LNCrawler

مذكراتي المنسية - الفصل الثاني ذكريات

مذكراتي المنسية — www.novlay.com · All chapters

مذكراتي المنسية - الفصل الثاني ذكريات

في صغري كنت أمقت التدخين وأكره هذه العادة لدى الآخرين... أما الآن، فقد أصبحت واحدًا منهم.وعلى أية حال، أدخلت يدي في جيب بنطالي، وأخرجت علبة سجائر، ثم تناولت سيجارةً ووضعتها بين شفتي، وأشعلتها، ثم نفثت سحابةً من الدخان؛ فملأت رائحتها النفاذة أرجاء المطبخ.احتسيتُ رشفةً أخرى من القهوة، وفي تلك اللحظة، تذكرتُ طفولتي؛ فقد عشتُ تجاربَ صعبةً كثيرةً في «الحي الشرقي»، وكانت تلك التجارب هي التي صاغت شخصيتي الحالية.لقد كبرتُ في شوارعها، وبين منازلها وأزقتها؛ تلك المنازل المبنية بالطوب الأبيض، ذات الأسقف الحديدية، التي كانت تصدر أنينًا مع كل نسمة ريح في فصلي الخريف والشتاء؛ والشوارع التي كانت تضجُّ بمياه الأمطار والوحل، وكانت الكلاب الضالة — التي لا تكفُّ عن النباح — تطاردني باستمرار كلما تجولتُ في ذلك الوقت.لم أنسَ قط تلك الأيام من حياتي.لقد أحببتُ أصدقائي وجيراني، رغم غرابة أطوارهم واختلاف شخصياتهم وطباعهم.أتذكر وجوه ونظرات الأشخاص الذين التقيتُ بهم وتفاعلتُ معهم خلال تلك المرحلة من طفولتي: فمنهم من نظر إليَّ بشفقة لكوني من ذوي الإعاقة، ومنهم من وجد فيَّ مصدر تسلية، ومنهم من أبغضني بلا سبب.لقد عانيت كثيرًا بسبب إعاقتي؛ فأنا أجد صعوبة في نطق بعض الكلمات، كما أن ساقي اليسرى أقصر من الأخرى، مما يضطرني للعرج — ومع كل خطوة أخطوها، يلتصق الغبار بساقي وأصابع قدمي تمامًا ككهل على عصاه، وهو يرتجف خوفًا من أن يسقط على وجهه.كان الأطفال — سواء من هم في مثل سني أو الأصغر — يسخرون مني لهذا السبب.وذات مرة، وبينما كنتُ في طريقي إلى المتجر لشراء بعض الأغراض، صادفتُ صبيًا — يتراوح عمره بين 11 و15 عامًا — بدأ برشق الحجارة نحوي. حاولتُ تجاهله، لكنه استمر في الرمي؛ تفاديتُ الحجر الأول، إلا أن الثاني أصاب ساقي اليسرى مسببًا لي ألمًا شديدًا. التقطتُ حجرًا صغيرًا لإخافة الصبي، ففرَّ هاربًا.وبينما كان يلوذ بالفرار، راح يطلق الشتائم نحوي، واصفًا إياي بـ«صاحب ساق الدجاجة».في ذلك الوقت، لم أكن أفهم سبب تعامل الناس معي بتلك القسوة. ربما كان السبب أنني كنت مختلفًا؛ والاختلاف جريمةٌ يتوجب على المرء دفع ثمنها.واصلت طريقي نحو المتجر. دخلتُ بنية شراء بعض المعكرونة التي طلبتها أمي، بالإضافة إلى علبة سجائر لأخي الأكبر. وحين طلبتُ هذه الأغراض، أجابني صاحب المتجر بابتسامة متكلفة ومصطنعة: «لم أفهم جيدًا؛ هل يمكنك تكرار ما قلته؟»كررتُ طلبي عدة مرات، بينما تشكّلت غصة من الحزن في قلبي. ابتسم الرجل وقال: «آه، فهمتُ الآن. تفضل، هذه السجائر، أما المعكرونة فهي هناك على الرف الثالث. اعذرني، فقد ظننتُ أنك تقصد شيئًا آخر؛ فلهجتك تبدو غير مألوفة بعض الشيء».أجبتُه: «لا بأس»، ثم أخذتُ أغراضي وغادرتُ.وما إن خرجتُ من المتجر، حتى رأيتُ صبياً يتحدث إلى والديه، وعلى وجهه ابتسامة مشرقة. كان يرتدي ملابس أنيقة، وهو ما شكّل تبايناً صارخاً مع ملابسي البالية.تابعتُ طريقي نحو المنزل، محاولاً ألا ألتفت إليهم كثيراً، لكنني سمعتُ الصبي يقول لوالده: "انظر إلى ذلك الفتى العرج يا أبي، كم هو مسكين  أعادتني سيجارتي التي انطفأت وحرقةُ إصبعي إلى أرض الواقع. نظرتُ إلى أثر الحرق الصغير، فتذكرتُ أن الألم، سواء كان من حجر صبي غاضب، أو من نار سيجارة مشتعلة، يبقى دائمًا جزءًا مني