نوفيلا قلب بين أنياب الذئب - الفصل الثالث
نوفيلا قلب بين أنياب الذئب - الفصل الثالث

قلب بين أنياب الذئب... الفصل الثالثبقلم الكاتبة/ رباب حسينيقولون إن البرد يقتل المشاعر... لكنهم لم يعرفوا يومًا أن أشد النيران اشتعالًا تولد وسط الجليد.فحين يختار القلب ما يرفضه العقل ويأمر القدر بما تحرّمه القوانين؛ يصبح الحب أخطر من الحرب نفسها.أما هي فلم تكن تعلم أن الدفء قد يتحول إلى لعنة.فكل ما أرادته في تلك الليلة كان أن تتوقف عن الارتجاف... لكنها لم تكن تعرف أن الشخص الذي سيمنحنها دفء الحياة هو نفسه من سيصبح سببًا في حرب قد تلتهم عالمين كاملين.كانت ليلةً هادئة بالنسبة إلى ريفان... أما بالنسبة إلى إيلارا فكانت بداية حربٍ قررت أن تخوضها وحدها بينما خصمها لم يكن يعلم بوجودها من الأساس.في تلك الأثناء كانت أروى تنعم بدفءٍ حُرمت منه لأيام. غلبها الإرهاق فاستسلمت للنوم دون أن تشعر بما يدور حولها وكأن جسدها يعوض ما سلبه منه البرد والخوف. ولم تكن تعلم أنها تغفو بين أحضان ذلك الوحش الذي خشيت بطشه منذ أن وقعت عيناها عليه.أما ريفان فكان يعيش عالمًا آخر. هدأ قلبه الثائر وسكن الرفيق المتمرد أخيرًا بعدما وجد قربها. لم يبقَ يؤرقه سوى رغبةٍ واحدة... أن يوصمها ويجعلها رفيقته أمام الجميع. لكنه قاوم تلك الرغبة بكل ما يملك مدركًا أن امتلاكها بالقوة لن يمنحه قلبها وأن عليه أولًا أن يكسب ثقتها قبل أن يفكر في كسب حبها.وفي الجهة الأخرى كان ثورين يجلس داخل غرفته يطارده القلق من كل اتجاه. لم يكن يفكر إلا في الاجتماع الذي سيُعقد مع شروق الشمس والاجتماع الذي قد يغيّر مصير القبيلة بأكملها.حلَّ يومٌ جديد. استيقظ أفراد القبيلة مبكرًا استعدادًا لاستقبال رؤساء القبائل الأخرى. وقف ثورين عند بوابة القصر يشرف على استقبالهم ويوجههم إلى القاعة الرئيسية حيث سيُعقد الاجتماع بحضور ريفان... ألفا القبيلة وصاحب الكلمة التي لا تُرد والذي يلتزم الجميع بتنفيذ قراراته.أما ريفان... فلم يكن يعلم أن الاجتماع قد بدأ يقترب. كان لا يزال مستغرقًا في نومه إلى جوار أروى بعد أول ليلة هدأ فيها الرفيق واستسلم قلبه للسكينة.وبينما بدأت أروى تتململ بين ذراعيه فتح عينيه ببطء وأخذ يتأمل وجهها الذي استعادت ملامحه لون الحياة بعد أن كادت البرودة تسرقها منه.ظل ينتظر اللحظة التي ستفتح فيها عينيها... تلك العينان اللتان أسرتاه منذ اللقاء الأول.لكن ما إن رفرفت أهدابها واستعادت وعيها حتى التقت نظراتها بعينيه ثم أدركت أنها محاصرة بين ذراعيه.اتسعت عيناها بصدمة وأطلقت صرخةً مدوية ارتج لها المكان.انتفض ريفان من الفراش في اللحظة نفسها وقال: إهدي، أنا ماعملتش حاجة.نظرت أروى حولها بذعر وهي ترفع الغطاء لتغطي جسدها وقالت: أنا فين؟! دي أوضتك! إيه اللي جابني في أوضتك.ريفان: كنتي هتموتي من البرد. جيبتك هنا ولما لقيت حرارتك مش بتزيد خدتك في حضني عشان تدفي.أروى بصدمة: في حضنك؟! ده لو أهلي في الصعيد عرفوا هيموتوني.ريفان بتعجب: يعني إيه؟! إيه المشكلة لو عرفوا؟ أنا موصمتكيش.عقدت حاجبيها وقالت: ما أيه! بص أنا مش فاهمة منك حاجة. إبعد عني أنا لازم أمشي من هنا.كادت تغادر الفراش ولكن توقفت عندما سمعت صوت طرقات متلاحقة على الباب فنظرت إلى ريفان بخوف وقالت: مين بيخبط كده؟! هيقتلوني؟ريفان: محدش يقدر يلمسك طالما أنا مأمرتش بده.ثم توجه نحو الباب فدخل ثورين على الفور وهو ينظر إلى ريفان بخوف ثم نظر إلى أروى وقال: عملت إيه؟!ريفان بضيق: ماعملتش حاجة.ثورين: طيب هي بتصوت ليه كده؟ رؤساء القبائل تحت وسمعوا صوتها.ريفان بتعجب: هما وصلوا! ليه هي الشمس أشرقت إمتى؟!ثورين بتهكم: شروق! ده الشمس قربت تنتصف في السما يا ألفا. يلا إستعد للإجتماع. كلهم منتظرينك وبيسألوا عليك.ريفان: طيب هغير وأنزل.أروى: ده اللي هو هتغير فين معلش؟!ريفان: هنا.تحركت أروى وقالت: طيب أستأذن أنا بقى.أمسكها ريفان من ذراعها فكادت تصرخ مرة أخرى من قبضته فجذبها إليه ووضع يده على فمها كي تصمت. ارتطمت بصدره ونظرت إلى عينيه وحين بادلها النظرات لم يتحدث. بل شرد يتأمل عينيها بصمت. تحمحم ثورين وهمس بأذنه: فين إجتماع تحت.تنهد ريفان وقال: لو حد سمع صوتك وعرف إنك هنا هيقتلوكي بنفسهم.ابتعدت عنه أروى ونظرت لهما بخوف وقالت: يعني إيه؟!ريفان: فهمها أنت يا ثورين وأنا هروح أغير في أوضة تانية.ترك الغرفة وهو يحمل ثيابه وقالت أروى: هما ليه عايزين يقتلوني؟ثورين: ﻷن مش مسموح ﻷي بشرية تعدي من الكهف وتدخل هنا وتشوفنا وتفضل عايشة. والإجتماع اللي تحت ده بسبب إن الألفا رفض يقتلك لحد دلوقتي.أروى ببكاء: يعني هما كلهم مجتمعين عشان يقتلوني! ليه بس ده أنا غلبانة.ثورين: أهم حاجة وطي صوتك. مش عايزين حد يحس إنك هنا لحد أما نشوف الألفا هيعمل إيه معاهم في الإجتماع.أروى: هما ممكن يقنعوه إنه يقتلني؟! ثورين: ﻷ ماعرفش. بس هما أكيد هيطالبوا بقتلك ورميك برا حددونا عشان الناس اللي بتدور عليكي يلاقوكي، لأن لو فضلوا يتحركوا حوالينا ممكن يكشفونا لكن لو لقوا جثتك زي اللي كانوا معاكي محدش فيهم هيحاول يرجع هنا تاني. أروى بتهكم: ﻷ أنا كده اطمنت. بقولك إيه مفيش طريقة أهرب بيها من هنا؟!نظر لها بصدمة فأردفت: طيب يرضيك تقتلوني! أنا وعدتكم إني مش هجيب سيرة عنكم لحد. خليني أهرب بس والمشكلة دي كلها هتتحل.ثورين: الموضوع مش سهل زي ما أنتي فاكرة. وللأسف أمرك مش في إيدي في إيد الألفا وبس.ترك ثورين الغرفة بعد أن حذّر أروى من مغادرتها مهما حدث ثم لحق بريفان الذي بدّل ثيابه واتجه إلى الغرفة الرئيسية.وحين دخل وجد رؤساء القبائل قد سبقوه إلى الاجتماع.في المقدمة جلس إيروك؛ رئيس قبيلة فيدرا وإلى جواره وقف ذراعه الأيمن إيفور. وكان أفراد فيدرا يحملون داخل أرواحهم رفيق الدب الأبيض.وبجواره جلس دراجور؛ رئيس قبيلة نوراك التي يحمل أبناؤها رفيق الثعلب القطبي.أما في الجهة الأخرى فكان يجلس جاروك؛ رئيس قبيلة سكالد التي يسكن أفرادها رفيق الأوركا الحوت القاتل.وما إن دخل ريفان بهيبته المعتادة حتى وقف الجميع احترامًا له. سار بخطوات واثقة حتى بلغ رأس الطاولة ثم جلس في مقعده وعندها عاد الجميع إلى مقاعدهم.ألقى عليهم نظرةً هادئة تخفي خلفها صرامة ألفا لا ينازعه فيها أحد، ثم قال بشموخ: طلبتوا إجتماع عاجل؛ يا ترى إيه السبب؟!جاروك: البشر منتشرين برا الحدود وده مهدد القبائل. عايزين نعرف إيه سبب إن البشرية اللي دخلت هنا ماتقتلتش لحد دلوقتي؟ريفان بهدوء: مين قال إنها ماتقتلتش؟دراجور: لو كانوا لقوا الجثة كانوا مشيوا وقعدنا كام قرن على ما نشوف حد منهم تاني زي كل مرة.ريفان: ما كان فيه جثث برا الحدود؛ مامنعتهومش ليه؟إيروك: كلامك متعارض ليه مع بعض يا ألفا؟! ما لو كانت جثتها من ضمنهم كانوا مشيوا فعلًا. لكن وجودهم لحد دلوقتي معناه إنها مش موجودة معاهم.ريفان: ﻷن جثتها ماكنتش جنبهم. أول ما يوصلوا ليها هيمشوا.نظروا بعضهم إلى بعض ثم قال إيروك: هو إيه الصوت اللي كان في القصر ده من شوية يا ألفا؟ريفان: شيء مايخصش حد. أنا حر في القصر بتاعي.ابتسم إيروك بتهكم وقال: واضح إن الألفا زعلان مني في حاجة.ريفان بحدة: إنت عارف إني مش بحب حد يتدخل في شئوني الخاصة.إيروك: أنا بس بطمن عليك. كلنا عارفين إنك لسه من غير رفيقة لحد دلوقتي وده أمر يهمنا كلنا.ريفان: شكرًا على إهتمامك بشئوني الخاصة بس أفضل تبعد عنها.لاحظ ثورين التوتر بالأجواء كما يحدث دائمًا عندما يجتمع ريفان وإيروك بمكان واحد فقال: مائدة الطعام جاهزة. اتفضلوا.وقف ريفان وخرج من الغرفة ولحقوا به جميعًا. أما إيلارا فكانت تقف أعلى الدرج ثم تحدثت مع الرجل الذي يقف خلفها وقالت: واضح إن ريفان قدر يخرج من المشكلة بس أنا مشكلتي أكبر. أنا عايزة أعرف هو وصم البنت اللي جوا دي ولا ﻷ.هالدور: تحت أمرك. بس هنعرف كده إزاي؟إيلارا: الألفا دلوقتي مشغول وهي لوحدها في أوضته. أعتقد ده أنسب وقت تروح تعرف بنفسك. ولو لقيتها زي ما هي... مبروك عليك. خليها رفيقتك ووقتها هتقطع السكة على الألفا.هالدور: بس أنا كده هروح في داهية.إيلارا: هتقوله عجبتني وماقدرتش اتحكم في الرفيق بتاعي. مش إنت لسه مش لاقي رفيقة؟هالدور: بس دي هتتقتل قريب. وأنا كده فرصتي إن يبقى ليا رفيقة هتضيع.إيلارا: هوهبلك رفيقة تكون رفيقها مات أو رفضها. ماتقلقش إنت. بس خلصني من البنت اللي جوا دي وساعتها مش هتندم.وافق هالدور، ثم اتجه إلى غرفة ريفان. وما إن دخل حتى وقفت أروى تنظر إليه بخوف وقالت: إيه! هتقتلوني؟ضيّق عينيه وحدّق بها بنظرةٍ بعثت الرعشة في جسدها. ارتدت إلى الخلف بخوف بينما أخذ هالدور يقترب منها بخطواتٍ ثابتة وكأنه يتجه إلى ساحة حرب.ارتجف جسدها حتى ارتطم ظهرها بالجدار خلفها وظلت عيناها معلقتين به وهو يقترب منها ويتنفس بقوة.لاحظت أن يديه بدأتا تتغيران وأن أظافره امتدت لتتحول إلى مخالب حادة فازداد خوفها. استدارت تركض في أنحاء الغرفة لكنها لم تجرؤ على الخروج أو الصراخ، خوفًا من أن تلقى مصيرها. لم تكن تعلم ماذا يريد منها ذلك الوحش.أما هالدور، فلما رآها تحاول الهرب جذبها إليه بسرعة واستنشق رائحتها. حينها أدرك أن الألفا لم يوصمها بعد.ارتسمت ابتسامة خبيثة على شفتيه بينما صاح الرفيق القابع في صدره يدفعه إلى وصمها لتصبح ملكًا له.اقترب منها أكثر وأخذت ترى أنيابه تمتد نحو عنقها فلم تتمالك نفسها وصرخت بكل قوتها.انتفض هالدور والتفت نحو الباب خشية أن يسمعها أحد ثم صاح بغضب: اسكتي!حاولت أروى أن تتخلص من قبضته وهي تصرخ: سيبني!لكنه أحكم قبضته عليها عازمًا على وصمها قبل أن يصل أحد إليه.وفي تلك اللحظة كان ريفان قد سمع صرختها الأولى فهبَّ من مقعده دون تردد وترك اجتماع رؤساء القبائل راكضًا نحو غرفته بينما تبادل الجميع نظرات الدهشة وهم يشاهدونه يغادر بهذه السرعة.وحين دوّت صرختها للمرة الثانية أدرك هالدور أنه لن يستطيع الهرب من العقاب.دفعها بعيدًا عنه بعنف محاولًا الفرار لكن مخالبه شقت جانب عنقها فسقطت أرضًا وهي تصرخ من شدة الألم.اندفع ريفان إلى داخل الغرفة فرأى أروى ملقاة على الأرض والدماء تنساب من عنقها بينما وقف هالدور أمامه وقد شحب وجهه وارتجف من الخوف. رفع ريفان رأسه ببطء وتحولت عيناه إلى الأحمر القاتم.زفر بقوة وانبثقت مخالبه من بين أصابعه وفي لحظات تمدد جسده وتحول إلى ذئب قطبي عملاق.أطلق عواءً هز أرجاء القصر ثم انقض على هالدور بضراوة ولم تمضِ سوى لحظات حتى أرداه قتيلًا.كل ذلك جرى أمام عيني أروى التي كانت تضغط على جرحها بيد مرتجفة وعيناها متسعتان من هول ما ترى. همست بصدمة: لقد... تحول إلى ذئب!ثم غامت الرؤية أمامها وفقدت وعيها. وكان آخر ما رأته... ذلك الذئب العملاق يقترب منها ببطء ينظر إليها بعينين امتلأتا بالحزن والخوف عليها.دخل ثورين الغرفة فرأى الألفا وقد أطلق رفيقه بكامل هيئته وهو أمر نادر الحدوث. ارتفع عواء ريفان في أرجاء القصر عواءٌ حزين مزق السكون. صادر عن ذلك الرفيق الذي ظن أن رفيقته؛ التي انتظرها طويلًا توشك أن تموت بين يديه.وقف ثورين حائرًا لا يدري أيهما أولى بالاهتمام؛ أن يعود إلى رؤساء القبائل ويخبرهم بما يحدث أم يبقى إلى جوار الألفا الذي وقف يحدق في رفيقته وكأنه ينعى موتها قبل أن تفارق الحياة.يتبع....رباب حسين