رواية "رجل بروح أنثي" | "الدواء"
رواية "رجل بروح أنثي" | "الدواء"
البارت الأول — الدواءكان الليل قد انتصف، والبيت الصغير غارقًا في الهدوء، إلا من صوت أنفاس متعبة يأتي من الغرفة المجاورة.جلس يوسف بجوار السرير، ممسكًا بعلبة الدواء الفارغة بين يديه، وعيناه معلقتان بها وكأنها تحمل الحل لكل مشاكله.قلب العلبة أكثر من مرة، ثم فتحها رغم أنه يعرف أنها فارغة.تنهد بحزن وقال:— «مفيش ولا قرص حتى...»رفع عينيه نحو الشخص الراقد أمامه، وشعر بقلبه يؤلمه.— «هجيب الدوا... لازم أجيبه.»كان يوسف في الثانية والعشرين من عمره، لكنه تحمل من المسؤوليات ما جعله يشعر أنه أكبر من عمره بكثير.عائلته كانت فقيرة، والمال بالكاد يكفي الطعام والاحتياجات الأساسية.أما الدواء، فأصبح بالنسبة لهم رفاهية لا يستطيعون تحملها.أخرج يوسف هاتفه القديم، وبدأ يبحث عن أي عمل.كان يقلب الإعلانات واحدًا تلو الآخر.عامل في مطعم...مساعد في محل...عامل توصيل...لكن كل وظيفة كان لها شرط أو راتب لا يكفي.حتى ظهر أمامه إعلان غريب.توقف عن تحريك إصبعه.قرأه مرة.ثم أعاد قراءته.«مطلوب جليسة أطفال لطفلة صغيرة، يشترط أن تكون فتاة، هادئة، حسنة المظهر، وتحب الأطفال. الراتب ممتاز.»رفع يوسف حاجبه.— «جليسة أطفال؟»ضحك بسخرية.— «طب وأنا أعمل إيه في حتة يشترطوا فيها بنت؟»كاد يغلق الإعلان، لكنه رأى الراتب.اختفت ابتسامته.ظل ينظر إلى الرقم طويلًا.الراتب يكفي ثمن الدواء.بل قد يتبقى منه بعض المال للبيت.قال لنفسه:— «لو اشتغلت أسبوع واحد بس...»ثم تذكر الشرط.فتاة.سكت.نظر إلى نفسه في المرآة الصغيرة المعلقة على الحائط.كان يوسف طويلًا ونحيفًا، وملامحه ناعمة جدًا، عيناه هادئتان، وشعره أسود ناعم يصل إلى أذنيه تقريبًا.منذ صغره والناس يعلقون على شكله.كان يسمع دائمًا:— «إنت شبه البنات.»— «يا بنت!»— «هو إنت ولد بجد؟»كان يضحك وقتها وكأنه لا يهتم.لكن الحقيقة أن كل كلمة كانت تترك بداخله جرحًا صغيرًا.والمضحك أن الشيء الذي تعرض بسببه للتنمر طوال حياته...قد يكون الآن هو الشيء الذي سينقذ عائلته.اقترب من المرآة.نظر إلى وجهه طويلًا.ثم قال بتردد:— «طب... لو لبست لبس بنت؟»اتسعت عيناه من الفكرة.— «أنا أكيد اتجننت.»جلس على السرير ووضع يديه فوق رأسه.ظل يفكر.الدوا...المال...ثم الإعلان.وأخيرًا قال بحسم:— «مش مهم أنا هعمل إيه... المهم أجيب الدوا.»في صباح اليوم التالي، وقف يوسف أمام المرآة.ارتدى ملابس واسعة، ووضع طرحة بسيطة حول رأسه، وحاول إخفاء ملامحه قدر الإمكان.نظر لنفسه.ثم أدار وجهه يمينًا ويسارًا.— «مش معقول...»ضحك بخجل.— «هو أنا فعلًا ممكن أعدي على إني بنت؟»ثم تذكر السبب.اختفت ضحكته.أمسك هاتفه واتصل بالرقم الموجود في الإعلان.جاءه صوت امرأة:— «ألو؟»ارتبك يوسف.— «ألو... أنا بخصوص إعلان جليسة الأطفال.»— «أيوه، اتفضلي. اسمك إيه؟»توقف لثانية.ثم قال:— «ياسمين.»كانت تلك أول مرة ينطق فيها الاسم.ياسمين.أنهى المكالمة، وظل ينظر إلى الهاتف.— «من النهارده... أنا ياسمين.»لم يكن يعلم أن هذا الاسم سيقوده إلى حياة لم يتخيلها يومًا.ولا كان يعلم أن صاحبته الحقيقية...حور...ستكون السبب في أن قلبه يعرف معنى الحب لأول مرة.أخذ نفسًا عميقًا، وخرج من البيت متجهًا إلى الفيلا.كان يخفي سره خلف طرحة واسم مستعار.لكن ما لم يكن يعرفه يوسف...أن أصعب شيء لن يكون إقناع حور بأنه فتاة.بل سيكون إقناع قلبه بأنه لا يجب أن يقع في حبها.يتبع... ❤️