا أن شريف ورؤوف والصغير حمزة معها أيضاً؟أكدت كاترين: كاترين: نعم، وحمزة لم يتوقف عن البكاء لحظة، ومع ذلك تصر سيليس على أنه "أكثر الأطفال هدوءاً وتهذيباً".ورفعت صوتها محاكية نبرة أختها بتهكم. ابتسمت ثريا لنفسها.كانت الفتيات الثلاث يحببن بعضهن كثيراً ولا يتمنين لبعضهن سوى الخير، لكن مع تقدم الحياة، ازدادت الرابطة بين كاترين وثريا لتقارب طباعهما، بينما انغمست سيليس في حياتها الخاصة. فقد تزوجت من الشريف رؤوف قبل أكثر من ثلاثة أعوام بعد قصة حب خاطفة، وأنجبا طفلهما الأول راجي، ثم انضم إليهما أحدث عضو في العائلة: حمزة، الطفل البالغ من العمر أربعة أشهر والذي لا يكف عن الصراخ والنزق. في السنة الأولى من زواجها، كانت تزور أختيها بانتظام، لكن واجبتها كأم شغلتها عن رؤيتهما مؤخراً. كاترين منادية ثريا التي بدأت تبدل ملابسها خلف الستار: كاترين: لم تتفوه بكلمة واحدة عن سبب غيابها عن الجنازة، أمر يثير العجب إن سألتني. عائلتنا بأكملها كانت حاضرة، حتى أقارب أمنا الفرنسيون الفضوليون، ومع ذلك لم تجد حفيدته الوقت الكافي لتسجيل حضورها.همست ثريا لنفسها وهي تربط وثاق ثوبها وتنتعل حذاءً بسيطاً: ثريا: ولم يسألك أحد عن رأيك.كان عدم حضور سيليس بالأمس جرحاً غائراً بالنسبة لها، ولم تكن تعليقات كاترين مفيدة على الإطلاق.سألت كاترين: كاترين: ماذا قلتِ؟أطلت ثريا برأسها من خلف الستار وابتسمت: ثريا: لا شيء.جلست أمام طاولة الزينة وأمسكت بفرشاة فضية ثقيلة، وبدأت تمشط شعرها المجعد الشوكولاتي لتصنع منه تسريحة مرفوعة وبسيطة. وبحكم كونها تلميذة جدها، كانت ساعات عمله غير منتظمة، مما فرض على ثريا تعلم كيفية ارتداء ملابسها وتصفيف شعرها ووضع زينتها بنفسها دون مساعدة خادمة لتكون جاهزة في أي وقت من اليوم. تفحست كاترين زينة شعر ثريا، واختارت شريطاً أسود وناولتها إياه.جلسَت كاترين مجدداً على السرير و محذرة: كاترين: أمي في مزاج سيئ للغاية، إنها غاضبة من سيليس، ومنكِ أيضاً...قاطعتها ثريا مستنكرة: ثريا: مني أنا؟! لم أفعل شيئاً يستوجب سخطها.أوضحت كاترين وهي تشير نحو الساعة: كاترين: لقد أطلتِ النوم، الساعة تقارب الحادية عشرة، وفوتّ طعام الصباح مما أغضب أباكِ، ثم وصلت سيليس، فأصبح المنزل بأكمله في حالة من الفوضى العارمة. ثريا بخفة وهي تربط الشريط حول شعرها: ثريا: لم أكن أعلم أن مواعيد نومي تؤثر بهذا الشكل على راحة العائلة.سخرت كاترين وضربت رجل stool كرسيتها بقدمها: كاترين: لا تمزحي، لقد كنتُ أنا من يتلقى نوبات غضبهما بينما كنتِ أنتِ تغطين في نوم عميق. هذا ليس عدلاً، كنت أريد أن أقضي هذا الصباح في قراءة كتاب "ألف ليلة وليلة"، دون أن أزعج أحداً أو يزعجني أحد.علقت ثريا: ثريا: لا يبدو هذا كواحد من الكتب العلمية والتاريخية التي تعتكفين عليها عادة.ردت كاترين وهي ترتمي على الفراش وتحدق في السقف بنظرة ملؤها الشغف: كاترين: لأنه مجموعة قصص من مختلف أنحاء العالم، إنه أمر ساحر حقاً. آه لو أستطيع السفر ورؤية العالم كما يفعل الرحالة!سألتها ثريا وهي تفتح صندوق حليها وتبحث عن أقراط سوداء: ثريا: ألم تحددي موعد سفرك إلى فرنسا بعد؟ كاترين: كاترين: عليّ الانتظار ثلاثة أشهر كاملة! ستمر كأنها دهور.طوال حياتها، كانت كاترين شغوفة بالعالم الخارجي وما يحتويه من عجائب. حتى عندما كانت طفلة، كانت تتمنى الخروج من راحة منزلها واستكشاف أرجاء بغداد. ومع تقدمها في السن، دفنت نفسها في المجلدات الأكاديمية لأولئك الذين زاروا الأماكن التي تحلم بها. وبما أنها لا تستطيع استكشاف تلك الأماكن من غرفتها، فقد استكشفتها في مخيلتها، وقضت معظم ساعات يومها في القراءة والكتابة عن العالم وثقافاته. وبناءً على ذلك، كانت تعتقد أنها أكثر ذكاءً ومعرفة بالعالم من أختيها، وهيكذلك في بعض الجوانب، لكن في هذا العالم ما هو أعظم من الذكاء والكتب. ثريا: ثريا: فكري في الأمر بهذه الطريقة: لو كنتِ قد سافرتِ الأسبوع الماضي وكان جدنا لا يزال حياً، لاضطررتِ للعودة عندما يتوفى. لم تكن لتستطيعي مواصلة رحلتك. ستنتظرين هذه الأشهر ثم تصبحين حرة، دون شيء يجبرك على العودة إلى المنزل.سألت كاترين: كاترين: وماذا عنكِ يا أختي الصغيرة؟التفتت ثريا نحو أختها وهي تجلس: ثريا: ماذا عني؟ سأكون بخير تماماً.وضعت كاترين يدها على وجنة ثريا: كاترين: أنتِ بحاجة إليّ، وأنا أخشى ترككِ هنا وحدكِ.وضعت ثريا يدها فوق يد أختها وضغطت عليها بحنان: ثريا: لستُ طفلة بعد الآن، أستطيع الاعتناء بنفسي.ردت كاترين: كاترين: ستظلين طفلة في نظري دائماً، أختي الصغيرة إلى الأبد. ثريا: ثريا: وستظلين أختي الكبرى دائماً، لكن لا يمكنكِ قضاء حياتكِ في القلق عليّ. لديكِ بلدان ومدن وجبال لتستكشفيها. ستكون حياتي مملة وخالية من الأحداث مقارنة بحياتكِ.أنزلت كاترين يدها وبدت غاضبة: كاترين: باستثناء عندما تركضين لزيارة عصابة المشبوهين تلك.ردت ثريا تلقائياً بملامح جامدة: ثريا: لا أعرف عما تتحدثين. كاترين بمرارة: كاترين: لا تفترضي أنني ساطجة. لم يكن عليكِ الذهاب إلى هناك الليلة الماضية، ليس بعد الجنازة مباشرة. لكن ما إن دقت الساعة الحادية عشرة، حتى تسللت ثريا مجدداً إلى ذلك الحي القذر من العاصمة. بالطبع تظاهرت أمي بأنها لم تلاحظ غيابكِ، ولم يقل أبونا شيئاً، لكننا جميعاً نعلم. نعلم إلى أين تذهبين.نهضت ثريا وقد أغلقت قبضتيها بقوة: ثريا: كان عليّ الذهاب، ولن أشرح لكِ السبب. لن تفهمي.ردت كاترين بغضب: كاترين: أنا أفهم أكثر منكِ! أنتِ فتاة صغيرة جاهلة تظن أنها تستطيع إدارة أقذر أجزاء هذا العالم، لكنكِ لا تستطيعين يا ثريا! هذا الأمر يؤذيكِ.أدارت ثريا عينيها: ثريا: أنتِ تقرئين الكتب يا كاترين، لا أكثر. لا يوجد كتاب يمكنه شرح ما أعرفه أو ما علمني إياه جدي.نهضت كاترين على قدميها وأشارت بإصبعها في وجه أختها: كاترين: لستِ مجرمة شوارع، أنتِ في التاسعة عشرة من عمركِ، بالكاد بلغتِ الرشد. أنتِ حمقاء إن ظننتِ أنكِ تستطيعين الاستمرار في هذا الجنون بمفردكِ، حمقاء!لم تقل ثريا شيئاً، حدقت في قدميها وجمعت يديها أمامها.أخذت كاترين نفساً لتهدئة نفسها، لكن الغضب كان لا يزال يتألق في عينيها: كاترين: تعالي إلى مجلس الضيوف عندما تجهزين، الجميع بانتظاركِ.ثم مشت بعيداً ولم تتطلع إلى الخلف. تنهدت ثريا وانهمرت على سريرها. لم يخفِ جدها قط عن العائلة أنه كان يدربها، وبصفته كبير العائلة، لم يجرؤ أحد على التشكيك في قراره. لكن ثريا كانت تعلم أن أختيها، وخاصة كاترين ذات الحماية المفرطة، لم تكن تؤيد هذا الطريق الخطر.نهضت ثريا من السرير بعد لحظة من الشعور بالندم وغادرت الغرفة، وأغلقت الباب خلفها. سارت في الممر، مرت بخادمة على الدرج ودخلت الباب الثاني في الطابق الأول.كان مجلس الضيوف الواسع يطل على الجزء الخلفي من المنزل نحو حديقة صغيرة مرتبة تتوسطها نافورة ماء صغيرة. كانت الغرفة باللون الأزرق الفاتح مع لمسات ذهبية، وتتدلى ثريا ضخمة في منتصف الغرفة. وتتوزع أرايك وكراسي ذات لون رمادي حول مدفأة كبيرة.جلست السيدة ماري المنصور بالقرب من المدفأة غير المشتعلة، وقد شباكت قدميها برقة، وعلو وجهها الأنيق عبوس واضح. وعلى الرغم من أنها لا تزال شابة وممتلئة بالحياة، إلا أن انقباض وجهها الدائم جعلها تبدو أكبر من سنها الحقيقي. ومع ذلك، كانت تنبعث منها هالة من الأناقة والرقي، يساعدها في ذلك العطر الفواح الذي تضعه دائماً. وعلى الرغم من أن عائلتها ذات نفوذ، إلا أن أصولها الفرنسية كانت محط نظر في المجتمع، ولذلك كانت ماري تشعر بالحاجة المستمرة لإثبات ثرائها ومكانتها من خلال الملابس الفاخرة والجواهر الثمينة. واليوم لم يكن استثناءً، فقد ارتدت ثوباً رمادياً من الدانتيل الثقيل والحرير، مع قبعة براقة وقطعة مجوهرات متناسقة. كان هذا الزي مناسباً لحفل راقص أكثر من كونه مناسباً لشرب الشاي مع العائلة.أما السيد سليم المنصور فكان يجلس على كرسي مريح، في أبعد بقعة عن المدفأة. كان يحمل صحيفة بيده ولفافة تبغ باليد الأخرى، ولا شك أن زوجته جرفته من مكتبه ليدلس مع العائلة. ولم يحاول إخفاء انزعاجه من التواجد لشرب الشاي. كان يمتلك نفس الشعر الشوكولاتي الداكن والعينين البنفسجيتين العمقتين كحفيدته الصغرى، وكانت لحيته الخفيفة بلون بني فاتح، وشفتاه تنقبضان وهو يقرأ الصفحة الأولى من الصحيفة.جلست كاترين على الأريكة بجانب أمها، يداها مطويتان ورأسها منخفض بينما كانت المرأة المقابلة لها تتحدث بمرح. ابتسمت سيليس للطفل في حجرها وهي تتحدث عن كيف أن حمزة هو أكثر الأطفال هدوءاً. أزاحت شعرها البني الذهبي المستقيم خلف كتفها عندما بدأ الصبي الصغير بجانبها بركل قدميه. كان والد الصبي، رؤوف، يشبهه تماماً، كلاهما يمتلكان شعراً أسود ذا بريق وملامح حادة، وكلاهما يرتديان نفس تعبير الملل. واصل راجي ركل قدميه وبدأ يضرب يديه الصغيرتين في وسادة المقعد، لكن رؤوف لم يعر ابنه أي انتباه وهو يحدق في اللوحة الكبيرة لبغداد على الجدار المقابل له.بمجرد دخول ثريا إلى الغرفة، نظر الجميع إليها. سيليس: حبيبتي!نهضت سيليس بحذر وعبرت نحوها، وقبلت أختها على وجنتيها. ثريا وهي تبادلها القبلات: ثريا: سيليس، كم هو رائع حضوركِ.قادتها سيليس نحو بقية العائلة وعادت إلى مقعدها، واختارت ثريا الكرسي المريح بجانب والدها. استندت إلى الخلف والتقت بعينيه، ألقى عليها نظرة ملل واضطر للتغلب على ابتسامته.ردت سيليس: سيليس: بالطبع، أنا أشتاق لأخواتي.سخرت كاترين بصوت خفيض خلف يدها ورداً على ذلك. ثريا وهي تثبت نظراتها على سيليس: ثريا: ظننتُ أن خطباً سيئاً قد حدث.بدت سيليس متفاجئة: سيليس: خطب سيئ؟ لا أبداً، نحن بخير جميعاً. حمزة لا يبكي أبداً، وراجي يتقدم بشكل ممتاز مع معلمه. وأنا نفسي عدت لممارسة التطريز مجدداً، رغم أنني لا أجد وقتاً لنفسي مع ثلاثة رجال أعتني بهم. كاترين بعدم تصدق: كاترين: أدى راجي معلماً؟ إنه لم يبلغ الثانية بعد! سيليس وهي تنظر بحب إلى ابنها الأكبر: سيليس: ليس هناك وقت مبكر لبدء تعليمه. كاترين وضحكة خفيفة تفلت منها: كاترين: إنه لا يستطيع حتى نطق جملة سليمة بعد! ماري بحزم: ماري: كاترين!سكتت كاترين، لكن التسلية كانت تتراقص في عينيها. ثريا بصوت هادئ ونظرات حادة: ثريا: يسعدني أن أعلم أنكم جميعاً بخير إذن، فقط خفت الأفضل عندما لم تحضري جنازة جدنا، على الأقل ترتدين السواد أظن.ونظرت بنقد إلى ثوب أختها الداكن.عند هذه الكلمة، تحول وجه سيليس إلى الوردي الفاتح، وتجمدت كاترين وماري، ونظر سليم لأول مرة منذ دخول ابنته إلى الغرفة. واصل راجي التحديق في اللوحة غير مدرك لارتباك زوجته. سيليس وهي تتلمس مكانها ولا تلتقي بأعين أحد: سيليس: آه، أنا آسفة لغيابي، كان راجي مريضاً بالأمس، لم يستطع مغادرة فراشه ولم أرد تركه واحتمال تعرض الضيوف للمرض. ماري: ماري: بالطبع يا عزيزتي، نحن نفهم، أليس كذلك يا ثريا؟تجاهلت ثريا نظرة أمها الحادة، وكان تركيزها كاملاً على أختها الكبرى: ثريا: بالطبع، خاصة وأن راجي يبدو أنه تعافى بشكل معجزي في وقت قصير جداً. سيليس بنبرة حادة وعيناها تلمعان: سيليس: أكنتِ تفضلين أن يظل مريضاً؟تدخلت كاترين محذرة: كاترين: لا أبداً، نحن جميعاً شاكرون لأنه بخير.ونظرت تحذيرياً إلى ثريا التي استندت إلى كرسيها ولم تقل كلمة، لكن ملامح وجهها الغاضبة كانت تتحدث عن كل شيء. سيليس وعادت إليها نبرتها النشطة: سيليس: كنا نخشى أن نفوت فرصة رؤيتكم جميعاً، فنحن نادراً ما نغامر بالقدوم إلى هذا الجانب من المدينة بعد الآن. الهواء ليس جيداً لرئتي الصبيين.ثم ابتسمت: سيليس: من الجيد رؤيتكم جميعاً، حتى لو كان ذلك لوقت قصير.ونظرت إلى زوجها بانتظار، ولم ينتبه لنظراتها حتى ركزت قدمها على قدمه.شهق رؤوف متلعثماً: رؤوف: أنا... أوه... ماذا؟ نعم، لدي اجتماع عمل في الثانية عشرة، وللأسف سنغادر قريباً.ولم تكن كلماته المعتذرة تتطابق مع ملامحه المتبلدة.سألت ماري ابنتها: ماري: بالتأكيد لن تحضري هذا الاجتماع؟ ليس من اللائق للأنثى أن تتدخل في أعمال زوجها.ردت سيليس: سيليس: لا بالطبع، سأشرب الشاي مع ريم. وعلى الرغم من أن أمها قد تكون مثيرة للجدل نوعاً ما، إلا أنني أستمتع بصحبة ريم.ابتسمت ماري دون مشاعر: ماري: أليس هذا لطيفاً؟في تلك اللحظة، انفتح الباب ودخلت خادمتان تحملان صواني محملة بالشاي والكعك. وضعت الفتاتان الطعام وبدأتا في التقديم. قبلت ثريا شايها الخفيف من إحدى الفتاتين واستنشقت رائحة الأعشاب المريحة. سيليس بابتسامة خجولة وهي تدفع الكوب نحو الخادمة: سيليس: طلبتُ القهوة، الشاي ليس جيداً للبشرة.ولمست وجنتيها مع هزة كتف خفيفة.سألت كاترين وهي تنظر إلى شايها بحيرة تامة: كاترين: من أين سمعتِ ذلك؟أوضحت سيليس وهي تشير بيدها للتباعد عن الخادمة التي تحمل طبقاً من الفطائر الدافئة المدهونة بالزبدة: سيليس: الشاي والمخبزات الغنية والكعك كلها يجب تناولها بالحد الأدنى لأنها تؤثر سلباً على البشرة وبالتالي على صحتنا.مد رؤوف يده ليأخذ واحدة أثناء مرور الخادمة، لكن سيليس ضربت يده برقة لتبعدها. سيليس بفكخر: سيليس: يجب أن نعتني بصحتنا طالما نمتلكها.استند زوجها إلى مقعده متبرماً.وكذلك أزاحت ماري الطعام عندما عرض عليها، رغم أن ملامحها لم تكن مسرورة تماماً: ماري: بالطبع.رفعت كاترين أكبر فطيرة في الهواء كما لو كانت ترفع نخب شرب: كاترين: إلى الصحة!ثم أخذت قضمة ضخمة وأغلقت عينيها بسعادة وهي تمضغ العجين الهش. نظرت إليها سيليس بعدم تصدق واشمئزاز بينما أدارت ماري عينيها وابتسمت ثريا خفية. سليم في الصمت الذي تلا ذلك، وطوى صحيفته بعناية ونهض من كرسيه: سليم: لقد اكتفيتُ من هذا.مر بإحدى الخادمات وأخذ فطيرة: سليم: خذي بقية الكعك إلى المطبخ، يبدو أن عائلتي ليست جائعة اليوم.ثم حنى رأسه لزوجته: سليم: سأعود إلى مكتبي للعمل، وأرجو ألا أزعَج.ثم نظر إلى ابنته الوسطى: سليم: من الجيد رؤية عائلتكِ اللطيفة كالعادة، ابقوا بخير.وانحنت شفتاه عند الكلمة الأخيرة: سليم: ثريا، أريد رؤيتكِ هذا بعد الظهر، ادفحي باب مكتبي في حدود الثالثة.أومأت ثريا: ثريا: بالطبع يا أبي.أومأ سليم بسرعة ثم خرج من المجلس تتبعه الخادمتان. وعندما أغلق الباب، التفتت سيليس فوراً إلى أمها: سيليس: ما الذي يعمل عليه؟ هل تحتاجون إلى المال؟ردت كاترين قبل أن تتمكن ماري من الكلام: كاترين: أنتِ لا تعيشين هنا بعد الآن، هذا ليس من شأنكِ.أخرجت سيليس لسانها رداً على ذلك.أجابت ماري بحذر وهي لا تنظر مباشرة إلى عيني ابنتها: ماري: أبوكِ رجل مجتهد، لديه دائماً ما يركز عليه.طوت ثريا ذراعيها: ثريا: أرجوكِ، لم يعمل أبونا يوماً واحداً في حياته، وليس بحاجة لذلك، فنحن نعيش في سعة. ماري بحزم وعيناها تلمعان: ماري: لا تتحدثي عن أبيكِ بهذا الشكل من عدم الاحترام، لقد وفر العيش الكريم لهذه العائلة.جادلت ثريا محاولة الحفاظ على هدوئها: ثريا: أنا لا أسيء إلى أبي، فهو لم يوفر شيئاً، جدنا هو من أمن لنا كل شيء، وهو من عمل بجد. ونحن جميعاً نجلس هنا وننعم بالخير الذي حصدته يداه.قوبلت كلماتها بالصمت، حتى راجي وحمزة لم يصدر منهما أي صوت. أخيراً: ثريا: أنا أقول الحقيقة فقط.لم يخالفها أحد، وأخيراً سعل رؤوف وكسر الهدوء. ثريا وهي تنهض: ثريا: بالضبط، أنا على حق.سألتها ماري وهي تتجه نحو الباب: ماري: إلى أين أنتِ ذاهبة؟أجابت ثريا ببساطة: ثريا: إلى الخارج.ثم حنت رأسها نحو سيليس: ثريا: أتمنى أن نراكِ قريباً، أنا أشتاق كثيراً عندما تجتمع عائلتنا معاً.تململت سيليس غير مرتاحة وأومأت برأسها ببطء. ألقت ثريا على عائلتها نظرة حادة أخيرة قبل أن تغادر الغرفة وسط صمت مطبق.