رواية قبل أن يتحقق الحلم | الرجل الذي رأته في حلمها
رواية قبل أن يتحقق الحلم | الرجل الذي رأته في حلمها
كانت الثلوج تتساقط بغزارة، والبرد يلف المكان من كل جانب.ركضت بكل قوتها وسط الثلج، وعيناها تبحثان عنه حتى رأته أمامها، ورأسه ينزف.أسرعت نحوه، ثم احتضنته بقوة، والدموع تملأ عينيها.قالت بصوت مرتجف:«أنا واثقة فيك... أنا واثقة فيك.»كانت تتمسك به وكأنها تخشى أن تفقده، بينما دموعها تنساب على خديها.وفجأة...فتحت عينيها.وجدت نفسها على سريرها في غرفتها، تحتضن وسادتها بقوة.اعتدلت في جلستها، ونظرت حولها بصدمة، ثم قالت:«لا... لا، ده مستحيل!»مررت يدها على وجهها، تحاول استيعاب ما حدث، ثم نهضت بسرعة واتجهت إلى مكتبها.كانت غرفتها مليئة بالكتب في كل مكان؛ فوق المكتب، وعلى الأرض، وبجوار السرير، وحتى فوق الكرسي الذي بالكاد يمكن رؤية مقعده من كثرة الأشياء الملقاة عليه.جلست أمام المكتب، وأخرجت دفترها، وبدأت تكتب تفاصيل الحلم بسرعة، قبل أن تنسى أي شيء منه.وفي أثناء انشغالها بالكتابة، دخلت والدتها الغرفة واتجهت مباشرة إلى النوافذ، وبدأت تفتحها.نظرت إليها، ثم إلى الفوضى المحيطة بها، وقالت:«إيه ده؟ حلمتي تاني؟»لم ترد الفتاة، واستمرت في الكتابة.تنهدت والدتها وهي تنظر إلى الغرفة.«افتحي الشبابيك وخلي الأوضة تتنفس! دي مش منظر أوضة إنسان يا بنتي.»رفعت الفتاة رأسها أخيرًا، ثم قالت:«ماما، أنا حضنت واحد في الحلم.»التفتت إليها والدتها باهتمام.أكملت الفتاة بسرعة:«وأنا اللي حضنته الأول! إنتِ عارفة صح إني مش من النوع اللي بيبدأ وياخد الخطوة الأولى.»هزت والدتها رأسها بثقة.«أيوه طبعًا عارفة، بالذات لو راجل قمر زي ده! أكيد عندك ذرة ضمير.»حدقت الفتاة في والدتها بعدم تصديق.«ماما، إنتِ متأكدة إنك أمي بجد؟»ضحكت والدتها، ثم أشارت إليها بالخروج من الغرفة.---نزلتا إلى المطبخ، وبدأت الفتاة تحضّر الفطار، بينما وقفت والدتها بجوارها تساعدها.وبعد لحظات من الصمت، سألتها والدتها بفضول:«طب كان قمور؟»نظرت إليها الفتاة باستنكار.«وأنا هعمل إيه يعني لو قمور؟ أنا مرتبطة.»رفعت والدتها حاجبيها بدهشة مصطنعة.«مرتبطة؟! إيه ده؟ إنتوا لسه مخرجتوش غير مرتين! أومال لو خرجتي التالتة بقى، هتبقي اتجوزتيه ولا إيه؟»تنهدت الفتاة، وأكملت تحضير الفطار.«خلاص يا ماما، كفاية كلام عن الراجل اللي في الحلم ده.»نظرت إليها والدتها وقالت:«هو هييجي حياتك حتى لو إنتِ مش عايزاه. ما إنتِ حلمك دايمًا بيتحقق.»توقفت الفتاة عن الحركة، وهزت رأسها برفض.«لا، لا.»حملت الفطار واتجهت نحو الطاولة، لكنها عندما مرت بجوار النافذة، لمحت رجلًا في البيت المقابل ينقل الصناديق إلى الداخل.توقفت فجأة، والتفتت نحو النافذة، تحدق فيه بتركيز.لاحظت والدتها وقوفها، فاتجهت هي الأخرى لتنظر من النافذة.«آه، سمعت إن في ناس هتسكن في البيت اللي قصادنا. واضح إنهم هينقلوا النهارده.»استمرت في النظر إلى الرجل، ثم قالت بإعجاب:«بس هو وسيم جدًا، بصراحة.»لم تتحرك الفتاة من مكانها.كانت تحدق في الرجل، وعيناها تتسعان تدريجيًا.ثم همست بصدمة:«ده... ده الراجل اللي كان في الحلم!»---بعد قليل، سُمع صوت طرقات على الباب.اتجهت الفتاة لفتحه، لتجد الرجل نفسه واقفًا أمامها، يحمل علبة كيك.ابتسم لها ابتسامة ودودة، وقال:«أهلًا، أنا لسه ناقل في البيت اللي قدامكم، وجاي أديكم دي هدية بمناسبة انتقالنا. بوزع على الجيران يعني...»قاطعته الفتاة فجأة، وقالت بجدية:«لو سمحت، امشي ومتجيش لبيتنا تاني في المستقبل.»اختفت ابتسامته، ونظر إليها باستغراب.«إيه ده؟ في إيه؟»لكنها كانت قد أغلقت الباب في وجهه.ظل واقفًا أمام الباب للحظات، ثم التفت إلى أخيه الذي كان يقف خلفه.«إنت أكيد مبتبتسمش، صح؟»رد أخوه ببساطة:«لا، ابتسمت.»نظر إليه بدهشة، ثم قال:«غريبة يعني إن حد يعاملك وحش.»ابتسم أخوه ابتسامة جانبية وسأله:«كانت بنت؟»«آه.»فكر قليلًا، ثم قال بجدية مصطنعة:«ارتبط بيها. شايف إنها مثالية بالنسبة لك.»ضربه أخوه برجله، فابتعد عنه وهو يضحك، ثم دخلا المنزل.---كانت الفتاة جالسة في انتظار الباص، والهاتف على أذنها، تتحدث مع والدتها.وفجأة، لمحت الرجل نفسه قادمًا من بعيد.اتسعت عيناها، وقالت بسرعة في الهاتف:«ماما، الراجل ده جاي! بتاع الحلم!»«مش هينفع أحبه، ها! أنا هقفل دلوقتي.»أنهت المكالمة، ثم أخذت نفسًا عميقًا وحاولت أن تبدو هادئة، وكأنها لم تلاحظ وجوده أصلًا.كان المكان واسعًا وفارغًا تقريبًا، ومع ذلك، عندما وصل الرجل، جلس بجوارها مباشرة.نظرت إليه بطرف عينها.هو جه قعد جنبي ليه يا ترى؟ثم خطرت لها فكرة جعلتها تعتدل في جلستها.يا نهار أبيض، هو معجب بيا؟هزت رأسها سريعًا.لا، لا، مش هنقفز لاستنتاجات. مش هحرج نفسي.تحركت وجلست عند طرف المكان، محاولةً الابتعاد عنه.لكنه انتقل وجلس بجوارها مرة أخرى.نظرت إليه بصدمة.لا بقى، أنا كده مش بتخيل!ابتعدت قليلًا، فاقترب هو مرة أخرى، بينما كانت تحاول الحفاظ على هدوئها.ومنذ أن كانت تتحدث مع والدتها علي الهاتف كانت مجموعة من الطالبات تقف بالقرب منهما، ولا تجد مكانًا للجلوس بسبب جلوس الفتاة في منتصف المكان.حاولت إحداهن مناداتها:«لو سمحتي!»لكن الفتاة لم تسمعها، فقد كانت ترتدي السماعات نظرت الطالبات إلى بعضهن بحيرة، ولم يعرفن كيف يلفتن انتباهها.نهضت الفتاة فجأة، وقد نفد صبرها، وقررت أن تخبر الرجل أنها غير مهتمة به.لكن الرجل نهض في اللحظة نفسها، والتفت إلى الطالبات قائلًا:«اتفضلوا اقعدوا.»توقفت الفتاة مكانها.نظرت الطالبات إلى بعضهن، ثم بدأن يتهامسن ويضحكن.«هههه، هي فكرته معجب بيها!»«واضح إنها كانت فاكرة إنه قاعد جنبها عشانها!»التفت الرجل إلى الفتاة باستغراب، وسألها:«إنتِ بتتكلمي عن إيه؟»نظرت إليه، ثم إلى الطالبات اللاتي بدأن يضحكن خلفها، وأدركت أخيرًا ما حدث.وصل الباص، فصعدت الفتاة بسرعة، وهي تتمنى لو أن الأرض انشقت وابتلعتها.جلست في مقعدها، وأخفت وجهها قليلًا، ثم حاولت إقناع نفسها:عادي يعني... مش موقف محرج ولا حاجة. أنا أصلًا مكنتش أقصد كده!أما الرجل، فقد ظل ينظر في اتجاهها للحظات. كان صوتها مألوفًا له، ثم تذكر فجأة أنها الفتاة نفسها التي طردته من أمام باب منزلها.---بعد ذلك، كانت الفتاة تجلس في المطعم الخاص بوالدتها، تساعدها في بعض الأعمال.رفعت رأسها فجأة وقالت:«ماما، شكل الحلم هيتحقق.»نظرت إليها والدتها باستغراب.«إنتِ لحقتي حبيتيه؟»«لا! هو شكله أعجب بيا.»ضحكت والدتها وسألتها:«وإنتِ عرفتي منين؟»أجابت بثقة:«أومال جه قعد جمبي ليه؟»نظرت إليها والدتها قليلًا، ثم قالت:«مش إنتِ قولتي إنه كان بيفضي مكان للبنات؟»سكتت الفتاة، وبدأت تفكر في كلام والدتها.وفي تلك اللحظة، جاء رجل ليحاسب، فوقع بصر الفتاة عليه.تغيرت ملامحها فورًا.كانت قد رأته من قبل.في حلمها.كان الرجل يرتدي جاكيتًا جلديًا عليه شكل نمر، وفي يده لاصقة تغطي موضع جرح. أما في يده الأخرى، فكانت هناك ولاعة تحمل صورة نمر.تجمدت في مكانها، وهي تسترجع حلمًا رأته قبل ثلاثة أشهر.كان الرجل نفسه يقف في مكان تتساقط فيه الثلوج، يحاول إشعال سيجارة. وما إن أشعل الولّاعة حتى اشتعلت النيران فيه.شاهدته وهو يحاسب، ثم يغادر المطعم.لاحظت والدتها تغير ملامحها، فسألتها:«في إيه؟ تعرفيه؟»لم تجب الفتاة مباشرة، بل ظلت تتابعه بعينيها حتى خرج.ثم التفتت إلى والدتها وقالت بصوت خافت:«أنا شفت الراجل ده في حلم من تلات شهور.»اتسعت عينا والدتها.«حلمتي بإيه؟»«حلمت إنه كان بيولع سيجارة، والدنيا بتشتي تلج... وأول ما شغّل الولّاعة، النار ولعت فيه.»نهضت والدتها من مكانها بصدمة.«ده إمتى؟ وفين؟»«مش عارفة.»نظرت والدتها إليها وقالت «وكان حاطط نفس اللاصقة دي؟»هزت الفتاة رأسها.وضعت والدتها يدها على فمها، ثم قالت بخوف:«يبقى ده هيحصل قريب... يا لهوي!»خرجتا من المطعم بسرعة، وبدأتا تركضان خلف الرجل، تناديان عليه حتى توقّف قبل أن يركب سيارته.اقتربت منه والدتها وقالت بلهفة:«هات السيجارة والولّاعة.»نظر إليهما باستغراب.«ليه؟»«التدخين مضر بصحتك.»عقد حاجبيه، وقال بحدة:«وإنتِ مالك؟ أدخن ولا مدخنش؟»حاول أن يبعدهما عنه، لكن الفتاة تدخلت وهي تقول:«هتموت لو دخنت!»نظر إليهما وكأنهما فقدا عقليهما.«إنتوا مجانين ولا إيه؟»دفعهما بعيدًا، فسقطتا على الأرض.نهضت الفتاة بسرعة، وركضت خلف السيارة، وبدأت تخبط على الزجاج، تحاول إيقافه.لكنه انطلق بسيارته وغادر.جلست الفتاة على الأرض للحظة، تراقب السيارة وهي تبتعد، بينما نهضت والدتها بصعوبة واقتربت منها.قالت الأم فجأة:«أنا خدت الولّاعة ده كفايه؟»نظرت إليها الفتاة بصدمة، ثم تنهدت.«انسي يا ماما، خلاص. مش مهم... ده اختياره ونصيبه.»صرخت والدتها في وجهها:«إزاي تقولي كده؟! إذا عرفنا إن حاجة وحشة هتحصل، يبقى لازم نحاول نغيّرها!»وفي تلك اللحظة، بدأت الثلوج تتساقط.نظرت الفتاة إلى السماء، ثم عادت تنظر إلى والدتها.«مش هنعرف نغيره! مين هيصدقني أصلًا؟ هقوله إني شوفته في حلمي و أحلامي دايمًا بتتحقق، و عايز يعيش، المفروض يسمع كلامي... بس مين هيصدق الكلام المجنون ده؟»سكتت لحظة، ثم أكملت بصوت أكثر حزنًا:«ما بابا كمان مكنش مصدقني ... ومات.»نظرت والدتها إليها، بينما كانت الدموع تتجمع في عيني الفتاة.«مش هنعرف نغيّر القدر يا ماما. مش هنعرف نغيّره لمجرد إننا عرفناه.»---كان الرجل يقود سيارته، بينما بدأت السيارة تحتاج إلى الوقود.توقف في محطة البنزين، ونزل ليملأ الخزان.وقبل أن ينزل، بحث عن الولّاعة في جيوبه، ثم في السيارة، لكنه لم يجدها.«هي راحت فين؟»فتح درج السيارة، فوجد ولاعة أخرى ، فأخذها ووضعها في جيبه.وهو يقوم بتعبئة البنزين أخرج سيجارة، وأمسك بالولّاعة الجديدة.ضغط عليها.وفي اللحظة التي اشتعلت فيها النار...انفجر المكان بأكمله