LNCrawler

رواية: قبل أن يتحقق الحلم - عنوان الفصل: قبل فوات الأوان

قبل أن يتحقق الحلم — www.novlay.com · All chapters

رواية: قبل أن يتحقق الحلم - عنوان الفصل: قبل فوات الأوان

كانت سيرين مستلقية على سرير المستشفى، تحاول استيعاب ما حدث حولها. رأسها يؤلمها، وعيناها تبحثان عن أي وجه مألوف وسط الوجوه الغريبة.اقتربت خالتها منها، وجلست بجوارها، ثم أخرجت ورقة من حقيبتها ومدّتها إليها.— دي وصية مامتك يا سيرين.نظرت سيرين إلى الورقة باستغراب، ثم رفعت عينيها إلى خالتها.— وصية ماما؟!هزّت خالتها رأسها بحزن.أمسكت سيرين الورقة بأصابع مرتعشة، وبدأت تقرأها، لكن الكلمات كانت تتداخل أمام عينيها. رفعت رأسها فجأة، والدموع بدأت تتجمع في عينيها.— يعني ماما ماتت بسببي؟حاولت خالتها تهدئتها.— اهدي يا حبيبتي، اهدي بس.لكن سيرين لم تستطع التوقف عن البكاء.— أنا السبب في الحادثة! أنا اللي كنت السبب في كل ده!احتضنتها خالتها، بينما استمر صوت بكائها يملأ الغرفة.وفجأة...فتحت سيرين عينيها.كانت في غرفتها، تحتضن وسادتها بقوة، ودموعها تنساب على وجهها.لم تتحرك للحظات، وكأنها ما زالت عالقة داخل الحلم.ثم جلست على السرير، ووضعت يديها على وجهها.— لا... لا، مش تاني!حاولت التقاط أنفاسها، لكنها لم تستطع منع دموعها.مدّت يدها إلى دفترها، وفتحته على صفحة جديدة. أمسكت القلم، وبدأت تكتب كل ما رأته، بينما كانت دموعها تسقط على الورق.كتبت تفاصيل المستشفى، والورقة التي أعطتها خالتها، وكلماتها التي لم تستطع نسيانها.ثم توقفت عند جملة واحدة.«ماما ماتت بسببي».أغلقت عينيها بقوة، ووضعت القلم جانبًا.— أعمل إيه؟!لم يكن هذا مجرد حلم عابر بالنسبة إليها. كانت تعرف جيدًا أن أحلامها تتحقق، لكنها لم تكن تعرف كيف تمنعها.---— سيرين! الغدا جاهز يا حبيبتي!جاء صوت والدتها من الخارج.مسحت سيرين دموعها بسرعة، وحاولت أن تبدو طبيعية قبل أن تخرج من غرفتها.لكن بمجرد أن رأتها والدتها، عقدت حاجبيها.— مال عينيكي يا بنتي؟ منفوخة ليه؟ إنتِ عيطتي؟تجنبت سيرين النظر إليها.— لا يا ماما، ممكن عشان أكلت إندومي قبل ما أنام امبارح.نظرت إليها والدتها بشك.— إندومي؟! هو الإندومي بقى بيعيّط الناس دلوقتي؟ابتسمت سيرين ابتسامة باهتة، ثم قالت:— هدخل أستحمى.— كلي الأول يا حبيبتي، وبعدين ادخلي.جلست سيرين أمام الطعام، لكن شهيتها كانت غائبة تمامًا.كانت تحاول طرد صورة الحلم من رأسها، إلا أن كلمات والدتها أعادتها إلى الواقع.— بصي يا سيرين، شوفي الخبر ده!رفعت سيرين رأسها نحو التلفزيون.كان المذيع يتحدث عن الانفجار الذي وقع بالأمس، والذي أسفر عن وفاة الرجل الذي اشتعلت فيه النيران بعد إشعاله سيجارة.تجمدت سيرين في مكانها.شعرت بأن قلبها توقف للحظة، وعادت إليها صورة الرجل الذي رأته في حلمها القديم.نظرت والدتها إلى الشاشة، ثم قالت:— مش ده الراجل اللي شفناه المرة اللي فاتت؟لم تجب سيرين.كانت تنظر إلى التلفزيون بعينين ممتلئتين بالدموع.لقد حدث الأمر تمامًا كما رأته.لم يتغير شيء.حتى محاولتهما منعه لم تكن كافية لإنقاذه.نهضت سيرين فجأة، وتركت الطعام، واتجهت إلى غرفتها.— سيرين! رايحة فين؟لم ترد.دخلت غرفتها، وأغلقت الباب، ثم اتجهت إلى المرآة.نظرت إلى شعرها الطويل، وظلت تحدق فيه للحظات.ثم وقعت عيناها على المقص الموضوع فوق المكتب.أمسكته بيد مرتعشة.لم تكن تفكر بوضوح. كل ما كان يدور في رأسها هو أنها لا تريد أن ترى الحلم نفسه يتحقق مرة أخرى.اقتربت من المرآة، ورفعت خصلة من شعرها.وقبل أن تتمكن من التراجع، بدأت تقصه.خصلة بعد أخرى.حتى انتهت.وقفت أمام المرآة، تنظر إلى شعرها الذي لم يعد كما كان، ثم انفجرت في البكاء.دخلت والدتها مسرعة بعدما سمعت صوتها.— سيرين! إيه اللي عملتيه ده؟!حاولت أن تأخذ المقص منها، لكن سيرين كانت قد انتهت بالفعل.وضعت والدتها يدها على كتفها.— يا حبيبتي، مالك؟ حصل إيه؟ ليه عملتي كده؟رفعت سيرين عينيها إليها، والدموع تغطي وجهها.— حصل له نفس اللي حصل في الحلم بالظبط يا ماما!سكتت والدتها.— نفس التفاصيل... نفس كل حاجة! أنا كنت عارفة إنه هيموت، وحاولنا نمنعه، وبرضه مات!احتضنتها والدتها بقوة.— عارفة يا حبيبتي، عارفة.ابتعدت سيرين عنها قليلًا، ونظرت إليها بيأس.— مش هيتغير! أعمل إيه يا ماما؟ أعمل إيه؟!عادت إلى حضنها، وهي تبكي بحرقة.كانت تبكي على الرجل الذي لم تستطع إنقاذه، وعلى كل الأحلام التي لم تعرف كيف توقفها، وعلى الحلم الذي لم تستطع حتى أن تتخيل كيف ستواجهه.الحلم الذي رأت فيه والدتها تموت.---بعد فترة، صعدت سيرين مع والدتها إلى السطح.كان الجو هادئًا، وجلستا معًا بعيدًا عن ضوضاء المنزل.ظلت سيرين تنظر إلى والدتها، وكأنها تحاول حفظ ملامحها.قطعت الأم الصمت أخيرًا.— يعني أنا هموت بسبب الحادثة اللي إنتِ اتسببتي فيها؟لم تستطع سيرين الكلام.اكتفت بهز رأسها.نظرت الأم إليها للحظات، ثم سألت:— ومش عارفة ده هيحصل إمتى؟هزّت سيرين رأسها مرة أخرى.ابتسمت الأم ابتسامة هادئة، ومدّت يدها تعبث بشعر ابنتها الجديد.— إيه يا بنتي؟ هو إنتِ قصيتي شعرك ده كله ليه؟نظرت سيرين إليها بصدمة.— إنتِ بتضحكي؟! ده وضع مضحك بالنسبالك يا ماما؟! ما إنتِ شايفة إن أحلامي بتتحقق! زي الراجل اللي كان بيدخن، حلمي متغيرش ولا مرة واحدة!استمرت الأم في تمرير يدها على شعرها.— عشان كده قصيتي شعرك؟ فكرتي إن الحلم هيتغير لو غيرتي شعرك؟خفضت سيرين رأسها.— شعري كان طويل في الحلم.صمتت الأم لحظة، ثم ابتسمت بحنان.— مكنتش أعرف إن بنتي جميلة بسبب شعرها!— مامااا!ضحكت الأم، ثم احتضنت ابنتها.— متخافيش يا حبيبتي. أنا مش هموت على الفاضي.لكن سيرين لم تضحك.تشبثت بوالدتها، وقالت بصوت مرتجف:— إنتِ الشخص الوحيد اللي ليا في حياتي. متسيبينيش لوحدي، ماشي؟ربتت الأم على ظهرها.— يا بنتي، أنا لسه معاكي أهو.ثم ابتعدت قليلًا، ونظرت إلى شعرها مرة أخرى.— بس برضه مش مسامحاكي على الشعر ده!ضحكت سيرين رغم دموعها، واحتضنتها من جديد.كانت تريد أن تصدق كلمات والدتها، وأن تتمسك بالأمل الذي تحاول منحه لها.لكن صورة الحلم ظلت تلاحقها.---في غرفتها، جلست الأم وحدها.أخرجت هاتفها، وفتحت حسابها، ثم بدأت تجمع الأموال التي حولتها.بعد ذلك، وضعت أمامها ورقة وبدأت تكتب وصيتها.كانت تكتب بهدوء، وكأنها تحاول ترتيب بعض الأمور التي لا تريد أن تتركها معلقة.وعندما انتهت، طوت الورقة واحتفظت بها.---مرّت فترة.كانت سيرين في طريقها إلى موعدها مع كريم، الذي ارتبطت به مؤخرًا.عندما وصلت، وجدته واقفًا مع رجل تعرفه جيدًا.توقفت في مكانها.كان نوح.نظر نوح إليها، ثم نظر إلى كريم.أما سيرين، فحدقت فيه بدهشة.— إيه ده؟!قال نوح في اللحظة نفسها:— إيه ده؟!نظرت سيرين إلى كريم.— إنت تعرفه منين؟ابتسم كريم، ثم التفت إلى نوح.— إنتوا مرتبطين؟أجاب كريم ببساطة:— آه.ثم التفت إلى سيرين وسألها:— إحنا مرتبطين، صح؟ترددت سيرين للحظة.— آ... آه.نظر نوح إليهما، بينما قال كريم:— طب ما تنضم لينا إنت وصاحبك!هز نوح رأسه.— لا، لا، مش هنعرف.ثم أضاف:— هو أصلًا ما عندوش حد، وسيرين كمان...وفي اللحظة نفسها، قالت سيرين:— لا!تبادل الاثنان نظرة سريعة.ثم التفتت سيرين إلى كريم.— يلا ندخل.وقبل أن يتحركوا، قال نوح:— آه، ادخلوا. الجو برد.---بينما كان نوح واقفًا في مكانه، عادت به الذاكرة إلى سنوات مضت.كان كريم مدرسًا له عندما كان في المرحلة الإعدادية.في ذلك الوقت، كان والده قد أخبر كريم أنه إذا ارتفعت درجات نوح، فسوف يزيد راتبه.وكان نوح يحلم بشراء دراجة نارية.اقترب كريم منه يومًا وسأله:— إيه رأيك نزور تقرير الدرجات؟ وأنا أديك نص المبلغ اللي باباك هيزودهولي، وتجيب الموتوسيكل اللي إنت عايزه.لم يتردد نوح طويلًا.وافق على الفكرة، وحصل على الدراجة التي كان يتمناها.لكن الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد.اكتشف والده ما حدث.---كان نوح واقفًا داخل مركز الشرطة، أمام والده الذي كان يعمل ضابطًا.نظر إليه والده بغضب.— جبت الموتوسيكل ده منين؟ إنت سرقته؟لم يجب نوح.اقترب والده خطوة أخرى.— طب جبت فلوسه منين؟!خفض نوح رأسه.وبعد إلحاح، اعترف بأنه زوّر تقرير الدرجات.تغيرت ملامح والده، وظهر الغضب ممزوجًا بخيبة الأمل.كان نوح يتوقع العقاب، لكنه لم يكن مستعدًا لرؤية تلك النظرة في عيني أبيه.تدخل أحد الضباط الموجودين وقال:— أبوك كان فخور جدًا بدرجاتك يا نوح.رفع نوح رأسه ببطء.شعر بثقل الكلمات، ولم يجد ما يقوله.---عاد نوح إلى الحاضر.كان واقفًا في الخارج، وبدأت حبات الثلج تتساقط على كتفيه.وفي الداخل، كانت سيرين تجلس مع كريم، لكنها لم تكن قادرة على الاستمتاع بوقتها.كل بضع لحظات، كانت تخرج هاتفها وتتفقد رسائلها.لاحظ كريم ذلك، فسألها:— في حاجة؟ إنتِ كل شوية تبصي في التليفون.رفعت عينيها إليه.— أعتقد إني محتاجة أروح البيت. بدرس النهارده ماما مش بترد على رسايلي.عقد كريم حاجبيه.— هي مامتك تعبانة؟— لا، بس في حاجة غلط.عادت تنظر إلى هاتفها، ثم بدأت تتذكر ما حدث قبل خروجها من المنزل.كانت قد أطفأت الشمعة، وأغلقت النار.لكنها لم تتذكر إن كانت قد أغلقت الباب أم لا.اتسعت عيناها فجأة.نهضت من مكانها.— أنا مقفلتش الباب!نظر إليها كريم باستغراب.— إيه؟أمسكت حقيبتها بسرعة.— نسيت أقفل الباب! محتاجة أرجع البيت دلوقتي!خرجت وهي تتصل بوالدتها، بينما تبعها كريم.كان الثلج يتساقط بكثافة، والطريق يزداد صعوبة.حاولت سيرين الاتصال مرة أخرى، لكن والدتها لم تجب.اقترب كريم منها وأوقفها.— إنتِ سُقتي على التلج قبل كده؟نظرت إليه بقلق.— لا. أعمل إيه؟ أركب تاكسي؟ هلاقي تاكسي دلوقتي؟نظر كريم إلى الطريق، ثم ألقى باقة الزهور التي كان يحملها جانبًا.— هاتي المفاتيح. أنا هسوق.ترددت سيرين.— بس...قاطعها:— أنا سُقت قبل كده على التلج. هاتي المفاتيح.أعطته إياها، وصعدت إلى السيارة.---في مكان آخر، كانت والدة سيرين تسير في طريقها إلى المنزل.فجأة، أوقفها شخص.وفي الوقت نفسه، كانت سيرين تحاول الاتصال بها مجددًا.هذه المرة، جاءها الرد.— ألو يا ماما!— أيوه يا حبيبتي.تنفست سيرين براحة، لكنها سرعان ما قالت بقلق:— إنتِ كنتِ فين؟! أنا برن عليكي من بدري!ضحكت والدتها بخفة.— نسيت التليفون في الكافيه بالصدفة، وكان فيه شاب لطيف لقاه وجابُهولي.تغير صوت سيرين إلى الغضب.— يا ماما! بعد كده ردي على التليفون وخلي بالك من نفسك! أنا قلقت عليكي!ابتسمت الأم وهي تستمع إلى ابنتها.— حاضر يا ستي، حاضر.---كان كريم يقود السيارة بحذر وسط الثلج.التفت قليلًا إلى سيرين وسألها:— إنتِ دايمًا قريبة من مامتك كده؟نظرت سيرين من النافذة.— لا.صمتت للحظات، ثم التفتت إليه فجأة.— كريم، لو اتعرضت لحادثة... هتحمي أمي؟نظر إليها باستغراب.— بتتكلمي عن إيه؟ حادثة إيه؟ابتلعت سيرين ريقها، ثم قالت:— مش دلوقتي. ممكن أتسبب في حادثة في المستقبل.ظل كريم صامتًا للحظات، محاولًا فهم كلامها.ثم قال بجدية:— حاضر. هحميكي إنتِ وأمك مهما حصل، ماشي؟لم تجبه سيرين.كانت عيناها معلقتين بالطريق، وقلبها يزداد انقباضًا دون أن تعرف كيف تشرح له ما تشعر به.التفت إليها كريم مرة أخرى.— إنتِ كويسة؟ شكلك مش بخير.وفي اللحظة التالية...ظهر شاب أمام السيارة.لم يكن هناك وقت كافٍ للتوقف.اصطدمت السيارة به بقوة، فطار جسده فوق السيارة قبل أن يسقط على الطريق المغطى بالثلج.حاول كريم السيطرة على عجلة القيادة، لكن السيارة انزلقت بعنف على الطريق الزلق.صرخت سيرين.وانحرفت السيارة حتى اصطدمت بعمود على جانب الطريق.توقفت السيارة أخيرًا.ساد الصمت.كان الشاب ملقى على الثلج، والدم ينتشر أسفله.أما سيرين وكريم، فكانا فاقدَي الوعي داخل السيارة المحطمة.والثلج لا يزال يتساقط فوقهم جميعًا.