مذكراتي المنسية | الفصل الاول الفكرة
مذكراتي المنسية | الفصل الاول الفكرة
ها أنا ذا، في التاسعة والعشرين من عمري، ومع ذلك، لا أزال أحلم كطفلٍ صغير.بكل الأشياء التي لم أستطع تحقيقها، وبالمشاهد التي أتمنى أحيانًا لو كانت حقيقية، أتخيل نفسي طيارًا، أطير بطائرة في السماء، وأحتضن الغيوم.ثم تباغتني الحقيقة بقسوة، فتنتزعني من أحلام اليقظة التي تمنحني السلوى؛ إذ أرى نفسي مجددًا طبيبًا يعالج المرضى ويرسم البسمة على وجوههم.وللأسف، يتحطم المشهد، ويصدمني الواقع: كيف يمكنني أن أصبح طبيبًا، وأنا لا أستطيع حتى أن أداوي نفسي؟أنا أكذب على نفسي باستمرار، وأصدق الأكاذيب التي اختلقتها بنفسي؛ تمامًا كممثل يتقمص شخصيةً ما في مسرحية أو فيلمٍ، تقمصًا تامًا.دائمًا ما أحاول أن أقنع نفسي بكل كذبة كذبتها على نفسي يومًا، أو قلتها لشخص ما.لا أعرف لماذا. ربما تكون هذه غريزة دفاعية لدي، أو ربما أعاني من حالة نفسية تُسمى إنكار الواقع. الحقيقة أنني لا أعرف.أظل مستيقظًا حتى وقت متأخر من الليل، أشعل سيجارة تلو الأخرى، وكأنني أحاول حرق دفاتر الماضي ونسيانها.أبحث عن فرصة جديدة في مكان آخر؛ مدينة جديدة، ووجوه جديدة، وحياة جديدة، وبداية جديدة، وقصة جديدة، وفصلٍ جديدٍ خالٍ من الكآبة والحزن. لقد وُلدتُ في «مدينة الياسمين»؛ فيها نشأتُ، وفي كنفها رسمتُ ملامح كل أحلامي وآمالي.إنها مدينةٌ أحببتها كثيرًا. جُبتُ شوارعها وأحياءها، وحفظتُ كل تفاصيلها عن ظهر قلب. شاركتُها أفراحها وأحزانها، وفي ثراها واريتُ جثامين أخي وأصدقائي وأحبائي. ومع ذلك، فقد صرتُ أمقتها في الآونة الأخيرة؛ ربما لأن المدينة قد تغيرت، أو ربما لأنني أنا من تغيرت...وأصبحتُ عاجزًا عن التأقلم مع الحياة هناك كما كنتُ أفعل سابقًا. فمنذ عامين أو أكثر، وفكرة الهجرة تلازمني وتلحُّ عليّ؛ وهي فكرةٌ زُرعت في عقلي بتعمدٍ وإصرار، تمامًا كما يزرع المزارعُ حقوله.فمن أنا، في نهاية المطاف، لأكرهها؟ إنها الوطن الذي عرفتُه منذ الطفولة.نهضتُ من السرير بعد أن فرغتُ من تدوين أفكاري في مذكراتي؛ وضعتُها تحت المرتبة، وتوجهتُ نحو الحمام. أمسكتُ بمقبض الباب، وأدرتُه، ثم دخلتُ؛ كان حمامًا صغيرًا، جدرانه مكسوة ببلاط أبيض وأزرق، وأرضيته بيضاء.وقفتُ أمام حوض غسيل أبيض، وفتحتُ الصنبور. انحنيتُ، وغسلتُ وجهي، وانتعشتُ، ثم تأملتُ انعكاس صورتي في المرآة المعلقة فوق الحوض.لستُ وسيمًا؛ فبشرتي سمراء، وشعري قصير، ولحيتي كثيفة، والنمش ينتشر على وجهي الشاحب وكأنه خريطة. عيناي بنيّتان، وقامتي متوسطة الطول. أمعنتُ النظر في هاتين العينين اللتين بدا لي أنهما تغيّرتا عمّا كانتا عليه؛ فلم تعودا تشبهان عيني ذلك الطفل الذي كان يضحك كثيرًا ويغمره شعورٌ بالبهجة. لقد أصبحتا الآن مثقلتين بالتعب والإرهاق وحزنٍ عميق.خرجتُ من الحمام، وسرتُ نحو المطبخ.أخذتُ "الركوة" النحاسية من الخزانة ووضعتها على الطاولة. تناولتُ وعاء القهوة، وسكبتُ الماء في الركوة النحاسية، وأضفتُ القهوة، ثم أشعلتُ الموقد وخفّضتُ اللهب حتى صار هادئاً.تركتُها تغلي ببطء حتى ملأت رائحتها أرجاء الغرفة.ارتفعت رغوتها الذهبية، فسكبتُ المشروب الدافئ في فنجاني. رفعتُ الفنجان عن الطاولة واحتسيتُ القهوة سوداء ومرّة؛ مرارةً تشبه تلك الكآبة التي عرفتُها منذ طفولتي، ومرارة حياةٍ اعتدتُ عليها.إنَّ الشيء الوحيد الذي أتقنتُه حقاً هو القهوة.