لو كان حلماً
لو كان حلماً
فتحت سيرين عينيها ببطء، وشعرت بثقل غريب في جسدها. حاولت تحريك رأسها، فانسدلت خصلات شعرها الطويلة على كتفها.تجمدت في مكانها.شعرها!آخر ما تتذكره أنها قصته بنفسها، وهي تبكي بين ذراعي أمها.رفعت يدها تتحسس خصلاته، ثم التفتت إلى خالتها الجالسة بجوار سرير المستشفى.— خالتي... هو النهارده كام؟نظرت إليها خالتها بابتسامة متعبة.— النهارده يوم الكريسماس يا حبيبتي.اتسعت عينا سيرين.— إيه؟! إزاي يعني؟! ده الكريسماس لسه خالص من تلات شهور!اختفت الابتسامة من وجه خالتها.— يا سيرين، إنتِ بقالك عشرة شهور في المستشفى.عشرة شهور!شعرت سيرين أن الغرفة تدور من حولها. عشرة شهور كاملة مرت وهي غائبة عن العالم، بينما آخر ما تتذكره هو الثلج، والسيارة، والاصطدام العنيف الذي ابتلع كل شيء بعده.لكنها لم تهتم بكل ذلك الآن.— ماما فين؟سكتت خالتها.أمسكت سيرين بذراعها.— خالتي، ماما فين؟ هي كويسة؟ حصلها حاجة؟نظرت خالتها إلى الأرض، ثم أخذت نفسًا عميقًا.— سيرين، لازم تكوني قوية يا حبيبتي.— أنا بسألك عن ماما!لم تستطع خالتها إخفاء دموعها أكثر.أخبرتها أن الرجل الذي صدمته السيارة مات، وأن الحادث تسبب في ديون كبيرة ومصاريف مستشفى لم يكن من السهل تحملها. اضطرت هالة إلى بيع البيت والمطعم، ثم بدأت تعمل لساعات طويلة حتى تتمكن من سداد تكاليف علاج ابنتها.كانت تعمل رغم إرهاقها، وتتحمل كل شيء وحدها، على أمل أن تستيقظ سيرين يومًا وتعود إلى حياتها.لكنها في إحدى المرات، وأثناء عملها، شعرت بدوار شديد، وفقدت توازنها وسقطت من على السلم.وماتت.لم تتحرك سيرين.ظلت تنظر إلى خالتها، وكأنها تنتظر أن تتراجع عن كلماتها وتخبرها أنها كانت تمزح.— يعني إيه ماتت؟لم تجبها خالتها.— ماما ماتت؟!انفجرت سيرين في البكاء.— لأ! لأ، إنتِ بتكدبي!حاولت خالتها احتضانها، لكن سيرين تمسكت بملابسها وهي تهز رأسها بعنف.— أنا حلمت بده! أنا شفت ده قبل ما يحصل! بس أنا مكنتش عايزاه يحصل! أنا كنت عايزة أنقذها!أخرجت خالتها ورقة من حقيبتها.— دي وصية مامتك يا سيرين.ترددت سيرين قبل أن تأخذ الورقة. كانت تعرف خط أمها جيدًا، ومع ذلك شعرت أن رؤيته أمامها الآن أقسى من أي شيء آخر.بدأت خالتها تقرأ الوصية بصوت متقطع، حتى وصلت إلى الكلمات الأخيرة:«متلوميش نفسك يا سيرين.»شهقت سيرين، وانتزعت الورقة من يد خالتها.— ده حلم... أكيد ده حلم!نظرت إلى خالتها بعينين غارقتين بالدموع.— أنا بحلم، صح؟ قولي إني بحلم!لم تجبها خالتها، فبدأت سيرين تهز رأسها وتبكي أكثر.— محتاجة أصحى... ليه مش قادرة أصحى؟!احتضنتها خالتها، بينما كانت سيرين تتشبث بها كأنها آخر شيء متبقٍ لها في العالم.— من فضلك، قولي إنه حلم! لو سمحتييي!— فوقي يا سيرين... عشان خاطري، فوقي.لكنها لم تستطع أن تستيقظ من واقعها.بعد فترة، مسحت خالتها دموعها وقالت:— حاولي تفطري شوية، وبعدها لازم نروح المحكمة.رفعت سيرين رأسها فجأة.— المحكمة؟! أنا ليه هحتاج أروح المحكمة؟ أنا مكنتش بسوق العربية!نظرت إليها خالتها بحزن.— أنا عارفة إنك بتقولي إن كريم هو اللي كان بيسوق، بس الشرطة لازم تحقق معاكي.— إنتِ ليه بتتكلمي كأني أنا اللي اتسببت في الحادثة؟! مكنتش أنا اللي بسوق!وقبل أن تكمل، دخل أفراد الشرطة إلى الغرفة، ومعهم رجل يحمل ملفًا.بدأ التحقيق معها في المستشفى، وأخبروها أن التهمة موجهة إليها، وأن الأدلة الموجودة ضدها ليست بسيطة.كان الحمض النووي الخاص بها موجودًا على الوسادة الهوائية التي انفتحت أثناء الحادث، كما أظهرت تسجيلات كاميرات الإسعاف أنهم أخرجوها من مقعد السائق.حدقت سيرين فيهم بصدمة.— بس ده مش معناه إني كنت بسوق! كريم هو اللي كان بيسوق!فتح الرجل الملف ونظر إليها.— أنا نوح، المدعي العام المسؤول عن القضية.بدأت سيرين تحكي له ما تتذكره، مؤكدة أن كريم كان خلف عجلة القيادة، وأنها لا تعرف كيف أصبحت الأدلة ضدها.لكن نوح ظل جادًا.— عندك أي دليل يثبت إن كريم هو اللي كان بيسوق؟سكتت سيرين.— أنا بقول الحقيقة!— أنا فاهم إنك بتقولي كده، لكن مفيش دليل حاليًا يدعم كلامك.شعرت سيرين بأن الأرض تنهار تحت قدميها مرة أخرى.لم يكن لديها دليل. كريم لا يرد على هاتفه، وأمها ماتت، والجميع يتعامل معها باعتبارها المتهمة.وبعد انتهاء التحقيق الأولي، خرج أفراد الشرطة، وتركوها في غرفتها تحت رعاية المستشفى.أمسكت سيرين هاتفها واتصلت بكريم.مرة.مرتين.ثلاث مرات.لكنه لم يرد.ظلت تحدق في الشاشة، ثم تذكرت آخر مكالمة أجرتها مع أمها.كانت قد غضبت منها لأنها لم ترد على الهاتف، وطلبت منها أن تحافظ على نفسها.لو كانت تعرف أن تلك ستكون آخر مرة تسمع فيها صوتها، لما أنهت المكالمة بهذه الطريقة.وضعت الهاتف على صدرها، وانحنت إلى الأمام.— ماما...لم يجبها أحد.---بعد دقائق، خرجت سيرين من غرفتها، واتجهت إلى سطح المستشفى دون أن تخبر أحدًا.كان الهواء باردًا، والسماء ملبدة بالغيوم.اقتربت من السور، وصعدت إليه، ثم وقفت على حافته وهي تنظر إلى الأسفل.لم تعد تعرف كيف تعود إلى حياتها.أمها ماتت، وكريم لا يرد، والتهمة التي تواجهها قد تسرق منها ما تبقى من مستقبلها.سمعت صوت الباب يُفتح خلفها.— سيرين!التفتت، فرأت نوحًا ومعه بعض الأطباء.تقدم أحدهم خطوة، فرفعت سيرين يدها بسرعة.— محدش يقرب!توقف الجميع.كانت ترتجف، والدموع تنهمر على وجهها.— هَنط لو حد قرب مني!رفع نوح يديه قليلًا، محاولًا تهدئتها.— طيب، محدش هيقرب. بس انزلي لو سمحتي، انزلي ونتكلم بهدوء.ضحكت سيرين ضحكة قصيرة موجوعة.— إيه اللي هيتغير لو نزلت؟— هنقدر نتكلم ونفهم اللي حصل.— نفهم إيه؟! أنا فهمت كل حاجة! أمي ماتت، والرجل مات، وأنا اللي متهمة، وكريم اختفى! أعمل إيه تاني عشان حد يصدقني؟!ظل نوح ينظر إليها، ثم سألها:— إنتِ متأكدة إن كريم هو اللي كان بيسوق؟— أيوه! هو اللي كان بيسوق! أنا فاكرة كويس!— طيب، احكيلي إيه اللي حصل.أخذت سيرين نفسًا متقطعًا.— أنا مش فاكرة كل حاجة بعد الحادث، بس أنا متأكدة إني مكنتش مكان السواق! يمكن كريم بدّل الأماكن عشان يلبسهالي! يمكن كان عايز يهرب من المسؤولية!توقفت، ونظرت إلى نوح بعينين حمراوين.— بس محدش مصدقني... هقول إيه تاني؟ساد الصمت للحظات.ثم قال نوح:— أنا هصدقك.تجمدت سيرين.— إيه؟— أنا هصدقك يا سيرين. بس انزلي، عشان نقدر نتكلم.اقترب خطوة صغيرة، ومد يده نحوها.— انزلي، لو سمحتي.نظرت إلى يده الممدودة، ثم إلى وجهه. كانت تلك أول مرة منذ استيقاظها تشعر فيها أن هناك شخصًا مستعدًا لسماعها دون أن يتهمها بالكذب.لكن الألم كان أكبر من قدرتها على الاحتمال.همست:— قد إيه بتمنى لو ده حلم...حاول نوح طمأنتها.— مش لازم تواجهي كل ده لوحدك.نظرت إليه، والدموع تملأ عينيها.— لو ده حلم... فشكرًا ليك إنك هتصدقني.وفي لحظة خاطفة، تحركت.اندفع نوح نحوها ومد يده بأقصى سرعة، محاولًا الإمساك بها، لكنه لم يلحقها.— سيرييييين!---انتفض نوح من نومه، جالسًا على سريره، وأنفاسه متلاحقة.ظل يحدق أمامه لثوانٍ، غير قادر على استيعاب ما حدث.الغرفة هادئة. لا مستشفى، ولا سطح، ولا فتاة تتوسل إليه أن يصدقها.لقد كان حلمًا.مجرد حلم.مرر يده على وجهه، محاولًا تهدئة أنفاسه، لكنه لم يستطع التخلص من الشعور الغريب الذي تركه الحلم داخله.كان واقعيًا أكثر من اللازم.تفاصيل المستشفى، صوت سيرين وهي تبكي، نظراتها المليئة بالخوف، وحتى إحساسه بالعجز عندما حاول الإمساك بها...كل ذلك ظل عالقًا في ذهنه.نهض من سريره وقرر أن يحكي لشخص ما ما رآه، ربما يساعده ذلك على نسيانه.وبعد قليل، جلس أمام كريم، زميله في العمل، والذي كان يعرفه منذ سنوات طويلة، منذ أن كان مدرسه في المرحلة الإعدادية.نظر كريم إليه باستغراب.— مالك يا نوح؟ شكلك مش نايم كويس.فرك نوح عينيه.— أنا حلمت حلم غريب أوي.رفع كريم حاجبه.— حلمت بإيه؟بدأ نوح يحكي له عن فتاة استيقظت في المستشفى بعد عشرة شهور، واكتشفت وفاة أمها، ثم وجدت نفسها متهمة بالتسبب في حادث سيارة.حكى له عن الأدلة الموجودة ضدها، وعن إصرارها على أن كريم هو الذي كان يقود السيارة، وعن محاولتها إنهاء حياتها بعدما فقدت الأمل في أن يصدقها أحد.ثم وصل إلى اللحظة التي ظلت تطارده منذ استيقاظه.— كانت واقفة على سور المستشفى، وبتقولي إنها بتتمنى لو ده حلم. وأنا قلتلها إني هصدقها... وبعدها وقعت، وأنا معرفتش ألحقها.ظل كريم صامتًا للحظات، ثم قال:— واضح إنه كان كابوس تقيل.أومأ نوح، لكنه لم يكن مقتنعًا تمامًا.— الغريب إني حاسس إني شفت البنت دي بجد، مع إني متأكد إني معرفهاش.ضحك كريم بخفة.— يمكن عقلك مألف وشها. الأحلام بتعمل كده.لم يرد نوح.كان يحاول إقناع نفسه بأن الأمر انتهى عند هذا الحد، وأنه لن يفكر في الحلم مرة أخرى.كان ذلك في شهر فبراير، قبل الحادثة بعشرة شهور تقريبًا.ولم يكن يعرف أن الفتاة التي رآها في حلمه ستظهر أمامه يومًا ما في الواقع.---بعد أيام، كان نوح واقفًا عند موقف الباص، ينتظر وسيلة توصله إلى وجهته، حين لمح فتاة تقف على مسافة قريبة منه.توقف عن الحركة.شعر بشيء غريب ينقبض داخل صدره.الشعر.الملامح.طريقة وقوفها وهي تنظر إلى هاتفها.لم يكن متأكدًا في البداية، لكنه عندما رأى وجهها بوضوح، شعر وكأن الدم تجمد في عروقه.إنها هي.الفتاة التي رآها في حلمه.سيرين.ظل يراقبها لثوانٍ، محاولًا استيعاب ما يراه. لم يكن الأمر مجرد تشابه؛ كانت ملامحها هي نفسها، والوجه الذي ظل عالقًا في ذهنه منذ أيام يقف أمامه الآن.اقترب منها قبل أن يتمكن من تغيير رأيه.— إنتِ...رفعت سيرين عينيها إليه.— نعم؟تردد لحظة، ثم سألها مباشرة:— هو إنتِ مرتبطة بكريم؟اتسعت عيناها، ونظرت إليه باستغراب شديد.— إيه ده؟! إنت عرفت منين؟!لم يجبها.كان السؤال قد خرج منه قبل أن يفكر فيه، وكأن جزءًا من الحلم ما زال يختلط بالواقع داخل رأسه.لكن ردها زاد ارتباكه.هي تعرف كريم فعلًا.إذًا، هل يمكن أن يكون ما رآه مجرد حلم صادف أنه يشبه حياتها؟ أم أن هناك شيئًا آخر لا يستطيع تفسيره؟وقبل أن يسألها أي شيء، سمع صوته يخرج مرة أخرى:— إنتِ هتقابليه النهارده، صح؟تراجعت سيرين خطوة.— نعم؟!نظر نوح حوله، ثم عاد إليها بسرعة.— أوعي تركبي عربية النهارده.حدقت فيه سيرين للحظات، ثم ابتعدت عنه أكثر.— إنت منحرف ولا إيه؟! إيه الرعب ده؟! إنت عرفت منين أنا مرتبطة بمين، وعايزني أقابل مين، وبتقولي أركب إيه وما أركبش إيه؟!— استني، أنا بس...— لا، شكرًا!استدارت سيرين فورًا، وأشارت إلى سيارة أجرة توقفت بالقرب من الموقف.ركبت بسرعة، وأغلقت الباب، ثم طلبت من السائق أن يتحرك.ظل نوح واقفًا مكانه، يتابع السيارة وهي تبتعد.لم يكن يفهم ما يحدث.لماذا رأى هذه الفتاة في حلمه؟ وكيف عرف اسم كريم قبل أن يراهما معًا؟ ولماذا خرجت منه تلك التحذيرات دون أن يعرف حتى كيف يفسرها لها؟كان يظن أن الأمر مجرد كابوس عابر.لكن سيرين كانت حقيقية.ورد فعلها كان حقيقيًا.ولأول مرة، بدأ نوح يتساءل إن كان ما رآه في نومه حلمًا عاديًا فعلًا...أم أنه رأى شيئًا لم يحدث بعد.شيئًا قد يحدث بالفعل.شيئًا عليه أن يمنعه، قبل فوات الأوان.