LNCrawler

رواية مملكة أزجون: الجزء الثاني | سلام هش

مملكة أزجون الجزء الثاني — www.novlay.com · All chapters

رواية مملكة أزجون: الجزء الثاني | سلام هش

مرّ شهران كاملان على الهدنة التي أعلنها الملكان رامانوجرازار فوق قبر باران الطازج، شهران حملا للمملكتين نوعًا من السلام الحذر،سلامًا أشبه بجرح يلتئم ببطء شديد، تاركًا ندبة عميقة لا تُمحى بسهولة. أعيد بناءأجزاء من أسوار قلعة النور المتضررة من المعركة الأخيرة، وأُقيمت نصب تذكاريةبسيطة لكل من فقدتهم المملكة في تلك الليلة الدامية، من بينهم تمثال صغير متواضعلقائد الحرس تورين، وضعته لوزان بنفسها عند مدخل الحديقة الملكية.كانت الحياة اليومية تعود ببطء إلى إيقاعها المعتاد:الأسواق تُفتح من جديد، الأطفال يعودون للعب في الساحات دون خوف من غارات مفاجئة،والفلاحون يستأنفون زراعة حقولهم التي أهملت خلال أشهر الحرب الطويلة. لكن تحت هذاالسطح الهادئ، كان الجميع يشعر بتوتر خفي، وكأن الجميع يعرف، دون أن يقولها أحدبصوت عالٍ، أن سلامًا بُني على حزن مشترك بهذه السرعة قد يكون هشًا أكثر مما يبدوعليه ظاهريًا.جلست لوزان ذات صباح في حديقة القصر، تراقب الفراشات تحومحول الزهور المتفتحة حديثًا، وشعرت للمرة الأولى منذ وقت طويل بشيء يشبه الطمأنينةالحقيقية. كانت قوتها السحرية النادرة، تلك التي ورثتها عن سيلينا القديمة، قدبدأت تستقر أكثر بعد أشهر من التدريب المكثف مع والدتها ليما، التي أصرّت على أنتتعلم ابنتها كيف تتحكم بهذه الهبة الثقيلة بحكمة بدل أن تخشاها.جاءها هامير في زيارته الأسبوعية المعتادة، زيارة أصبحترسمية الآن بموافقة الملكين، جزءًا من محاولة بناء جسر حقيقي بين المدرستينالمتحاربتين سابقًا. جلس بجانبها على المقعد الحجري، يحمل باقة زهور صحراوية نادرةقطفها بنفسه في طريقه إليها."تبدين سعيدةاليوم" قال بابتسامة دافئة، يلاحظ الهدوء الجديد في ملامحها. "هذايسعدني أكثر مما تتخيلين.""أشعر، للمرة الأولىمنذ زمن طويل، أن المستقبل قد يحمل شيئًا جميلاً فعلاً" ردت لوزان، تأخذالزهور منه بامتنان صادق. "ربما تكون هذه الهدنة الهشة بداية حقيقية لعالمنتمناه، عالم لا يفرّق بين النور والظلام بقسوة، بل يجمعهما كما كان يحلم أبيوأبوك يومًا."نظر هامير إليها طويلاً، يفكر في كل ما مرّا به معًا:الشك، الحرب، الخيانة، الفقد. "أحيانًا أخشى أن أصدق هذا السلام تمامًا"اعترف بصدق. "كأن جزءًا مني ينتظر دومًا العاصفة القادمة."ضحكت لوزان ضحكة خفيفة، تمسك بيده بثقة. "دعنا فقطنستمتع بهذا الهدوء اليوم، غدًا سيأتي بما يأتي به، لكن اليوم، أريد فقط أن أكونسعيدة معك دون قلق مفرط."جلسا معًا لساعات طويلة، يتحدثان عن أحلام بسيطة كانايخشيان يومًا التفكير فيها: بيت صغير بعيد عن كل السياسة والحروب، أطفال يلعبوندون خوف من العداوات القديمة، حياة عادية هادئة لم يظنا يومًا أنها ممكنة لهما. لميكن أي منهما يعلم أن هذا السلام الهش، هذه اللحظة السعيدة البسيطة، كانت آخر أيامالهدوء الحقيقي قبل أن تجتاح المملكتين عاصفة أعظم بكثير من أي شيء واجهاه من قبل.مع اقتراب المساء، رافق هامير لوزان في نزهة هادئة عبرممرات الحديقة الملكية المزهرة، يتحدثان عن خطط مستقبلية بسيطة: ربما رحلة قصيرةإلى بحيرة قريبة حين يسمح الوقت، أو أمسية موسيقية يحضرها الطرفان معًا لأول مرةعلنًا كزوجين معلنين أمام الشعبين. بدت كل هذه الأحلام الصغيرة، بعد كل ما مرّا بهمن دمار وفقد، ترفًا ثمينًا لم يقدّراه يومًا بهذا العمق من قبل.قبل أن يودعها عند بوابة القصر، توقف هامير للحظة، يمسكبكفها بين يديه بحنان. "مهما حدث في المستقبل، لوزان، أريدك أن تعرفي أن هذهالأيام معك، رغم بساطتها، هي أثمن ما عشته في حياتي كلها." ابتسمت لوزان بدفءصادق، ووعدت نفسها صامتة أن تحفظ هذه اللحظة البسيطة في ذاكرتها إلى الأبد، مهماجلبت الأيام القادمة من عواصف.الفصل الثاني: بناء الثقةفي الأسابيع التالية، عمل لوزان وهامير بجد على ترميم كلما تصدع بينهما خلال أزمة الشك والخيانة المزيفة التي زرعتها روناسا سابقًا. لميكن الأمر سهلاً؛ كانت ندوب الشك لا تزال تترك أثرًا خفيفًا أحيانًا، لحظات ترددصغيرة، أسئلة لم يجرؤا على طرحها بصوت عالٍ خوفًا من إثارة جروح لم تلتئم تمامًابعد.اقترح هامير ذات يوم أن يبدآ عادة جديدة بينهما: أن يخبركل منهما الآخر بصدق كامل عن أي شك أو قلق يساوره فور شعوره به، بدل كتمه حتىيتراكم ويتحول إلى أزمة كبرى كما حدث من قبل. وافقت لوزان بحماس، مدركة حكمة هذاالاقتراح البسيط لكن العميق الأثر."أشعر أحيانًابالغيرة حين أراك تتحدثين بحماس عن دراستك السحرية مع والدتك" اعترف هاميرذات مساء، بصدق نادر كلّفه جهدًا واضحًا. "ليس لأنني لا أثق بك، بل لأننيأشعر أنني أتخلف عنك في فهم قوتك الجديدة، وأخشى ألا أكون كافيًا لمساندتك حينتحتاجينني فعلاً."قدّرت لوزان صدقه العميق، واحتضنته بحنان. "أنتدومًا كافٍ لي يا هامير، ليس لأنك تفهم كل تفاصيل سحري، بل لأنك تقف بجانبي مهماحدث. هذا أهم بكثير من أي معرفة تقنية."بدآ أيضًا في قضاء وقت أطول مع عائلتيهما بشكل منفصل،محاولين ترميم علاقات أخرى تضررت خلال الحرب. زار هامير قبر تورين برفقة لوزان،ووضع إكليلاً من الزهور احترامًا لرجل ضحى بحياته من أجل من يحب، رغم أنه لم يعرفهشخصيًا قط. تأثرت لوزان بعمق بهذه اللفتة، شاعرة أن هامير يفهم حقًا ثقل الخسارةالتي حملتها معها طوال الأشهر الماضية.في المقابل، بدأت لوزان تتردد على برج الرماد بحذر شديد،بموافقة ضمنية من جرازار الذي كان لا يزال يتعامل معها ببرود محسوب، لكنه لم يعديظهر العداوة الصريحة التي عرفها فيها سابقًا. لاحظت لوزان أن جرازار، رغم كلقسوته الظاهرة، كان يحمل حزنًا عميقًا مكتومًا على فقدان باران، حزنًا لم يسمحلنفسه بإظهاره أمام تلاميذه، لكنه كان واضحًا في عينيه حين لا يظن أحد يراقبه.شعرت لوزان بتعاطف غريب تجاه هذا الرجل الذي كان يومًاعدوًا لدودًا، وتساءلت إن كان بإمكانهما يومًا بناء علاقة أفضل، خاصة بعد كل ماتكشف عن ماضيه المشترك مع أبيها. لم تكن تعلم أن هذا التعاطف بالذات، وهذاالانفتاح الحذر بين العائلتين، سيصبح قريبًا جدًا ثغرة تستغلها قوة أعمق وأخطربكثير مما واجهاه من قبل.في إحدى زياراتها، جلست لوزان مع جرازار في حديقته الخاصةالصغيرة، حيث كان يزرع نباتات نادرة يستخدمها أحيانًا في تحضيراته السحرية. سألتهبجرأة عن سيلينا، عن الحقيقة الكاملة لما حدث بينه وبين والدها، محاولة فهم أعمقلماضٍ شكّل حاضرها بطرق لم تكن تتخيلها يومًا. أجابها جرازار بصراحة نادرة، يرويتفاصيل لم يشاركها حتى مع أبنائه من قبل، عن حبه القديم العميق لسيلينا، وعن يأسهالمرير حين ظن أن رامان سرقها منه، يأس دفعه لسنوات طويلة من الكراهية المتراكمةالتي دمرت في النهاية كل شيء بناه.استمعت لوزان بصمت متعاطف، تدرك أكثر فأكثر أن الحرب التيشهدتها طوال حياتها لم تكن أبدًا صراعًا بين خير مطلق وشر مطلق كما علّموها، بلمأساة إنسانية عميقة بين رجلين فقدا صديقهما الأعز بسبب سوء فهم لم يجرؤا علىمواجهته بصدق لعقود طويلة.سألته أيضًا عن مالينا، اسم سمعته مرة عابرة في همساتقديمة بين خدم القصر، لكن جرازار تجمد فجأة عند سماع هذا الاسم بالذات، وجهه يشحببشكل ملحوظ. "لا تسأليني عن هذا الاسم يا فتاة" قال بصوت متوتر غريب لمتعهده منه من قبل. "بعض الأبواب يجب أن تبقى مغلقة إلى الأبد، للجميع، بمنفيهم أنا." لم تفهم لوزان سبب هذا التوتر المفاجئ، لكنها احترمت رغبته وتركتالموضوع، غير مدركة أنها كانت قد لامست للتو حافة سر أعمق بكثير مما تخيلت.