قلب بين أنياب الذئب - الفصل الحادي عشر
قلب بين أنياب الذئب - الفصل الحادي عشر

قلب بين أنياب الذئب... الفصل الحادي عشربقلم الكاتبة / رباب حسينأحيانًا لا يكون الفراق نهاية الحب... بل أول اختبار حقيقي له.تبتعد الأجساد... لكن القلوب تظل معلقة في المكان الذي شهد أول نبضة، وأول خوف، وأول وعد لم يُكتب بالكلمات.عادت أروى إلى عالمها، تحمل على كتفها أثرًا لا تعرف معناه، وفي قلبها رجل تركته خلف الجبال وهي لا تعرف إن كانت ستراه مرة أخرى.أما ريفان، فبقي في عالمه وحيدًا، يواجه قبيلته وقوانينها، ويحاول أن يقنع نفسه أن تركها كان الطريقة الوحيدة لحمايتها.لكن كيف ينسى القلب من أصبح جزءًا منه؟وفي ليلة يكتمل فيها القمر، قد لا تكون المسافات كافية لفصل رفيقين جمع بينهما عهد لا يعرف البشر عنه شيئًا...فهل كان وصم ريفان لأروى نهاية قصتهما؟رست السفينة بالميناء، كما رسى الحزن في قلب كلٌ منهما، أما القبيلة فكان يحل عليها الصمت. ألم الألفا قد أصاب قلوبهم بالحزن. لذا تجمع أفراد القبيلة وتشاوروا بأمره. أحدهم قال: " أن مستقبل القبيلة الآن في خطر، فإن لم تعد لبشرية التي وصمها الألفا لن يكون هناك وريث."وبسبب الحزن الذي قبع في صدورهم؛ رأوا أن الألفا لابد أن يتخذ رفيقة أخرى تداوي هذا الألم، فبالأخير هو لم يكمل زواجه منها.تناقل الحديث بين أفراد القبيلة وحين سمعه ثورين لم يتحدث، فهو يعلم أن ما يمر به ريفان لا يُحتمل. وربما هو الوحيد الذي يشعر بألمه حقًا، فمن أحببها طُردت خارج القطيع، لم يعد يسمع تخاطرها، لا يعلم إن كانت بخير أم لا، ولا يستطيع أن يخالف أمر ريفان مرة أخرى، فهو سامحه على ما فعل على الرغم من أنه تسبب في خسارته لرفيقته، ولكن شعوره بالألم الذي في صدر ثورين جعله يتغاضى عما فعل، فالحب والقلب ليس لديهما سلطان.أما أروى؛ فلم تتوقف تلك التغيرات عند سمع ريفان وظهور تلك الجوهرة في رقبتها فقط، ففي اليوم التالي حين استيقظت لم تشعر بألم في كتفها، تعجبت من الأمر ونهضت من الفراش وتوجهت نحو المرآة، وحين كشفت عن الجرح الذي تسبب به ريفان؛ لم تجد له أي أثر، فتحت عينيها بصدمة، ثم كشفت عن الجرح القديم الذي برقبتها فوجدته طاب أيضًا ولا يوجد له أثر.شردت بالفراغ، تذكرت أن ثورين قال أن الرفيق يساعد على شفاءهم، ولكن هي ليس لديها رفيق!وحين عادت إلى وطنها هبطت من الطائرة وخرجت من المطار وبراء يتابعها بنظراته، هناك شيء مختلف بها لا يعلم ما هو، استحوذت على تفكيره وأصبح يراقبها بكل مكان داخل السفينة حتى على متن الطائرة، كانت هادئة... هدوء لا يليق بفتاة تعرضت إلى كل هذا المخاطر وعلقت بين الجليد لأيام وحدها، وكل ما حاول أن يسألها ماذا كانت تأكل وكيف كانت تنام وسط هذه الحيوانات المفترسة لا تجيب.وحين أخذت أغراضها وأخذت سيارة أجرة إلى حيها وبدأت تختلط بالبشر شعرت بالغربة، وكأن هذا الوطن لم يعد وطنها، بل هو الآن وطنها الذي هربت منه، وقلبها وعقلها لا يزالان علقان هناك.ليس هذا فقط ما جعلها متخبطة؛ بل حين مرت بجوارها قطة، نظرت إليها مطولًا وفجأة بدأت تسمع القطة وتفهم ما تقول، ارتدت إلى الخلف بخوف وهي تنظر إليها متعجبة، ثم ركضت نحو منزلها ودخلت المنزل سريعًا وأغلقت الباب.كانت تتنفس بصعوبة وعقلها لا يجد تفسيرًا علميًا لما يحدث.مرت أيام وهي في منزلها لم تغادر، أرسلت لها الشركة طلبًا للحضور إلى العمل ولكنها رفضت وطلبت إجازة.كل ليلة... كان هناك شيء يخنق أنفاسها داخل صدرها، لا تعلم ما سببه ولكنها تيقنت أن ما تشعر به بسبب ابتعادها عن ريفان.أما ريفان... فكان يصعد كل ليلة إلى تلك القمة الجبلية، يصدر عواءه الحزين، ينادي عليها ويعلم أنها لن تسمعه، يقف بالساعات يراقب المحيط من بعيد، يتمنى أن يرى سفينة تقترب من القارة. لم يكن يعلم أن نداءه وحزنه يصدع داخل صدرها ألمًا لا تفسير له.وفي ليلة صعد على صفح الجبل وأصدر عواءه من جديد، ثم عاد إلى هيئته البشرية وجلس على صفح الجبل، نظر بجواره نحو الشق الذي ردمه قبيلة إيروك، خوفًا من اقتراب البشر منهما أو شن هجومًا حربيًا عليهم وشعر بالحزن، فإذا إن عادت فلن تستطيع عبور الحدود، لذا كان يراقب المكان جيدًا تحسبًا إذا عادت يجدها هو.اقترب منه ثورين وجلس بجواره لبرهة بصمت ثم قال: مش هتسمعك.ريفان: عارف. بس ماعنديش أي حاجة أعملها غير إني أنادي عليها.ثورين: حزنك وألمك خلانا كلنا في حالة حداد.ريفان: غصب عني. عارف إنك حاسين بيا بس مش قادر أمنع نفسي عن التفكير فيها، كأنها مرض وانتشر جوايا، مش عارف أوصف أنا حاسس بإيه، هو مفيش كلمات توصف اللي أنا فيه.ثورين: قادر أفهمك، بس الأهالي عايزين حل، شايفين أن عودتها مش أكيدة، هي نفدت من الموت هنا بإعجوبة.ريفان: يمكن ترجع، أكيد هتدور عليا، هي بتحبني وهترجع.ثورين: ولو ما رجعتش، هتسيب القبيلة من غير ولي عهد؟ريفان: أيًا كان اللي بتفكر فيه إنساه. أنا عمري ما هلمس واحدة غيرها. وإنت عارف إحنا بنحب ونتجوز واحدة بس.ثورين: بنحب واحدة لكن ممكن نتجوز تاني.ريفان: وإنت ماتجوزتش غير إيلارا ليه؟!ثورين: أنا مش مجبر على ده، لكن إنت مسئولياتك تجبرك تعمل كده.ريفان: بتتكلم زيها.ثورين: عشان ده كلام العقل. يمكن شايف إن إيلارا غلطت بس هي كانت خايفة علينا وعليك.ريفان: أنا عارف إنك بتحبها بس إيلارا عمرها ما فكرت في حد غير نفسها. ثورين: مش عايز اتكلم عليها تاني، كفاية إني مش عارف حتى هي عايشة ولا ﻷ.ريفان: بتعترض على أوامري يا ثورين؟!ثورين: ﻷ يا ألفا ماقدرش. عشان كده بقولك مانتكلمش عليها.تنهد ريفان وقال: إنزل وسيبني لوحدي.أومأ إليه ثورين وهبط الجبل.مرت الأيام، والحال كما هو، كل ليلة عواء ريفان يتردد بين صفوح الجبال، يقطع هذا السكون بصرخات الاشتياق، حتى يوم ذهبت فيه إيلارا إلى العرافة إيفليا، دخلت الكهف ووجدتها تمسك بلوح خشبي وتنظر إليه بصمت، اقتربت منها وقالت: عايزة اطمن على ريفان.إيفليا: مش مسموحلك تيجي هنا.إيلارا: عارفة، بس قلقانة عليه.إيفليا: مش هصدق إنك بتحبيه وخايفة عليه.إيلارا: لأ... مش خايفة عليه عشان بحبه، حاسة بالذنب من اللي هو فيه، ماكنتش أعرف إنه بيحبها للدرجة دي، عمر ما حد في القبيلة كلها وقف ينادي على رفيقته اللي بعدت عنه كل يوم، كنا بنسمع صوتهم الحزين يوم اكتمال القمر بس لكن ريفان كل يوم بينادي عليها، عايزة أساعده.إيفليا: مفيش في إيدينا حاجة نعملها.إيلارا: بس أنا متضايقة، مش مستحملة اسمع صوته كل يوم كده، لو حتى ما قبلش بيا رفيقة هو لسه من عيلتي. ليه حبها هي بالذات بالشكل ده!إيفليا: عشان هي مش أي حد، هي أهم بكتير من كونها بشرية.إيلارا: يعني إيه؟!إيفليا: مش مهم، كل حاجة هتتعرف في وقتها، بس اللي متأكدة منه إنها هترجع.ثم تنهدت إيفليا وقالت: والقلب التاني الحزين، هتعملي معاه إيه؟!إيلارا: ثورين؟إيفليا: اللي عمله عشانك مش قليل، أنا متأكدة إن الألفا مارضيش يحاسبك على الخيانة بس عشانه، مش الألفا بس اللي زعلان، ثورين كمان. ده الوحيد اللي إنتي تقدري تساعديه.شردت قليلًا ولم تتحدث، أما إيفليا فعادت النظر إلى ذلك اللوح الخشبي الذي بيدها ثم نهضت وغادرت الكهف.وصلت عند قصر ريفان، وقفت تحدق بالباب بتردد ولكن عزمت الأمر وطلبت مقابلة ريفان، حين رأته تأكدت أن عليها أن تقول الحقيقة حتى وإن كان عقابه هو قتلها، لذا وقفت أمامه وقالت: فيه حاجات كتير لازم تعرفها يا ألفا.جلس أمامها ريفان وهو يتنهد بثقل وقال: خير.إيفليا: كنت سألتني عن أسطورة الوصم وأنا قولتلك إني ماعرفش إذا كانت حقيقة ولا ﻷ.تبدلت ملامح ريفان واعتدل في جلسته وانتبه إلى ما تقول، فأردفت: الحقيقة إن اﻷسطورة مش حقيقية.لما جدك الألفا وصم بشرية كانت صدمة وخوف بالنسبة للقبائل كلها. كله كان مترقب وخايف من اللي جاي، ما عدا سيد قبيلة فيدار (مولجاد). وقتها لجأ لجدتي الكبيرة وطلب منها تعمل تعويذة تسبب المرض للألفا عشان يبعد عن البشرية، خاف إن القبائل كلها تعمل زيه وتبقى نهاية سلالتنا.وقف ريفان بغضب وقال: وعملت التعويذة؟!شعرت إيفليا بالخوف ولكن تمالكت قوتها، شبكت كفيها معًا وابتلعت ريقها وقالت: للأسف يا ألفا هي وافقت، وده سبب المرض اللي أصابه وكمان....صمتت ولم تكمل حديثها فصاح بها بغضب: إنطقي، كمان إيه؟إيفليا: ولي العهد اللي جيه من نسله هو والبشرية؛ كلنا كنا بنقول إنه من غير رفيق، لكن الحقيقة هو اتأثر بالتعويذة.ريفان بصدمة: يعني إيه! يعني فيه طفل من القبيلة بتاعتي برا حدودي! وكل ده بسبب جدتك؟إيفليا: السر كان موجود في الكهف، أمي لقيته وأنا عرفته، بس خفت أقول اللي حصل.ريفان: وإيه اللي خلاكي تيجي تتكلمي دلوقتي؟!إيفليا: ﻷن من وقت ما شفت رفيقتك البشرية وأنا عرفت إن السر خلاص هيتكشف. وجيت اطمنك يا ألفا إنها هترجع، مش عشان حبك وإنها بقت رفيقتك خلاص بعد ما وصمتها... لأ، عشان هي أكيد من نسل الطفل ده. ولما ترجع هتتأكد وتعرف كل حاجة.أرجوك يا ألفا، أنا ماليش ذنب باللي عملوه زمان، هما خافوا يتكلموا لكن أنا ورثت السر وبس، وجيت النهاردة أقوله عشان الحزن اللي سكن جوانا كلنا بقى أصعب من إنه يُحتمل.اقترب منها ريفان بغضب وهو ينظر إليها بنظرات كادت أن تحرقها ثم قال: لو أورا مارجعتش هرميكي برا لأهالي القبيلة ينهشوا لحمك، عشان سيبتي واحدة مننا تهرب وتجري برا الحدود وتعيش في عالم مش عالمها ولا دنيتها. ولو أورا جرالها حاجة أنا اللي هموتك بإيدي.كانت تعلم أنها ستتحمل اللوم، ولكنها قررت أن تبوح بالسر كي تهون ألمه. لذا طأطأت رأسها أمامه بخجل ولم تتحدث.أما أروى، فكانت تجلس بمنزلها شاردة، لا تعلم سر التغيرات الجسمانية التي تمر بها، وما زاد من حيرتها هي أنها بدأت تشعر بإرتفاع درجة حرارة جسدها، فبالرغم من أن الشتاء يخيم على شوارع المدينة بأمطاره وصقيعه، إلا أنها تشعر بالحر. وفي يوم، طُرق الباب وحين فتحت وجدت أمامها برا، نظرت اليه بتعجب وقالت: براء باشا! إيه الزيارة العجيبة دي؟براء: الصراحة قلقت عليكي، وقلت أجي اطمن، أشوف يعني عديتي من مرحلة الصدمة اللي كنت فيها ولا لسه. أروى: أنا كويسة الحمد لله، اتفضل أدخل. دخل براء. وبعد وقت كانت تضع أمامه مشروبًا باردًا، فنظر اليها بتعجب وقال: الجو برد قوي على المشروب ده. ابتسمت أروى وقالت: الصراحة أنا حرانة، بس ممكن أعملك حاجة سخنة لو حابب. نظر براء إلى ثيابها الرقيقة وقال: لا هشربه عادي، بس هو أنا مستغرب بصراحة، في حاجات كثير مش فاهمها، وكنت كل أما أسالك على السفينة كنتي بتتهربي مني، فقلت أجي النهاردة يمكن الصدمة تكون قلت شوية وتجاوبيني على شوية أسئلة من اللي عمالة تدور في دماغي دي. توترت اروى وقالت: تاني! مش عارفة ليه حضرتك مهتم أوي بالموضوع! براء: عشان النظرة اللي شفتها في عينيكي وأنا بشدك من قدام الديب ده؛ ما كانتش نظرة واحدة خايفة، كانت نظرة واحدة حزينة إن هي ماشية، كأنها بتودع عيلتها. أروى: يمكن حسيت كده لأن أنا بحب الحيوانات أوي، وكنت خايفة بصراحة إن حد فيكوا يضربهم أو يقتلهم، وهم مالهمش ذنب في إن هما حيوانات مفترسة، مش معنى إنهم حيوانات إن إحنا يحقلنا نقتلهم. براء: أنا كمان شايف كده، ويمكن حاولت بس أقتله عشان شوفته بيموتك، يعني كنت بنقذك. أروى: أنا مقدرة ده، بس يمكن ده اللي خلاك تحس إني زعلانة إني سايباهم وماشية. براء: ممكن، أنا رحتلك الشركة على فكرة وعرفت إنك ما نزلتيش الشغل لحد دلوقتي. وبعدين طلبت عنوانك من هناك عشان قلقت عليكي.أروى: أنا بخير، وهروح قريب الشركة، ممكن بكرة أو بعده. براء: وناويه تروحي القارة تاني ولا خلاص؟ أروى: ممكن أروح تاني لو الشغل حكم. ضحك براء وقال: طب ابقي بلغيني بقى لو حبيتي تتوهي تاني عشان أعمل حسابي. ضحكت أروى وقالت: لا ما تقلقش هبلغك. تحمحم براء بتوتر وقال: أنا كنت عايز أسألك؛ لو ينفع يعني نروح نتعشى سوا في يوم، أو نخرج سوا يعني لو ما عندكيش مانع؟تيقنت أروى أن ما تشعر به تجاه براء حقيقي؛ هو معجب بها، لذا قررت أن تنهي الموضوع قبل أن يبدأ، فهي لا ترى ولا ترغب سوى بريفان، لذا قالت: أنا أسفة يا براء، أنا مش بفكر في المواضيع دي. هم براء بالنهوض وقال: وقت ما تحبي نخرج سوا ده الكارت بتاعي. أستأذن أنا. غادر المنزل وتركها تنظر الى أثره وهي لا تفكر سوى بريفان. عادت تنظر من النافذة. كانت الشمس تغيب عن السماء، وحل الليل بهدوءه، ولكن هذا الهدوء لم تنعم به أروى، فهي ليله إكتمال القمر. عاد ريفان كعادته ينادي عليها من فوق صفح الجبل، عوائه كان أقوى.. أحزن، فالآن يعلم أنها له، أنها ليست بشرية بل هي حبيبته. وللمرة الثانية تسمع أروى صوت نداءه وإعترافه بحبها داخل عقلها. هذه المرة كانت قاسية لأنه لم يكن يتألم وحده، ولكن كانت هي تتألم من الحزن على فراقه، ولا تنكر أنها اشتاقت اليه بشدة. بكت ولم تجد اليد التي تزيل عنها دموعها كما كان يفعل هو.وبعد وقت قررت أن تعود الى العمل غدًا، وتحاول أن تجد طريقة لتذهب الى القارة مرة أخرى.لا تعلم أن طريق العودة لن يكون هين.يتبع...رباب حسين