رواية الأميرة المفقودة - بارت 1 (البحث عن الأميرة)
رواية الأميرة المفقودة - بارت 1 (البحث عن الأميرة)
نوار هي الابنة الوحيدة لبيتين من أقوى بيوت النفوذ في عالم الظل: بيت الدري، وبيت الصخر. كانت أميرة صغيرة في عيون أهلها، وكان المفروض أن تعيش حياة الأمراء. لكن الحياة لم تسر معها على هذا النحو، فقد لازمها سوء الحظ منذ يوم ولادتها. ماتت أمها بعد ولادتها بدقائق، وعندما بلغت الثالثة اختفى أبوها هي معه بلا أثر، فبقي أهلها في حيرة وألم اثني عشر عاما.مرت اثنا عشر عاما على الحادث، ونوار الآن في الخامسة عشرة، لكن بيتي الدري والصخر لم يستسلما، وظلا يبحثان عن حقيقة ما جرى لأميرتهما الغائبة. وخلال تلك السنوات لم تعد الحياة كما كانت في البيتين. الأخوة الأربعة في بيت الدري يواجهون جهنمهم الخاصة، وهم لا يعلمون أن أميرتهم الغائبة تواجه أيضا أقسى أنواع العذاب.ماذا يحدث حين يجدون أميرتهم أخيرا؟ هل تستطيع نوار وإخوتها الهروب من الجحيم الذي ألقي بهم فيه، أم أنهم غرقوا فيه إلى حد لا رجعة بعده؟ وهل يظلون عائلة رغم سنوات طويلة نسوا فيها معنى كلمة عائلة؟***الفصل الأولغالب الصخر:غالب الصخر هو زعيم تنظيم الصخر، أشهر تنظيم في عالم الظل. تولى المكان في الرابعة والعشرين بعد موت أبيه. رجل يهابه الجميع، عرف عنه البرود والقسوة وحسن التدبير، ويفخر بأنه يقود أحد أقوى التنظيمات. نسجت حوله حكايات كثيرة، بعضها بعيد عن الحقيقة، لأن أحدا خارج عائلته لم يعرف غالب الحقيقي.اتفق كثيرون، حتى من حلفاء تنظيمه وخصومه، على أنه شيطان بارد القلب. قالوا إنه أمر بقتل أبيه ليجلس مكانه بسرعة. وهمس بعضهم إنه بعد أن ولدت زوجته ابنه، قطع حلقها بسرعة وأخذ الطفل من بين يديها دون أن ينظر خلفه. أما الطفل، مازن، فلم يظهر علنا منذ سنوات طويلة، فظن الناس أن غالب قتله أيضا، أو تبرأ منه ونفاه بعيدا.يعرف الجميع في عالم التنظيمات عن عائلة أخته التوأم. ريما، أخته التوأم، زوجها أبوهم لشيخ بيت الدري القوي، سلمان الدري. كان بيت الصخر وبيت الدري في حرب منذ سنوات طويلة، لكن زواج ريما وسلمان أوقف الحرب، وجاء أولادها ليثبتوا السلام بين البيتين.غير أن الحكايات قالت إن غالب كره أن تمنح أخته للدري، وإنه أبغض سلمان وريما وأولادهما. لذلك ظن كثيرون أنه احتفل حين سمع بموت أخته ريما بعد ولادتها ابنتها الصغرى الوحيدة. واتفق بعضهم في عالم التنظيمات، ونسجوا نظريات غريبة، أن غالب هو من دبر اختفاء سلمان الدري وابنته ذات الثلاث سنوات، نوار، ابنة أخيه.أحدث اختفاء شيخ الدري وابنته ضجة في عالم المال والتنظيمات. مرت اثنا عشر عاما، ولم يوجد أثر لسلمان ونوار. وما زال الناس يشيرون إلى غالب بوصفه المتهم الأول فيما جرى لصهره وابنته.لقبوا غالب بالقاسي، كما لقب أول ملك من ملوك الجبال. لكن أحدا لم يعرف غالب الصخر الحقيقي إلا عائلته.***قال وهو يطقطق أصابعه وينظر من النافذة إلى الأشجار التي تمر بسرعة: اقترب موعد ذكرى رحيل أختي هذا الأسبوع. تأكد أن كل شيء جاهز لرحلتنا إلى بلاد الأنهار يا راشد. تعرف ما علينا فعله.أومأ راشد برأسه، وهو سكرتير في الثامنة والعشرين، في مثل عمر أحد أبناء أخته، وكتب ترتيبات الأسبوع على لوحه الإلكتروني.سأل راشد: أبلغ سكرتير الشيخ مروان بوصولك؟آه، ها قد جاء ذكر أبناء الأخ.في العام الماضي لم يبلغهم بشيء، لأنه ظن أنهم ينتظرونه، فقد اعتاد أن يذهب إلى هناك كل عام منذ خمسة عشر عاما. لكن ابن أخته الأكبر نسي الأمر، وتركه ينتظر ساعات وهو منشغل بأعماله. من بين كل الأيام اختار ذلك اليوم. وبخه كثيرا حين رجع.قال وهو يتنفس بثقل ويدلك صدغه: أبلغه يا راشد.ليس الوقت مناسبا لتوبيخ ابن أخته الكبير في ذلك اليوم بالذات، يوم ملعون ومبارك للعائلة في الوقت نفسه، لذلك سيترك له أمر الترتيب.قال راشد: وصلني الرد بالفعل.كان ذلك سريعا.قال: حسنا. أخبرني بمن سأرى هناك.قال راشد: الشيخ أيمن في رحلة عمل في القارة البعيدة، واعتذر لأنه لن يحضر. والشيخ زياد لن يحضر أيضا لأنه مشغول بدراسته وامتحاناته. لن يحضر إلا الشيخ مروان والشيخ بدر.كما توقع. لو لم يبلغهم مسبقا، لكان متأكدا أن ابن أخته الأصغر وحده سيكون هناك مرة أخرى.قال: تأكد من شراء جهاز اللعب الجديد لبدر. وماذا عن مازن؟ ماذا يفعل ابني الآن، وأين هو؟إن لم يكن مخطئا، فقد اتصل به الشهر الماضي وقال إنه في وادي الرماد. لا يعرف كيف وصل إلى هناك ولا ماذا يفعل، فهو نادرا ما يكلمه هذه الأيام. يتصل به أو براشد من وقت لآخر ليخبرهما بالبلد الذي هو فيه، وانتهى الأمر. بعد الحادث بسنة، جمع مازن أشياءه وترك البيت، وقرر أن يبدأ رحلة لا تنتهي حول العالم يفعل فيها ما لا يعلمه إلا الله. أحيانا يرسل إليه مهمة أو عملا ليبقى على معرفة بأمور العائلة، لكنه لم ير ابنه وجها لوجه منذ أحد عشر عاما.تلك الحكايات عن ما فعله بابنه سخيفة. لكن الناس يقولون ما يريدون، ومن حقهم أن يكون لهم رأيهم. لا يريد أن يمنعهم، فليقولوا عنه ما يشاؤون، لا يهمه. لم ير أحد مازن منذ أحد عشر عاما، ولا هو نفسه رآه.قال راشد: كل ما أخبرني به مازن أنه في القارة البعيدة، وطلب ألا نزعجه. لكني أظن أنه والشيخ أيمن سيلتقيان هناك.أومأ فقط.كلهم لم يعودوا كما كانوا بعد الحادث، فكر بمرارة.ذلك السلمان، لماذا أخذ أميرتنا معه؟ لماذا لم يتركها خلفه؟قال صالح سائقه: وصلنا.هم صالح أن ينزل ليفتح له الباب، لكنه أوقفه بسرعة.قال: لا حاجة يا صالح. انتظرنا هنا. أثق أنني وراشد لن نتأخر، فما جئنا إلا لنتفقد البديلات الجديدات.أومأ صالح بأدب، ونزل هو وراشد من السيارة. عدل سترته، فاستقبلهما صاحب المكان بنفسه، رجل أصلع متكبر من بلاد الشمال اسمه نبهان. وضع بسرعة ملامحه الباردة وتناسى لوقت قصير كل قلقه وتوتره بشأن عائلته. لا ينبغي للمرء أن يظهر حقيقته وهو يعمل.هذه أول مرة يشتري بديلاته منه، لأن شريكه القديم وقع في مشاكل مع الشرطة. لا يخطط للتدخل في مشاكله. لذلك على نبهان أن يتأكد أن البديلات التي طلبها واشتراها تستحق أمواله، وإلا سيجلب له هو أيضا مشاكل كثيرة.قال نبهان بابتسامة عريضة وهو يمد يده: أهلا بك يا شيخ غالب! جئت لترى الفتيات، كما أظن؟صافحه بسرعة ثم سحب يده في اللحظة نفسها.قال: الأفضل أن يستحقن ما دفعت يا نبهان.أومأ الرجل بحماس ثم بدأ يقوده هو وراشد داخل قصره الضخم المبني بالحجر.قال نبهان: طبعا! طبعا يا شيخ غالب! الفتيات اللواتي أبيع أفضل الفتيات! جميلات، ذوات خبرة، مطيعات، وماهرات في...رفع يده وأوقفه بسرعة.قال: لا حاجة أن أسمع ذلك يا نبهان. لست مهتما، وهن لسن من أجلي، بل من أجل عملي.تلك الفتيات بديلات عن فتيات فقدهن، وكلهن يعملن في أماكنه. هذا هو الجزء الوحيد من العمل غير المشروع الذي يكرهه ابنه وأبناء أخته. ليس أن لهم كلمة في نوع الأعمال التي يعمل بها تنظيمه.اعتذر نبهان كثيرا وعرض عليه الجلوس في كرسي كبير من خشب صلب، بينما وقف راشد خلفه. انتظرا قليلا حتى جهز رجاله الفتيات.قال نبهان وهو يضحك: كأس شراب أثناء الانتظار يا شيخ غالب؟ شراب من بلاد الشمال، ربما؟لم تضحكه نكتته ولا وجهه القبيح الأصلع السمين في شيء.قال وهو ينظر إليه نظرة قاتمة: كأس شراب.بلع الرجل ريقه بوضوح، ونهض سريعا ونادى خادمته.صرخ نبهان: نوار! تعالي هنا أيتها الفتاة عديمة النفع!ارتجف جسده فورا عند الاسم.أميرتنا.لا، تماسك يا غالب، ليست هي الوحيدة التي تحمل هذا الاسم. هناك ملايين الفتيات في الدنيا يحملن الاسم نفسه. ليست أميرتك.لكن دمه بدأ يغلي وهو يفكر: إن كانت هي، وهي هنا مع رجل مثل نبهان في مكان مثل هذا، فهي بالتأكيد ليست هي.تابع نبهان صراخه بلهجته الثقيلة التي لم يفهمها: نوار! إن لم تسرعي سأفعل بك ما لا يسرك.لم يشعر بالشفقة على الفتاة المسكينة فقط، بل شعر فجأة بإحساس غريب في داخله. كأنه يريد أن يضرب رأس نبهان في الحائط وهو يستمر في الصراخ باسم الفتاة، الاسم نفسه الذي تحمله أميرته.بعد ثوان جاءت الفتاة تتعثر أمامهما.أسكت صوت الرجل وهو يوبخ الفتاة التي دخلت، وركز بصره عليها يراقبها عن قرب. تبدو مألوفة بشكل غريب. كان يتوقع أن تكون الخادمة التي يناديها نبهان امرأة مسنة، لكنها فتاة صغيرة لا يزيد عمرها على الخامسة عشرة، ولا يحتاج ذكاء ليعرف أنها تتعرض لسوء معاملة. ليست خادمة، ولا تشبه الفتيات اللواتي يبعن. هذه الفتاة عبد.تبدو مألوفة جدا، ويحتاج إلى ضبط شديد للنفس كي لا يمسك بها ويجعلها تنظر إليه، لأنه لا يستطيع رؤية وجهها وهي تنكس رأسها بينما يستمر نبهان في الصراخ عليها.عاد الإحساس الغريب في معدته. كفى.قال بصرامة: نبهان.التفت الرجل إليه سريعا، وتحول وجهه من الغضب إلى التوتر الشديد. وكان يرى الفتاة الصغيرة ترتجف خوفا حين رفع صوته، فبدأ يندم على فعلته.قال نبهان: شرابك في الطريق يا شيخ غالب. تفضل و...قاطعه سريعا.قال: دعني أرى وجه الفتاة يا نبهان.بقيت عيناه معلقتين بالفتاة الصغيرة، وفكه ينقبض غضبا وهو يراها مرعوبة إلى هذا الحد.قال نبهان: يا شيخ غالب، هذه الفتاة ليست مما اشتريت، إنها مجرد...قال: عبد. أعرف ولا يهمني. أريد أن أرى وجهها.نهض. لم يعد يتحمل. مشى نحو الفتاة المرتجفة، وأدهش نبهان وراشد حين جثا أمامها فجأة، لكنه لم يبال. كان يحتاج أن يرى وجهها ويعرف أن الأمر ليس صحيحا، وأن هذه ليست هي. أرجوك ألا تكون أميرتنا، لأن هذا المكان سيشهد حماما من الدماء إن كانت هي.لطالما تمنت عائلته أن تعرف الحقيقة وتجد أميرتها الغائبة. لكنه لا يتمنى أن يجدها هنا، من بين كل الأماكن في الدنيا.بلع الغصة المريرة في حلقه، ورفع وجه الفتاة الصغيرة برفق لينظر إليها أخيرا، وحين رآها كانت الصدمة الأكبر في حياته.نظرت الفتاة الصغيرة في عينيه بخوف، وجسدها كله يرتجف كالورقة، كأنها تنتظر الضربة.همس بصوت خافت: ريما.لم يصدق الوجه الذي رآه. كان الوجه نفسه لشقيه، أخته التوأم ريما. شعر أنه يبكي من هول ما رأى. لكن ريما ميتة، مضى على موتها خمسة عشر عاما. كان هناك حين ماتت. بكى وحمل جسدها البارد بيديه. أخته التوأم ميتة. هذه ليست ريما.وصلته الحقيقة التي كان يخشاها.هذه الفتاة الصغيرة ليست أخته التوأم، إنها ابنتها، ابنة أخيه، أميرتهم التي غابت اثني عشر عاما. نوار.لقد وجد أميرتهم أخيرا.سيكون في هذا المكان حمام دماء بعد كل شيء.