LNCrawler

الأميره المفقدوه - الفصل الثاني

الأميرة المفقودة — www.novlay.com · All chapters

الأميره المفقدوه - الفصل الثاني

(مروان الدري:)لم يبق لي إلا أن أرتب أربعة من هذه الأوراق، وأكون قد أنهيت عملي لهذا اليوم. ليس في جدولي إلا التحضير للذكرى الخامسة عشرة لوفاة أمي، بعد ثلاثة أيام، أمامي وقت كافٍ للتحضير. علي أن أنهي كل شيء قبل ذلك، وإلا سيعود عمي ليلومني على أنني ابن عاق نسي واجبه.لم أنسَ العام الماضي عن قصد. كيف أنسى ذلك اليوم؟ اليوم الذي جلب لعائلتنا حزنا عظيما ونعمة عظيمة في الوقت نفسه؟ لكن النعمة لم تعد إلا ذكرى بعيدة. اختفت النعمة، وصارت هي الأخرى حزنا. الآن ذلك اليوم ليس إلا حزنا مضاعفا ووجعا، وكم أتمنى أن أنساه تماما. لهذا يختلق إخوتي كل الأعذار كلما اقترب ذلك اليوم حتى لا يضطروا للذهاب واستعادة الألم. ولا ألومهم أبدا. لكنني لا ألوم عمي أيضا حين يريد أن تتذكر العائلة كلها وتزور أمي، أخته التوأم. ولحسن حظي، على عكس إخوتي الصغار الذين يفلتون من ذلك اليوم، فأنا الأكبر ورئيس عائلة الدري، ولا أستطيع.إلى جانب ذلك، لن يتردد العم غالب في إطلاق النار علي هذه المرة إن غبت مرة أخرى.لكن ذلك اليوم ليس لأمي فقط، بل هو أيضا لأختنا الصغيرة، أميرتنا الصغيرة.أنا متأكد أننا يوما سنعرف الحقيقة. لست متشائما أظن أن عائلتنا لن تصل إلى حقيقة ما جرى لأبي وأختي، وفي الوقت نفسه لست متفائلا أظن أننا سنجدهما أحياء سالمين. مضى اثنا عشر عاما. أنا واقعي أؤمن بالحقيقة القاسية والمؤلمة، وواقعيا من المستحيل أن يختفي أبي وأختي دون أن يصيبهما مكروه يوم رحيلهما. أبي ليس رجلا يترك عائلته وعمله ويختفي مع ابنته ذات الثلاث سنوات ولا يُسمع عنه شيء لاثني عشر عاما. لا بد أن شيئا أصابهما وماتا. هذه هي الحقيقة القاسية التي ترفض بقية عائلتي تقبلها.لذلك الشيء الوحيد الذي يهمني الآن ليس العثور على أبي وأختي، بل معرفة حقيقة ما جرى لهما، وإن أمكن، إعادة ما تبقى منهما إلى عائلتنا بعد أن أعاقب من كانوا السبب في اختفائهما.حدقت في إطارات الصور الثلاثة على مكتبي، وأخذت الوسطى. كانت صورة لي في التاسعة عشرة مع أختي الصغيرة في حفلة عيد ميلادها الثالث. كنت أحمل جسدها الصغير الممتلئ بأمان بين ذراعي، وهي تتشبث برقبتي، وكلانا نبتسم للكاميرا. كان وجهها الممتلئ اللطيف مغطى بالسكر لأنها كانت قد فرغت من غمس وجهها في الكعكة قبل دقائق من التقاط مازن صورتنا.نشبه بعضنا كثيرا. نحن الاثنان الوحيدان اللذان ورثنا ملامح أمي.كم افتقدها. لكن علي أن أواجه الحقيقة القاسية: لقد رحلت، ولن أراها مرة أخرى.لكن ما زال هناك شيء واحد أستطيع فعله من أجلها.همست وأنا أحدق في أختي الحبيبة: أعدك يا أميرتي، لن أرتاح حتى أعرف الحقيقة وأجلب لك ولأبي العدالة التي تستحقانها.طرق الباب ثلاثا.تبا.كانت الدموع تهدد بالانفلات من عيني، لكنني أعدت الإطار بسرعة إلى مكانه ورمشت حتى اختفت، ثم ارتديت مظهري البارد وقلت لهم يدخلوا.غير أن مظهري البارد اختفى فورا حين رأيت أنه أخي الصغير فقط.قلت مبتسما وأنا ألاحظ أنه ما زال في ملابس النوم وشعره منكوش: أهلا يا بدر. هل استيقظت للتو؟أعطاني عبوسه المعتاد وأومأ برأسه، وأغلق الباب، واقترب من مكتبي ووقف أمامي. منذ كان صغيرا، كان يضع ذلك العبوس على وجهه كل مرة، وصار الآن علامته المميزة.قلت: يمكنك الجلوس، كما تعلم.قال: سأكون سريعا. أحتاج فقط أن توقع هذا، إنه إذن ولي أمر.أخذت الورقة وقرأت ما فيها، ورفعت حاجبي باندهاش وأنا أنظر إلى أخي.سألته بدهشة: غدا نهائي كرة القدم في مدرستك؟أومأ برأسه فقط.أعرف أن بدر يلعب كرة القدم، لكنني لم أعرف أنه ضمن فريق المدرسة. كل ما عرفته أنه قد يكون مشاغبا في مدرسته، إذ يتصل بي المدير أو يرسل لي خطابا من وقت لآخر. لكنني لم أعرف هذا.قلت: كيف أخبرتني الآن فقط؟ لم أكن أعرف حتى أنك تلعب في فريق مدرستك.ازداد عبوسه عمقا إن كان ذلك ممكنا، وهو يسمع كلامي.قال: هل يمكنك أن توقعه بسرعة؟بدا صوته وكأنه منزعج لسبب ما، لكنني تجاهلت الأمر واعتبرته تصرف فتى مراهق.ابتسمت ردا على ذلك وأخذت قلمي لأوقع اسمي على الورقة. كان قد مد يده ليأخذها مني، لكن قبل أن أعطيه إياها، قلت له: سأكون هناك لأشاهد مباراتك غدا يا بدر.أزال عبوسه ونظر إلي بدهشة، كأنه يرى كائنا غريبا مكاني.ضحكت من رد فعله وقلت: ما العجيب في أن أريد مشاهدة أخي الصغير يلعب؟تلعثم وقال كلمات لم أفهمها، واحمر وجهه كله فجأة: أنا... ليس... فقط لم... أقصد، لا يهم.قلت وأنا أعطيه ورقة الإذن: ألا تريدني أن أذهب يا بدر؟ هل أخجلك؟اتسعت عيناه وهز رأسه بسرعة: لا، بالطبع لا يا مروان! لكن ألست مشغولا؟عاد عبوسه المعتاد مرة أخرى. كأنه لا يصدق أنني أريد مشاهدة مباراته.قلت مبتسما له بتطمين: لا، أنا حر غدا، وسأذهب إلى مدرستك وأشاهد مباراتك إن كان ذلك لا يزعجك.قلبت كلماتي عبوسه رأسا على عقب، حتى بدا وكأنه يبتسم لي، فدفأ قلبي لرؤية أخي الصغير سعيدا هكذا بصدق. لا أتذكر متى كانت آخر مرة رأيت بدر يبتسم هكذا. إن أمكن، أريد دائما أن أرى تلك الابتسامة على وجهه. أريد أن تكون تلك الابتسامة علامته المميزة، لا ذلك العبوس القبيح الذي يلبسه دائما.قال بحماس مفاجئ: بالطبع يمكنك أن تأتي وتشاهد مباراتي إن أردت. سأحب ذلك. شكرا يا مروان!قلت له وأنا أضحك قليلا وأتذكر أيام الثانوية: أخبرني، ما مركزك في الملعب؟ أتعلم، لقد لعبت كرة القدم مرة في الثانوية كحارس مرمى.على ما يبدو، أثار هذا اهتمام بدر، فجلس بسرعة.قال: حقا؟ هل أنت...للأسف، قبل أن نبدأ حديثنا الصغير عن كرة القدم، رن هاتفي فجأة. رأيت ابتسامة بدر تكاد تختفي وتفسح المجال لعبوسه المعتاد، وكنت على وشك إطفاء هاتفي لأنني أردت فعلا أن أتحدث وأتواصل مع أخي الصغير ولو قليلا، فأنا أدرك أنني نادرا ما أفعل ذلك هذه الأيام، لكنني رأيت اسم المتصل على الشاشة.العم غالب.سببت لنفسي بصوت خافت. ماذا يريد الآن؟ لقد أبلغ سكرتيري رده بالفعل، ولا أستطيع التحكم في أخوي الآخرين إن أرادا الذهاب أم لا.ظل الهاتف يرن بلا توقف.قال بدر وهو يعطيني نظرة عارفة: إنه العم غالب، عليك أن ترد يا مروان، تعرف أنه لا يحب أن يُتجاهل.تنهدت وقلت: أعرف.لكن الأفضل ألا يكون الاتصال بشأن سبب عدم حضور أيمن وزياد ذلك اليوم. هذان رجلان بالغان الآن، ولم أعد ولي أمرهما. قد أكون أخاهما الأكبر ورئيسهما، لكن هذا لا يعني أن لي حق التحكم في كل جانب من حياتهما، خاصة اختياراتهما وقراراتهما.أومأت وأخيرا رددت على المكالمة. لكن بينما وضعت الهاتف على أذني، لم أكن أعلم أن الكلمات التالية التي سأسمعها من عمنا ستغير كل شيء في حياتنا.قلت: أهلا؟قال العم غالب: تعال إلى مدينة النسر الآن يا مالك. سأشرح كل شيء هنا، لكن أسرع وتعال الآن. ولا تخبر أحدا بعد، ولا حتى إخوتك وابن عمك. لقد وجدت أختك نوار. وجدتها أخيرا، وهي هنا معي الآن في مدينة النسر. تعال وأسرع.(مروان الدري:)كانت هذه أطول رحلة في حياتي، هكذا شعرت بها على الأقل. كنت أحتاج أن أهدأ قليلا وأستريح، لكنني لم أستطع. بدا جسدي كله مشحونا، والهدوء صار أمرا مستحيلا منذ تلك المكالمة من عمي غالب. رفض جسدي أن يهدأ حتى أصل إلى مدينة النسر وأراها بنفسي، أميرتي الصغيرة.بعد تلك المكالمة الصادمة، أخبرت بدر أن عمنا لديه أمر عاجل في مدينة النسر ويحتاجني هناك، وهذا لم يكن كذبا تماما. لكن هذا أزعجه وأحبطه، فعاد عبوسه المعتاد إلى وجهه، وأومأ برأسه وترك مكتبي. أعرف أنني وعدته بحضور مباراته غدا، وأعرف أنني خيبته، لكن هذا الأمر أهم، وحين أخبره سيفهم، بل أظنه سيفرح أكثر. سأعوض بدر حين أعود، وأعرف أنني لن أعود وحدي.بعد ذلك أخذت جواز سفري بسرعة واتجهت إلى طائرتي الخاصة كي أصل إلى مدينة النسر بأسرع وقت.لا أصدق هذا. وجدنا أميرتنا أخيرا. كانت حية طوال هذه السنوات. كنت مخطئا. يا إلهي، كم كنت مخطئا.كنت أموت وأنا أحاول بكل قوتي ألا أتصل بإخوتي وأخبرهم عن أميرتنا. عمي غالب طلب ألا أخبرهم بعد. لا أعرف لماذا قال ذلك، لكنني أعرف أن له سببا وجيها. الرجل العجوز لم يخبرني الكثير، فقط أنه وجدها أخيرا، وأن أسرع وأذهب إلى مدينة النسر، وألا أخبر إخوتي. هذا كل شيء. بدا صوته quase لاهثا حين اتصل، وكأنه يغلي من الغضب.ازددت حيرة، والأسئلة تتكدس في رأسي مثل جبل.كيف وجدها؟ أين وجدها؟ لماذا كانت في مدينة النسر؟ كيف وصلت إلى هناك؟ كيف حالها؟ كيف تبدو الآن؟ ماذا حدث؟ أين كان أبي؟ عمي لم يذكره أبدا.همست لنفسي: كفى يا مروان. لا فائدة من التفكير في كل هذه الأسئلة هنا. سأعرف كل الإجابات في مدينة النسر.وقبل أن أنتبه، كنت أعض أظافري بتوتر وأنا أنظر إلى السحب خلف النافذة. عادة سيئة أعرفها في نفسي، أفعلها دون وعي حين أقلق. أفعلها منذ الصغر، وكانت تضايق أمي كثيرا، لكنني لم أستطع تركها.لكنني أعرف أن كل أسئلتي تستطيع الانتظار. كل ما أريده الآن أن أراها وأحملها مرة أخرى، أميرتي الصغيرة الجميلة.***قصر الصخر الكبير، مقر عائلة الصخر الرئيسي، هو المكان الذي ولدت فيه أمي وترعرع عمي، والمكان الذي ولدت فيه أنا أيضا، لأن أبوي كانا هنا في رحلة حين فاجأتهما وقررت أن أخرج إلى الدنيا. أتذكر كيف كنا نحب أنا وأيمن وزياد المجيء إلى هنا في المناسبات الخاصة بإلحاح جدتي، لكن بعد موتها بعد ولادة بدر بأشهر، صارت زياراتنا تقل حتى انقطعت. لا أتذكر متى كانت آخر زيارة لي هنا. لكنني سعيد أن كل شيء ما زال كما أتذكره، إلا أنه صار أكثر حداثة قليلا.قال راشد وهو يستقبلني: شيخ مروان، أهلا بك.قلت بسرعة وصراحتي تنفد: راشد، تعرف لماذا جئت. أخبرني أين هي الآن.قال وهو ينظر إلي بتوتر: أعرف يا شيخ مروان، لكنني لا أستطيع أن أخبرك. الزعيم قال إنني أرافقك إلى مكتبه.قلت وأنا أشعر بفكي ينقبض غضبا: تعرف من أنا، صحيح يا راشد؟ تعرف ما أستطيع فعله؟ وتعرف ما أفعله حين لا أحصل على ما أريد؟قال بأدب شديد وكأنه على وشك البكاء: أعرف تماما يا شيخ مروان. لكنني آسف، أنا لا أعمل عندك، بل عند عمك. لا أتبع أوامرك، بل أوامره فقط، والآن أنفذ أوامره. لذلك اسمح لي أن أرافقك إلى مكتبه.قلت: لا حاجة. أعرف المكان.مشيت نحو الدرج الكبير. لماذا يطلبني في مكتبه؟ هل أختي هناك معه؟دفعت باب مكتبه بقوة دون أن أطرق، ودخلت. لكنني عبست حين رأيت أنه وحده، يجلس على كرسيه خلف مكتبه بوجه خال من التعبير لحظة رآني.لا بد أنه يمزح معي.قال بنبرة ساخرة وهو يحدق بي: من الجميل رؤيتك أيضا يا ابن أخي العزيز.تجاهلته وضربت مكتبه بقبضتي وقلت: أين هي يا عمي؟ أريد أن أراها الآن. أرجوك، دعني أرى أختي الآن.صرت في أشد حالات اليأس. القلق والتوتر الذي رافقني منذ المكالمة صار أكثر من طاقتي، خصوصا وأنا أعرف أن أختي الغائبة موجودة في مكان ما داخل هذا البيت.لم يقل عمي شيئا، بل نهض من كرسيه، ومشى نحوي، وجذبني إلى ذراعيه وعانقني، ففوجئت. وقبل أن أقرر هل أعانقه أم أدفعه، تركني وقال: نوار هنا يا مالك.هو ومازن فقط من ينادونني أنا وإخوتي بأسمائنا الثانية. قال عمي إن ذلك يذكرنا بدمنا.قال: هي هنا، وهي بأمان الآن.ضاقت عيناي. ما معنى أنها بأمان الآن؟ لماذا؟ ألم تكن بأمان قبل؟قال: أعدك أن آخذك إليها، لكنني وأنت علينا أن نتحدث أولا يا مالك. اجلس.هززت رأسي فورا ودفعت يده بعيدا.قلت: نتحدث عن ماذا يا عمي؟ هل أبي معها؟ لماذا لم تخبرني عنه حتى؟ ولماذا لا تريد أن أخبر إخوتي؟ لا يهمني إن اضطررت لهدم هذا البيت حجرا حجرا حتى أراهما. أريد أن أراهما الآن.قال بصرامة: سلمان ليس هنا.ماذا؟قلت لنفسي: كيف ليس هنا؟ لا أفهم. كان أبي وأختي معا حين اختفيا.تنهد عمي بعمق، وبدا يغلي غضبا مرة أخرى.قال: أبوك ليس هنا. وجدت أختك وحدها. ذلك السلمان الأفضل أن يدعو أي إله أو شيطان يؤمن به أن يكون تحت التراب، لأنني حين أجده سأقتله بيدي.غلا دمي في لحظة من الإهانة التي قالها عن أبي.قد يكون عمي، لكنني لا أتحمل أن يتحدث أحد عن أبي بهذا السوء، ولا حتى هو.قلت وأنا أحدق فيه بنظرة قاتمة: لا تتحدث عن أبي بهذا الشكل يا عمي، وإلا أقسم أنك ستواجهني أنا.سخر مني فقط.قال ووجهه قد احمر وكاد يرتجف من الغضب: استيقظ يا مالك. أنت رجل ذكي، فلماذا لا ترى حقيقة أبيك؟ ذلك الرجل تركك وإخوتك، وخطف أختك الصغيرة، واختفى ولم يُسمع عنه شيء لاثني عشر عاما. أي أب، أي رجل يفعل ذلك؟ أخبرني.انقبض فكي، ولأول مرة في حياتي عجزت عن الكلام. لم يكن ينتظر ردي، فقد عاد يتكلم بسرعة، ويزيد في إهانة أبي، ويصفه بالقمامة، ويهدد بقتله.قلت بثبات: أبي ليس قمامة. هو رجل طيب، وأنا متأكد أن لديه أسبابه حين رحل.لكنني في الحقيقة لم أكن متأكدا من الكلمات التي قلتها.أطلق عمي ضحكة بلا روح، وكادت عروق رأسه تظهر من شدة غضبه.قال: رجل طيب؟ حسنا، لنر إن كنت ستظل تسمي أباك رجلا طيبا حين تعرف أين وجدت أختك بالضبط.سألته بتردد وخوف من الإجابة: لماذا؟ أين وجدتها؟دلك عمي صدغه بتعب، وأسند ظهره إلى المكتب، ونظر إلي بأسى كأنه خال من كل سعادة.كررت سؤالي وأنا أنظر إليه بقلق: أين وجدتها يا عمي؟قال: أمس كان من المفترض أن أتفقد الفتيات البديلات اللواتي اشتريت ليعملن في أماكني.أنا أكره هذا الجزء من عمله، حتى مازن يكرهه، وهو مصمم على إغلاقه حين يصبح زعيم تنظيم الصخر.قال: لكنني ذهبت هذه المرة إلى شريك جديد، رجل من بلاد الشمال اسمه نبهان، يقود جماعة تجارة البشر هناك. ذهبت إلى بيته لأتفقد الفتيات اللواتي اشتريت.سقط قلبي، وشعرت فجأة بألم يعصر معدتي.لا، أرجوك، لا تقل لي.ظل عمي ينظر إلي، وعيناه الداكنتان تجمعان الغضب والحزن.قال: ثم رأيتها هناك، ابنة أختي، أختك. لا شك أنها هي، فهي صورة طبق الأصل من ريما. أنت وهي تشبهان ريما كثيرا.بدأت دموع خائنة تنزل من طرف عينيه، فشعرت بالغثيان. شعرت كأنني أُطعن مرة بعد مرة.قلت وأنا أضم قبضتي: لماذا كانت هناك يا عمي؟ ماذا تفعل أختي الصغيرة في بيت تاجر بشر؟قال: لم تكن تُتاجر بها. في الحقيقة، حالتها هناك كانت أسوأ. ابنة أخي كانت تُعامل كعبد في ذلك البيت. لا أعرف كيف وصلت إلى هناك، لكن من الواضح أنها كانت هناك سنوات. تعرضت لإساءة شديدة يا مالك.أختي الصغيرة. أميرتي الصغيرة الغالية.خطف. عبد. إساءة.هذه الكلمات الثلاث دارت في رأسي بصوت عال، وانكسر قلبي إلى قطع.أعرف أنني قلت إنني واقعي، لكن هذا لم يكن الواقع الذي تمنيته. ومع ذلك، لم يعد هناك إنكار. هذه هي الحقيقة الباردة القاسية.سألته بصوت خافت وأنا واقف منهكا ومكسورا: أين هي يا عمي؟قال: نائمة في غرفة أمك القديمة.أومأت.قلت: علي أن أذهب إليها. علي أن أذهب إلى أختي. أحتاجها. هي تحتاجني.ووجدت نفسي أركض خارج مكتبه ونحو الطابق الثاني، إلى غرفة أمي القديمة.***بلعت الغصة في حلقي ورمشت لأمنع الدموع السيئة من الخروج، وأدرت مقبض الباب وفتحته بحذر. دخلت بسرعة وأغلقته بهدوء. قال عمي إنها نائمة، لذلك لا أريد أن أوقظها فجأة وأخيفها حين تراني. هي بالتأكيد لا تعرفني.أنا غريب في عين أختي.مشيت أعمق في الغرفة، وحينها رأيتها أخيرا. أختي الصغيرة. كانت نائمة بعمق في سرير أمي القديم.همست وأنا أعض لساني كي أكتم شهقة: أميرتي الصغيرة.اقتربت حتى وقفت بجانب السرير، ودموعي تنزل دون تحكم، فجثوت بجانب سريرها، وأخذت يدها برفق شديد، وقبلت مفاصل أصابعها.همست في أذنها وأنا أقترب لأنحي خصلات شعرها عن وجهها: اشتقت إليك كثيرا يا نوار الصغيرة.كان عمي محقا. لا مجال للخطأ. إنها هي حقا. أنا متأكد. إنها صورة طبق الأصل من أمي الغالية.لكنني عبست، وزادت دموعي، وغضب وألم عميقان انفجرا في داخلي وأنا أنظر إليها عن قرب. تبدو صغيرة جدا بالنسبة لعمرها، ونحيلة لدرجة أن عظمي رقبتها بارزان، ووجهها الجميل شاحب وهزيل. وما زاد حالها سوءا وأيقظ الشيطان في داخلي أكثر، تلك الكدمات والجروح والندوب المتناثرة على وجهها وجسدها كأنها لوحة، ولا أستطيع إلا أن أظن أن هناك المزيد تحت ملابسها.ماذا حدث لأختي طوال هذه السنوات؟كان عمي محقا. أبونا ليس إلا رجلا تافها. كيف سمح لهذا أن يحدث لنوار، ابنته؟ رحل فجأة في منتصف الليل، وتخلى عن أبنائه، وأخذ ابنته معه، وربما أوصلها وتركها في أسوأ جحيم. أي أب يفعل ذلك بأولاده؟قاطع تأوه خفيف أفكاري المظلمة، ونظرت إليها فورا. كانت ما تزال نائمة، لكنها بدت وكأنها ترى كابوسا.عبست ومسحت شعرها برفق، وهمست بكلمات مطمئنة في أذنها، راجيا أن يساعدها صوتي في مقاومة الكابوس.همست أخيرا في أذنها: أنت بأمان الآن يا نوار. أنا هنا الآن، أخوك هنا الآن. أحبك كثيرا. وأعدك ألا تؤذين مرة أخرى أبدا. سأقاتلهم كلهم. سأجعل كل من آذاك يدفع الثمن.ثم ختمت الوعد بقبلة خفيفة على رأسها.سأجعلهم يذوقون العذاب، سأتأكد من ذلك. بما فيهم أبي.