نوفيلا قلب بين أنياب الذئب (الفصل الأول)
نوفيلا قلب بين أنياب الذئب (الفصل الأول)

قلب بين أنياب الذئب... الفصل الأولبقلم الكاتبة / رباب حسينهناك... خلف جدار القارة المتجمدة حيث يظن الجميع أنه لا وجود للحياة. فمن ذا الذي يستطيع تحمّل درجات الحرارة القاسية؟لكن ما لا يعلمه أحد أن هناك حياة تنبض في الخفاء... حياة لفصائل مختلفة عن البشر تسكن الشقوق والكهوف وتعيش في قبائل وحشية تشبه البشر في هيئتها بينما تسكن أعماق أرواحها وحوش تُدعى الرفيق.الرفيق ليس مجرد وحش... بل روح تشبه الحيوانات لكنها أكثر وفاءً. يرتبط بصاحبه عبر القلب والروح ويرى حقيقة من يقف أمامه دون أن تخدعه الأقنعة.أجساد قوية... عيون ثاقبة... وشراسة لا تعرف الرحمة.قوانينهم صارمة فلا مكان للتسامح ولا فرصة ثانية لمن يخطئ. طاعة الملك واجبة فهو ألفا القطيع وكلمته قانون لا يُكسر.يرون أنفسهم الجنس الأقوى لذلك يحتقرون البشر ويعدّونهم أضعف المخلوقات وأحقرها.فماذا سيحدث إذا عبر أحد البشر حدود عالمهم؟بعيدًا عن القارة المتجمدة أنتاركتيكا حيث يعيش البشر حياتهم المعتادة بسلام أطباء.. مهندسون.. عمّال.. وأخيرًا علماء. وبين هؤلاء العلماء وُجد من لم يستطع تجاهل ذلك الغموض الكامن خلف الجليد.كانت المؤشرات العلمية تطلق إنذارات متكررة توحي بوجود حياة ما وسط ذلك الصقيع القاتل الأمر الذي أثار اهتمام بعض الشركات البحثية التي بدأت تدرس الوضع بعناية شديدة.أُرسل أحد المستكشفين في مهمة أولية لعبور الجليد حيث قام بتثبيت أجهزة ومجسّات قادرة على استشعار الحركة ودرجات الحرارة لتبدأ بعدها عملية دراسة شاملة للقارة بأكملها.ومع مرور الوقت أخذ المستكشفون يوزعون المجسات تدريجيًا في أنحاء القارة حتى وصلوا إلى منطقة من المرتفعات الجليدية الشاهقة. هناك لاحظوا أمرًا غريبًا فقد تعطلت بعض المجسات بشكل مفاجئ وكأن شيئًا ما كان يعبث بها.أثار ذلك اهتمام الشركة المسؤولة فقررت إرسال فريق جديد يضم مستكشفين وعلماء أحياء لدراسة سبب تعطل تلك المجسات في تلك المنطقة تحديدًا. وما زاد من شكوكهم أن المرتفعات كانت شاهقة الارتفاع إلى درجة تجعل اختراقها شبه مستحيل.وهكذا بدأ الفريق يستعد لرحلته عبر القارة البيضاء.تكوّن الفريق من أربعة أشخاص: مراد، عادل، ماجد، وأروى. استقلوا سفينة مجهزة بطائرات استكشافية وانطلقوا عبر المحيط المتجمد حتى وصلوا إلى مشارف قارة أنتاركتيكا... دون أن يدرك أيٌّ منهم أن تلك الرحلة لن تكون مجرد مهمة علمية بل بداية لعبور حدود عالم لم يكن من المفترض أن يكتشفه البشر.مراد: وصلنا خلاص ولازم ننزل نستكشف بنفسنا.ماجد: جهزوا العدة وكل واحد يراجع حاجته كلها قبل ما ننزل من السفينة. دكتورة أروى حضرتك اللي مسئولة تتعاملي مع أي كائن حي جوا المكان وإحنا كلنا هنفذ تعليماتك في التعامل معاهم والباقي علينا إحنا.أروى: أهم حاجة ممنوع استخدام السلاح إلا للضرورة القصوى. فيه فصائل ممكن تبقى موجودة هنا محدش يعرف عنها حاجة.ماجد: تمام يا دكتورة. يلا يا رجالة كله يجهز.استعدوا لمغادرة السفينة تاركين ربانها وطاقمه على متنها ثم بدأوا يشقون طريقهم بحذر وسط الامتداد الأبيض الذي لا نهاية له. كانت درجات الحرارة منخفضة إلى حدٍ قاسٍ لكنهم ارتدوا ملابس عازلة وفرت لأجسادهم الهشة قدرًا من الدفء في مواجهة ذلك الصقيع القاتل.كانت الطبيعة آسرة ومختلفة عن أي مكان عرفوه من قبل تخطف الأبصار وتغمر القلوب بشعور غريب وكأنهم عبروا إلى عالم آخر لم تطأه أقدام البشر.كان ماجد يتابع جهاز التتبع باهتمام محاولًا الوصول إلى المنطقة التي تعطلت فيها المجسات بينما لم تكن أروى تهتم إلا بالحياة البرية التي تأقلمت مع ذلك المناخ القاسي. كانت تلتقط الصور من مسافة آمنة وتسير بحذر حتى لا تزعج تلك المخلوقات أو تثير فزعها.وبينما كانت عيناها تتجولان بانبهار بين جمال الطبيعة وروعة الكائنات التي تعيش فيها قطع صوت عادل شرودها وهو يقول: الجبال أهي! شايفين عالية أد إيه؟نظروا لها جميعًا وعقدت أروى حاجبيها وقالت: كأنه سور بيقسم القارة نصين.مراد بتعجب: حقيقي! أول مرة أشوف جبل جليد بالحجم ده.ماجد: بس فين المجسّات؟عادل: المفروض إنها قريبة من هناك. لازم نوصل ونشوف عن قرب.أروى: خليكوا حذرين جدًا.أومأ لها ماجد ثم بدأ الجميع بالسير نحو الجبل بينما ظلت أروى تلتقط بعض الصور. وفجأة لمحت بعدسة الكاميرا آثار أقدام ضخمة محفورة في الثلج.اقتربت منها بحذر بينما واصل بقية أفراد الفريق السير دون أن ينتبهوا إليها. انحنت قليلًا تتفحص الأثر وتحاول تحديد نوع الحيوان الذي تركه لكنها استشعرت فجأة وجود شيءٍ يقف خلفها يحجب عنها ضوء النهار.تجمدت في مكانها ثم وقفت ببطء واستدارت بحذر... لتجد أمامها دبًا قطبيًا هائل الحجم.اتسعت عيناها في ذهول وكادت تجزم بأنها لم ترَ في حياتها دبًا بهذا الضخامة.ابتلعت ريقها بتوتر وبدأت تتراجع بخطوات بطيئة بينما كان يراقبها بعينيه الثاقبتين.في تلك الأثناء انتبه ماجد إلى غيابها فالتفت يبحث عنها وما إن رآها تقف في مواجهة الدب حتى صاح بفزع: دكتورة أروى!التفت الدب نحو مصدر الصوت فرأى الرجال وقد رفعوا أسلحتهم في استعدادية كاملة فتحولت نظراته إلى غضبٍ عارم.صرخت أروى بسرعة: محدش يضرب!تبادل الرجال النظرات مع ذلك الوحش العملاق بينما أخذ غضبه يزداد ناشرًا الرعب في قلوبهم. أما أروى فواصلت التراجع بثبات والدب يراقبها ويراقب تحركات الرجال في آنٍ واحد.وفجأة انتصب الدب على قدميه الخلفيتين فكشف عن جسده الهائل بصورة أكثر رعبًا فلم يتمالك مراد أعصابه وضغط على زناد سلاحه.انطلقت الرصاصة... وزأر الدب بغضبٍ هز المكان ثم اندفع نحوهم بسرعة مرعبة.اشتعلت المواجهة بينما كانت أروى تصرخ بكل ما أوتيت من قوة: لا... ماتقتلوش!لكن لم يستطع أيٌ منهم الصمود أمام قوته الهائلة. كان يفتك بهم واحدًا تلو الآخر حتى تجمدت أروى في مكانها تراقب المشهد بعينين مرتعبتين.تسارعت أنفاسها واضطربت ضربات قلبها وأخذت تبحث بعينيها عن أي مكان تختبئ فيه فلم تجد سوى شق ضيق داخل الجبل الجليدي.وحين رأت الدب يجهز على مراد ثم ماجد ثم عادل أدركت أنها التالية.التفت الوحش نحوها... فانطلقت تركض بكل ما تملك من قوة حتى وصلت إلى الشق وانزلقت إلى داخله.أخذ الدب يلاحقه وما إن رآها تختبئ حتى مد مخالبه الضخمة وراح يضرب مدخل الشق بعنف بينما كانت تزحف إلى الداخل دون أن تلتفت.ومع كل زئير يهز المكان وكل ضربة تتسبب في تشقق الجليد كانت ترتجف رعبًا لا تدري إلى أين تمضي ولا إن كان الجبل سينهار فوقها قبل أن يصل إليها الدب.واصلت الزحف حتى انتهى بها المطاف إلى كهف أكثر اتساعًا. كان محاطًا بالجليد من كل جانب لكنه وفر لها مأوى آمنًا ولم يعد الدب قادرًا على الوصول إليها.وبعد دقائق بدأ زئيره يخفت تدريجيًا حتى عمّ الصمت المكان.ترددت في العودة من حيث جاءت لكن الخوف كان أقوى من فضولها. أخذت تتلفت حولها حتى لمح بصرها خيطًا من الضوء يتسلل عبر شق آخر في نهاية الكهف. تعلقت به كأنه طوق نجاة.قررت أن تسلك ذلك الطريق على أمل أن تجد مكانًا تتمكن فيه من إرسال رسالة استغاثة عبر جهازها اللاسلكي. وبالفعل خرجت من الشق...لكنها توقفت فجأة وقد تجمدت قدماها في مكانهما.هناك...كان بشر يتحركون أمامها. أطفال... ونساء... ورجال لكن هيئاتهم لم تكن طبيعية.كانت أجسادهم أكثر ضخامة وملامحهم أكثر حدة وكأن القوة جزء من تكوينهم. والأغرب من ذلك كله... أن ضوء الشمس كان يغمر المكان رغم أنه لم يكن ضوءًا طبيعيًا بل نورًا مجهول المصدر يبعث الدفء في تلك الأرض المستحيلة.التفتت خلفها فرأت الجبل الجليدي الذي خرجت منه. حينها اتسعت عيناها بصدمة وهمست: لقد... عبرت الجبل وصرت في الجهة الأخرى.بدأ سكان المنطقة ينتبهون إلى وجودها.اقترب منها أحد الرجال يحدق في وجهها ثم في عينيها وكأنه يبحث عن شيءٍ خفي بداخلها.راجعت خطوة إلى الخلف بتوجس وهي لا تعلم إن كان يفهم لغتها أصلًا ولم تمهلها الأحداث فرصة لتجرب.فجأة صاح الرجل بأعلى صوته: بشرية...! فيه بشرية هنا!توقفت الحركة في المكان كله واستدار الجميع نحوها... وقد ارتسمت الدهشة والحذر على وجوههم.بدأ الجميع يلتفتون نحوها بينما كانت ترمقهم بنظرات يملؤها الخوف والارتباك. كانت هيئاتهم بشرية لكن حركاتهم وغرائزهم تشبه الحيوانات المفترسة وكأنها تقف وسط قطيع يترقب فريسته.بدأ جسدها ينكمش لا إراديًا وسيطر عليها الذعر حتى اختفى صوتها تمامًا فلم تعد قادرة حتى على الصراخ.وفجأة دوّى في المكان صوت رجل أجش يحمل هيبة الآمر: ابعدوا.توقف الجميع في أماكنهم ثم أفسحوا له الطريق في صمتٍ تام.تقدّم بخطوات ثابتة حتى وقف أمامها... فتعلقت نظراتها به وقد شعرت لأول مرة أن الرجل الواقف أمامها ليس كغيره.كان حضوره وحده كافيًا ليفرض الصمت على الجميع. وما إن ظهر أمامها حتى تعلقت عيناها به. كان يبدو الأقوى... والأشرس بينهم جميعًا.تقدم نحوها بخطوات ثابتة بينما ظلت تحدق في عينيه دون أن تستطيع إبعادهما عنه. كانت نظراته ثاقبة... حادة. كفيلة بزرع الرعب في قلب أي شخص يقف أمامه.ليس بشريًا... هذا ما أيقنته رغم هيئته التي لا تختلف كثيرًا عن هيئة البشر.أما هو... فما إن اقترب منها واستنشق رائحتها حتى اضطرب الرفيق الكامن في أعماقه وكأنه استيقظ من سباتٍ طويل. شعر بحركته فجأة.ارتفعت حرارة جسده وتبدلت ملامحه في لحظة بينما دوى داخل أذنيه عواء ذئبه بقوة حتى بدا وكأنه يستعد لخوض معركة حقيقية.توقف في مكانه وأغمض عينيه بقوة ثم تراجع خطوة إلى الخلف محاولًا السيطرة عليه.لقد عرف هذا الشعور لكنه لم يختبره قط. كان الرفيق يعلن اختياره. لقد شعر بوجود الرفيقة التي طال انتظارها... رفيقة ألفا قبيلة فارغار.لكن عقله رفض الأمر رفضًا قاطعًا... إنها بشرية.وكيف لألفا قبيلة فارغار أن يتخذ بشرية رفيقة له؟ كان ذلك في نظر قوانين القبيلة تدنيسًا لدمائهم النقية وإهانة لإرث أجدادهم وربما نهاية لجنسهم الرفيع لهذا قاوم بكل ما يملك محاولًا إسكات ذلك العواء الذي كان يتردد في أعماق صدره ويزداد شراسة كلما اقترب منها.كل ذلك حدث تحت أنظار إيلارا. لم يغب عنها اضطراب ملامح الألفا ريفان ولا ارتباكه غير المعتاد. وفي اللحظة نفسها اشتعلت الغيرة داخل قلبها. فمنذ سنوات وهي تحلم بأن تصبح رفيقة الألفا وقائدة قبيلة فارغار لكن ريفان كان يرفضها دائمًا. لم يكن رفضًا شخصيًا... بل لأن الرفيق لم يخترها بل لم يختر أي أنثى من القبيلة حتى ذلك اليوم.وبعد صراع مرير تمكن ريفان من كبح جماح ذئبه مؤقتًا فتح عينيه ببطء ثم اقترب منها مجددًا بخطوات مترددة. والمثير للغرابة... أنه كلما اقترب منها ازدادت حرارة جسده وتسارع نبض قلبه واشتد اضطراب رفيقه. وكلما أطال النظر إليها... ازداد ارتباكه.حينها لاحظ ثورن ما يمر به صديقه فتقدم خطوة إلى الأمام وقال: في حاجة يا ألفا؟ ليه متردد كده! لازم تتقتل قبل ما تخرج من هنا وتبلغ عن وجودنا.نظر إليه ريفان وحدق في وجهه للحظات. كان يعلم أن تلك هي قوانين القبيلة وأن تنفيذها واجب لا يقبل النقاش. ثم أعاد نظره إلى أروى.كانت تنظر إليه برجاء والدموع تتجمع في عينيها قبل أن تقول بصوتٍ مرتجف: أنا مش هقول لحد... مش هفضح سركم ومش هخلي حد ييجي هنا أبدًا ولا يحاول يتجسس عليكم. بس ماتقتلنيش أنا ماعملتش حاجة.لم تصل كلماتها إلى أذنيه فحسب بل اخترقت قلبه. وفجأة تعالت عواءات الذئب داخله بعنف حتى فقد سيطرته للحظة فصرخ بحدة: اسكتي!دوّى صوته في الأرجاء وارتد صداه بين الجبال الجليدية الشاهقة التي تحيط بالمكان.ساد الصمت وتجمدت أروى في مكانها. تحولت نظراتها إلى حزنٍ عميق واستولى اليأس على قلبها بعدما أيقنت أن حياتها أوشكت على الانتهاء. تقدم ريفان نحوها حتى لم يعد يفصل بينهما سوى سنتيمترات قليلة. التقت عيناهما وكان يحاول أن يجد إجابة لسؤال واحد يفتك بعقله: لماذا هي؟ لماذا اختارها رفيقه؟ كيف لرفيق الألفا أن يختار بشرية! ذلك أمر لم يحدث من قبل.أما أروى فقد ارتجف جسدها تحت وطأة حضوره الطاغي. رفعت بصرها إلى قامته الشاهقة التي حجبت عنها كل ما خلفه وشعرت بقلبها يهبط إلى قدميها وهي تنتظر حكمه.وأخيرًا نطق بصوتٍ حاسم: احبسوها.ساد الذهول بين أفراد القبيلة وتعالت الهمسات من كل جانب. أما إيلارا فاندفعت نحوه وهي تقول باعتراض: لا... القانون واضح. أي بشري يقتحم الجدار لازم يموت.التفت إليها ريفان ورمقها بنظرةٍ قاسية بثت الرعب في قلبها فتجمدت الكلمات على شفتيها ثم قال من بين أسنانه بنبرة لا تحتمل النقاش: قراري يُنفذ.بعدها التفت إلى حراس الجدار وأمرهم بحزم: احبسوها... ووفروا لها الدفء والطعام.ساد الصمت مرة أخرى... فقد أدرك الجميع أن الألفا خالف أحد أقدم قوانين القبيلة لأول مرة في تاريخ فارغار وهذا ما أثار ريبتهم.غادر ريفان متجهًا إلى قصره المقام على أحد التلال داخل القبيلة معتليًا أرضها. هرب منها بخطوات سريعة بالأحرى يهرب من نفسه محاولًا استعادة زمام أموره والسيطرة على ذلك الاضطراب الذي اجتاحه. ولم يتردد ثورن في اللحاق به على الفور.في المقابل أمسك الحراس بأروى من ذراعها فشعرت بالألم من شدة قبضتهم القوية لكنها لم تُبدِ أي مقاومة. كانت الأسئلة تتزاحم داخل عقلها بلا توقف. إنهم ليسوا بشرًا.. إذًا من يكونون؟ وكيف عاشوا كل تلك السنوات بعيدًا عن أعين العالم؟ وما طبيعتهم الحقيقية؟كان فضولها العلمي يفوق خوفها أحيانًا لكن أكثر ما حيّرها هو تصرف ذلك القائد.لماذا لم يأمر بقتلها؟ أليس هذا ما طالب به الجميع؟وصل الحراس بها إلى أحد الكهوف حيث أُغلقت عليها كنوع من الاعتقال. وبعد قليل دخل أحد الرجال ووضع أمامها بعض الطعام وقربةً من الماء ومعطفًا مصنوعًا من فراء الحيوانات ليقيها قسوة البرد في ذلك المناخ المتجمد ثم أخذ حقيبتها وغادر دون أن ينطق بكلمة واحدة.وصل الحارس إلى قصر الألفا ريفان وما إن دخل حتى وجده يقف موليًا ظهره لثورن وكأنه يحاول إخفاء ما يحدث بداخله. أشار له ثورن أن يضع الحقيبة ويغادر فامتثل الحارس للأمر وانسحب في صمت.ظل ثورن يراقب ريفان بصمت فقد بدت عليه حالة لم يعهدها فيه من قبل. فمنذ اللحظة التي وقعت عيناه فيها على تلك البشرية وهو يعيش اضطرابًا لم يسبق أن رآه عليه وكأن شيئًا في داخله قد استيقظ وخرج عن سيطرته. تحمحم قليلًا ففتح ريفان عينيه وقال: ألفا... إنت كويس؟تنهد ريفان وقال: لأ... فيه حاجة مش مفهومة بتحصل جوايا.ثورن: حاجة إيه؟!ريفان: حاسس إن البشرية دي هي رفيقتي.فتح ثورن عينيه بصدمة وقال: لأ طبعًا مش حقيقي. ازاي تفكر كده.التفت إليه وقال بحدة: مش أنا اللي بفكر. إنت عارف إن هو اللي بيختار.ثورن: وهو ساب بنات القرية كلها واختار دي! ماينفعش يا ألفا. إنت كده هتشن الحروب علينا من القبائل التانية وممكن نخسر أرضنا لو عرفوا إنك سمحت لبشرية تتخطى حدودنا. ده غير إنك لو وصمتها وبقت زوجة ليك استحالة تاخد زوجة غيرها وممكن تخسر رفيقك وتبقى بشري زيها لو اتجوزتها. عايز تخسر ورث عيلتك وعرشك عشان بشرية؟ريفان: عارف كل اللي إنت بتقوله. لكن هو خلاص اختارها هي ولو كنت قتلتها كان استحالة هتجوز ولا ولي عهدي يتولد.ثورن: في كل الحالات استحالة تجيب ولي عهد قبيلة فارغار من بشرية.ريفان: طيب أعمل إيه؟ أنا مش فاهم ده حصل ازاي ولا عارف أخرج منه ازاي. أنا هربت من قدامها بس مش هقدر أهرب طول الوقت. ده غير إن جوايا فضول ناحيتها ومتحكم في نفسي بصعوبة عشان ماروحش وأوصمها دلوقتي. الوضع صعب وإنت أكيد فاهم ده.تنهد ثورن. هو يعرف أن لا سبيل في التحكم بالرفيق خاصة عند اختيار الزوجة، لذا قال: أبعد عنها خالص وماتحاولش تروح تشوفها. ولحد ما رفيقك يهدى هتفضل هنا في الخفاء ولو شعورك أختفى من ناحيتها نقتلها زيها زي أي بشري اتخطى حدودنا.تنهد ريفان وكاد يذهب إلى غرفته ولكن توقف عندما رأى حقيبتها عند الباب فالتفت إلى ثورن وقال: إيه دي؟ثورن: شنطتها. الحارس جابها هنا من شوية. ماشفتهاش وهي شايلاها؟!ريفان: ماشفتش غير عينيها. حلوة أوي.ثورن: ده إحنا داخلين على نهاية عالم.ريفان: بس اسكت. هات الشنطة نشوف فيها إيه.وضعها ثورن على الطاولة أمامه ثم فتحها. وجد عدة أجهزة فنظر له ثورن بذعر وقال: دي شبه الأجهزة اللي لقيناها عند مدخل الكهف! تفتكر البشر كده عرفوا مكانها ومكانا؟!نظر له ريفان بصدمة وتوجه نحو الكهف الذي تمكث به على الفور وهو يحمل حقيبتها بيده. صاح ثورن من خلفه: لا ماتروحش تشوفها.ريفان بغضب: لو ده حصل هقتلها بإيدي.لحق به ثورن على الفور وحين دخل ريفان الكهف ووقع نظره عليها مرة أخرى. تكرر ما حدث منذ قليل فتلاشى غضبه وهدأ قلبه حين رآها. أما هي فرمقته بنظرة حائرة وارتدت إلى الخلف بخطوات مترنحة. لاحظ ريفان خوفها فرفع يده أمامها وقال بهدوء: ماتخافيش. جاوبيني وأنا مش هعملك حاجة.نظر ثورن بصدمة وقال: بجد!رمقه ريفان بنظرة تحذيرية ثم عاد النظر إليها وقذف الحقيبة أمامها أرضًا وقال: الأجهزة دي هتخلي البشر يعرفوا طريقنا؟أروى بتوتر: مش مفعلة. يعني مش شغالة لسه.ثورن: يعني لو شغلتيها.أروى: هيعرفو مكانكم بسهولة. عشان كده ماعترضتش لما الحارس خدها مني. أنا وعدتكم محدش هيعرف مكانكم وسركم هيفضل في قلبي لحد ما أموت.ريفان: للأسف البشر مالهمش أمان. مفيش حد هنا بيثق فيكم بعد ما حاول بشري يعمل خلل في القبيلة هنا والقانون بقى صارم. البشر لا عهد لهم.أروى: أنا أد كلمتي. لو خرجت مش هقول عنكم حاجة.ثورن: للأسف عشان نعرف إنك صادقة لازم نسيبك تخرجي من هنا وده مش هيحصل أبدًا.أروى بخوف: يعني هتقتلني خلاص؟كيف لي أن أقتل رفيقة دربي التي انتظرتها سنوات؟كان عالقًا بين أنياب القانون وعواء الذئب الكامن في أعماق. ألمٌ يفوق الاحتمال يمزق روحه وهو يحارب ذاته بكل ما أوتي من قوة حتى لا يتخذ قرارًا قد يدمر شعبه بأكمله أو يفقد عرشه من أجلها.فخسارة ألفا القبيلة لا تعني سقوطه وحده... بل تعني ترك قبيلة فارغار بأكملها فريسة سهلة للقبائل الأخرى.لقد وضعه القدر أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يقتل رفيقته بيديه أو يخون القوانين التي أقسم على حمايتها.إذًا... لقد وقعت في قصة حب محرمة. ولن يكون ثمن هذا الحب مقتصرًا علينا وحدنا بل ستدفع القبيلة بأكملها ثمن ذلك العشق.يتبع....رباب حسين