مدينة الأفق - الفصل الأول (ليلة على طاولة الواحد والعشرين)
مدينة الأفق - الفصل الأول (ليلة على طاولة الواحد والعشرين)
حكاية من بلدة السنابل، سنة ألفين وتسعة عشر
في ريف بلدة السنابل الجنوبية، يقف بيت ريفي صغير من طابق واحد، بغرفتي نوم وحمام واحد، مطلي بلون أزرق هادئ يشبه قشر البيض. يظهر جماله في خشب الواجهة المتين والطوب الأحمر الدافئ، ويحيط به سياج أبيض خشبي. تبدأ الزيارة من شرفة إسمنتية صغيرة تقود إلى باب أمامي بلون العناب، يمنح البيت طابعاً خاصاً. بني هذا البيت في الخمسينيات مثل بيوت الجيران، وحفظ رونقه القديم بخطوطه النظيفة ومزيجه من المعدن والخشب، فظل يحمل سحر البيوت القديمة بعد سبعين سنة.
المساحة الداخلية صغيرة ومريحة. تدخل من الباب الأمامي فتجد غرفة معيشة دافئة. يمتد أمامك طريق مباشر إلى المطبخ، ثم إلى شرفة خلفية مغلقة بالشبك تطل على الهواء الطلق. وعلى يسار غرفة المعيشة، ممر صغير مربع يقود إلى الحمام وغرفتي النوم وخزانة صغيرة أخفيت فيها الغسالة والمجفف. التقسيم بسيط، يمنح البيت حركة سهلة وهادئة.
في صباح ثلاثاء من أواخر أيار، والسماء مغطاة بالغيوم، عاشت سلمى يوماً لن تنساه.
وقفت عند حوض المطبخ، وعينها شاردة في الفناء الخلفي، وغارقة في أفكارها. في زاوية الحديقة كانت طاولة النزهة نصف المبنية، وأكوام من الخشب المعوج وزحليقة مغطاة بالغبار، تذكاراً صامتاً لوعود لم تكتمل.
قاطع صوت آلة القهوة المتكرر شرودها، فأعادها إلى الحاضر. تنهدت، وسكبت لنفسها كوباً في كوب حافظ للحرارة، تبحث في دفئه عن عزاء صغير وسط ثقل الخيبة. وضعت الكوب قرب صندوق طعام أحمر كبير جهزته بعناية قبل ذلك، فشعرت بغصة وهي ترى التناقض بين خطط نسيت وبين روتين يومي لا يتوقف.
أغلقت الكوب بإحكام، ثم أعدت قهوتها على الثلج، وأضافت كريمة القهوة بالشوكولاتة وشراب الشوكولاتة البيضاء. حركت المزيج في مطبخهم الأصفر الباهت، وهو لون لم تحبه لكنها أبقت عليه من أجل فارس، تنازل صغير تكرر في علاقتهما. لم تكن الأمور هكذا دائماً؛ كانت سلمى وفارس يوماً مثالاً للحب، يغبطهما الناس.
ثم تغير شيء، ولم تعرف متى. كان فارس يسرع إلى البيت بعد العمل، أما الآن فلا يكاد يدخل قبل أن تكون سلمى في السرير؛ صارت تترك الأنوار مضاءة، ثم لم تكترث حتى بذلك. لم يقل فارس شيئاً؛ أقنعت نفسها أنها ستكون بخير، وأن فارس سعيد، وهذا كل ما يهم. تستطيع أن تتوجع إلى الأبد ما دام سعيداً.
كانت سلمى تحب صندوق الطعام ذاك، وتعبئه كل صباح بشيء مختلف. كانت تقضي ساعات تتقلب في تطبيقات الأفكار والوصفات تبحث عن جديد يبهج وجبة الطعام، أما الآن فكرهت ذلك الصندوق الأحمر المغطى بالغبار.
قطع صوت الخبازة المفاجئ أفكارها، فأخرجت الزبدة من الثلاجة وبدأت طقس إعداد الفطور. بيدين معتادتين دهنت قطعة وافل، ورشت عليها السكر والقرفة، فامتلأ المطبخ برائحة دافئة.
لمعت خطوات حذاء فارس على الأرض الخشبية، فالتفتت من فوق كتفها تراقبه يدخل المطبخ. شعره الأشقر الترابي الناعم منفوش من النوم، شد قميصه إلى الأسفل وقد ظهر شعار اتحاد العمال المحلي على صدره، فغطى صدره وبطنه المشعرين. لم يكن فارس من الرجال أصحاب العضلات البارزة، بل كانت عضلاته ناعمة.
قالت سلمى: "صباح الخير."
رد فارس بصوت مبحوح وهو يجلس على كرسي المطبخ القديم يربط حذاءه: "صباح النور."
في زمن مضى، كان يستقبلها بقبلة وكلمة: "صباح الخير يا جميلة."
قالت سلمى وهي تراقبه يشد رباط حذائه ويرتشف قهوته: "فكرت أن نشوي شرائح لحم على العشاء الليلة. ما رأيك؟"
أجاب فارس وهو يقف ليأخذ صندوق طعامه: "حسناً."
ثم أضاف: "علي أن أذهب."
وخرج من الغرفة.
تنهدت سلمى بيأس، وسكبت قهوتها. تمتمت وهي تشد حافة الحوض: "حديث ممتع."
ومع دوران القهوة في البالوعة، رأت سلمى قرابة عشر سنوات تضيع.
أغلق الباب الأمامي بقوة، وخرج فارس إلى عمله، لا يعرف ولا يبالي أن سلمى تشعر كأنها تغرق.
بقلب مثقل، وجهت سلمى انتباهها إلى عملها، تبحث عن سلوة في إيقاع الأعمال المنزلية. نظفت المطبخ بعناية، وكل مسحة بقطعة القماش محاولة عبثية لمحو أصداء الخيبة. منحها الروتين هدوءاً قصيراً من العواطف المتلاطمة، لحظة عادية وسط خراب زواجها.
رتّبت غرفة المعيشة، فسمعت صوتاً خافتاً يصدر من الأريكة. اقتربت بدافع الفضول، وأدخلت يدها بين الوسائد، فأخرجت لوح فارس الإلكتروني. جلست على الأريكة، وفتحت الجهاز تنوي أن ترى إن كان يحتاج شحناً.
فوجئت بتنبيب بريد ظهر على الشاشة. عبست سلمى وهي تفتحه، فوجدت رسالة من فتاة على منصة الاشتراكات الخاصة. تركها ما قرأت مصدومة، وعقلها يعجز عن فهم ما رأت.
مررت بعينيها في صندوق الرسائل، واتسعت عيناها من disbelief. رسائل أكثر تؤكد اشتراكات، ومقاطع خاصة، وصور، تملأ الشاشة. كل تنبيه يضيف طبقة إلى دهشتها، حتى شعرت أن قلبها انفتح من الألم. وعدها أن هذا سيتوقف، وأنه حذف الحسابات. لم تفهم لماذا...
وبينما تأملت سلمى زواجها، غمرها شعور بخيبة الأمل، فألقى ظلاً على أحلام الحب والرفقة التي كانت تحملها. ووقفت الحقيقة القاسية أمامها، بعيدة عن حكايات الحب التي آمنت بها.
لا قبلة صباح، لا حديث له معنى، لا شعور بالرفقة؛ تلك حقائق قاسية رافقت يومها. غياب فارس، بجسده وبقلبه، ترك فراغاً لا يملؤه الشوق.
دارت الأسئلة في عقل سلمى، وكل سؤال تذكير موجع بأوهام تحطمت. لماذا يصعب على فارس أن يحضر لزواجهما، أن يمنحها قليلاً من الحب والدعم الذي تحتاجه؟ هل كانت تطلب منه الكثير، أم كانت ساذجة حين انتظرت أكثر من ذلك؟
ثقل الشك جثم على كتفي سلمى، وعبء التوقعات التي لم تتحقق كاد يسحق خيط أملها الرقيق. لكن وسط الظلام، لاح وميض من وضوح؛ ربما كانت فكرتها عن الحب كحكاية سعيدة لا أكثر من وهم، خيال عابر انهار أمام ضوء الواقع القاسي.
هزت رأسها من أفكارها، وأدركت عبث الأمر كله؛ لا يمكن أن تستمر في الصب من كوب فارغ.
في وقت لاحق من ذلك المساء...
تبعت سلمى زوجها من غرفة النوم إلى الأسفل، وقلبها مثقل بثقل الحديث الذي تعرف أنهما يحتاجان إليه.
قالت سلمى: "فارس، هذا مهم لي. علينا أن نتحدث في هذا الأمر."
أجاب فارس بضيق وهو يجلس ليرتدي حذاءه الرياضي: "حسناً."
كانت لديه خطط للخروج.
غرق قلب سلمى من رده المتجاهل.
قالت سلمى: "أنت تعرف أنني لا أحب وجودك على ذلك الموقع..."
قاطعها فارس: "إنها صور فقط، سلمى. ليس الأمر كأنني أخونك."
شبكت سلمى ذراعيها بحذر، ووقفت في مكانها.
قالت سلمى: "لكنني أشعر بذلك. أنت تراسل نساء أخريات تطلب منهن صوراً ومقاطع خاصة، وتدفع لهن."
رد فارس بنفاد صبر وهو يقف، وقد بدا التوتر عليه: "لا تكوني غبية، سلمى. هذا مالي. أفعل بما أكسبه ما أريد."
خيم التوتر على الهواء، وحاولت سلمى أن تجد كلمات تنقل جرحها وخيانتها. لكنها أدركت في تلك اللحظة أن تجاهل زوجها لمشاعرها يكشف حال زواجهما. ومع خروج فارس من الغرفة غاضباً، لم تستطع سلمى أن تنفي شعورها بأن علاقتهما تتفكك أمام عينيها.
تبعته إلى الخارج حيث الشاحنة القديمة الصدئة التي يقودها إلى العمل كل يوم، وقلبها مثقل بالحزن. جرت الدموع على وجنتيها، وهي تصارع الكلمات لتعبّر عن الألم الذي ينهشها.
قالت سلمى بصوت متقطع: "لم أعد أستطيع هذا، فارس."
رد فارس بجفاف: "حسناً."
لم يظهر أي ندم أو تعاطف، وهو يفتح باب الشاحنة ويصعد. قطع جفافه قلبها، وتركها أكثر وحدة من أي وقت.
جلس خلف المقود، ووجهه الخالي من أي تعبير لا يقدم عزاء ولا طمأنينة أنه فهم عمق جرحها.
قال فارس بصوت باهت: "افعلي ما تريدين، سلمى."
ثم أغلق الباب بقوة، وعلق ثقل اللحظة في الهواء. دار المحرك، وابتعدت الشاحنة، وبقيت سلمى وحدها في الممر، وقد صار قرارها أكثر صلابة أمام حقيقة واضحة: عليها أن تصنع طريقها، حتى إن ترك خلفها الحياة التي عرفت.
بقلب مثقل، أدركت سلمى أنها لم تعد تستطيع تجاهل الحقيقة. زواجها في خطر، وعليها أن تواجهه. المستقبل غامض ومليء بالتحديات، لكنها عرفت أنها لا تستطيع الاستمرار في التظاهر بأن كل شيء بخير. حان وقت مواجهة مشاكل زواجها، والاهتمام بسعادتها، مهما كان معنى ذلك.
هزت رأسها من أفكارها، وأقرت بالحقيقة: لا يمكن أن تستمر في العطاء وقد لم يبق لك ما تعطيه.
في غرفة النوم الخافتة، شعرت سلمى بثقل الإحباط، كبطانية ثقيلة تخنق روحها. نظرت إلى الخزانة، حيث وقفت حقائب السفر وحقيبة صغيرة، شاهدة صامتة على اضطرابها.
تنهدت بعمق، واقتربت من الخزانة، وبدأت تضع ملابسها ببطء. كل قطعة تطويها وتضعها في الحقيبة كانت عبئاً يخف، وخطوة نحو الحرية من زواج خانق.
وهي تطوي القمصان والبناطيل، جادلت نفسها بصمت. ربما، ربما فقط، تتغير الأمور إن بقيت. لكن الحقيقة جثمت في عقلها؛ مضت سبع سنوات، وحملت الثلاث الأخيرة نمطاً ثابتاً من الخيبة.
هل تقف عند حوض المطبخ ليلة أخرى تغسل صحن عشائه، وتتمنى، وتأمل أن يسأل عن يومها؟ تنهدت تنهيدة مرتجفة مليئة بالدموع، وأخذت حقيبة مستحضراتها وتوجهت إلى الحمام.
حدقت سلمى في مرآة الحمام، تصارع شكوكها في مظهرها.
همست سلمى: "ربما لم أعد جميلة؟"
دارت أفكارها في دوامة من الشك.
كان الانعكاس الذي قابلها بعيداً عن الفتاة ذات السبعة عشر عاماً التي عرفها فارس أول مرة. الآن، في الرابعة والعشرين، تقبلت سلمى التغيرات التي جاءت مع البلوغ. تغير جسدها، وحمل آثار تجارب الحياة؛ من انحناء بطنها الناعم إلى امتلاء فخذيها.
لكن وهي تفحص انعكاسها، ذكّرت نفسها أن الجمال لا يعرف بالعمر ولا بالكمال الجسدي. الجمال يسكن في الصلابة المحفورة في خطوط وجهها.
بشعور من القبول، تصالحت سلمى مع مظهرها. ربما لم تكن المرأة نفسها التي عرفها فارس سنوات مضت، لكنها أكثر من مظهرها؛ هي ناجية، وامرأة قادرة على احتضان جمالها الخاص، بعيوبه كلها.
في المطبخ الأصفر الذي كرهته، طوت سلمى ورقة بيضاء، وضعتها في ظرف، وأغلقت الظرف، وأسندته إلى آلة القهوة. انتقل نظرها إلى يدها، حيث لمعت الخاتم الصغير الجميل. بدموع في عينيها، أخرجت الخاتم من إصبعها، ووضعته على الطاولة.
توجهت إلى الباب الأمامي، وأخذت حقيبتها، ورمت حقيبة الكتف على كتفها، وأمسكت مقبضي الحقيبة الكبيرة. بنظرة أخيرة، خرجت من الباب الأمامي، وأغلقتها خلفها. سقط المفتاح في صندوق البريد، معلناً نهاية فصل.
كانت شاحنة زرقاء تنتظر في الممر. انفتح باب السائق، وظهر مازن، ابن عمها، رجل طويل أحمر الشعر يضع قبعة سوداء على رأسه، فقابلها في منتصف الطريق.
سأل مازن: "هل أنت واثقة من هذا؟"
تركت سلمى له يأخذ الحقائب من يديها. هل كانت واثقة؟ لا. هل كان هذا ما يجب أن يحدث؟ نعم. نظرت من فوق كتفها إلى البيت الذي حولته إلى وطن، فشعرت بقلبها ينكسر وهي تستدير.
أجابت سلمى: "لا."
ومشت من جانبه إلى الشاحنة.
مع دوران محرك الشاحنة، أدارت سلمى نظرها إلى النافذة، تراقب ابتعادهما عن البيت الذي دعته وطناً. كان فارس ثابتاً في حياتها منذ كانا في السابعة عشرة والثامنة عشرة؛ لم تعرف سواه.
وبينما قاد مازن سلمى إلى المطار، مرت المناظر المألوفة ضبابية من النافذة، وكل لحظة عابرة تضاعف الألم في صدرها. شعر بحزنها، فوضع يداً مطمئنة على كتفها.
قال مازن وعينه على الطريق: "أنت تفعلين الشيء الصحيح، سلمى. الأمر صعب، لكنه ما تحتاجينه."
أومأت سلمى، وفي وجهها مزيج من الامتنان والألم.
قالت سلمى: "أعرف يا مازن. لكنه يؤلم."
شد مازن قبضته على المقود.
قال مازن: "لو حاولت الرحيل وهو هناك، لوجد طريقة تجعلك تبقين. أنت تحتاجين هذا، وأنا أحترمه."
ثم أضاف: "التغيير صعب، خاصة حين يكون كل ما عرفت. لكنه أحياناً الطريق الوحيد للنمو."
وافقت سلمى بصوت ضعيف، وهي تمسح الدموع التي لسعت عينيها. أخرجت هاتفها من جيبها، فرأت رسالة من فارس.
فارس: ذاهب إلى مطعم النخيل. لا تنتظريني.
ضحكت سلمى ضحكة مبللة بالدموع، وهي تحذف سلسلة الرسائل.
مع اقترابهم من المطار، زادت اللوحات والأصوات المألوفة ثقل المشاعر في السيارة. توقف مازن، ونظر إلى سلمى بعينين متعاطفتين وهو يوقف السيارة.
سأل مازن: "تحتاجين مساعدة في إنزال الأمتعة؟"
أومأت سلمى، وابتسمت ابتسامة صغيرة.
قالت سلمى: "نعم، شكراً."
معاً أنزلا أمتعتها على عربة، وبدا كل حقيبة أثقل من قبل.
نظر مازن إليها بقلق وحنان.
قال مازن: "تحتاجين شيئاً آخر؟ مالاً؟ أو ربما عناقاً فقط؟"
ضحكت سلمى وسط مشاعرها.
قالت سلمى: "العناق يبدو مثالياً."
طوقت ابن عمها الأكبر بذراعيها، فعانقها بصمت، يطمئنها دون كلام.
قال مازن وهما يفترقان: "أنت تفعلين الشيء الصحيح، سلمى. هذا التغيير سيكون جيداً لك، وستدركين ذلك قريباً."
تبادلا وداعاً أخيراً، ثم دخلت سلمى المطار بقلب مثقل لتسجيل رحلة إلى مدينة النور.
في الطائرة، جلست سلمى وقد رفعت غطاء رأسها، ملتفة في وحدتها مع أفكارها. وضعت سماعاتها، تلتمس ملاذاً في الموسيقى، لكن ثقل قرارها ضغط على صدرها. أحاطها أزيز الطائرة الهادئ وهي تحدق من النافذة، تراقب بلدة السنابل تختفي تدريجياً تحتها.
وبينما تغير المشهد تحتها، غمرتها موجة من المشاعر. الفراق عن بلدتها والحياة التي عرفت أثار نشيجاً هادئاً أخفته تحت غطاء رأسها. شوشت الدموع الرؤية خارج النافذة وهي تصارع حجم التغييرات القادمة. حملتها الطائرة بعيداً، وتركت قطعة من قلبها خلفها في صفوف الذرة والفول المتراجعة في بلدة السنابل.
لم تزد رحلتها على ساعتين بقليل، لكنها بدت كعمر كامل.
وهي تنزل من الطائرة في مدينة النور، أخرجت سلمى هاتفها من جيبها وشغلته. وبينما انتظرت حقيبتها، رن الجهاز بعدة تنبيهات، فاستقر مزيج من الخوف والحماس في صدرها.
لمحت حقائبها، فأخذتها بسرعة، وشقت طريقها عبر المطار المزدحم نحو الخروج. وما إن خرجت حتى ضربتها طاقة غريبة. كانت مدينة النور مختلفة تماماً عن بلدة السنابل، يظهر ذلك في نسيج المدينة النابض.
صوت أبواق السيارات، وسرعة المارة، وناطحات السحاب الشاهقة، كل ذلك وقف متناقضاً مع هدوء بلدتها. كان الهواء يطن بنبض المدينة، طاقة محسوسة أحاطت بلمى وهي تتنفس بعمق، تستوعب جواً مميزاً ونشيطاً.
ناداها صوت: "سلمى! سلمى!"
التفتت نحو الصوت، وابتسامة تكبر على وجهها وهي تتحرك. كان ياسر أعز أصدقائها، وعصب حياتها.
همست سلمى: "ياسر!"
وتعانقا عناقاً طويلاً بعد غياب.
طوقها ياسر بذراعيه الناعمتين القويتين؛ كان فيه دائماً قوة هادئة. كان يقارب ستة أقدام طولاً، وشعره بني كالشوكولاتة، وعيناه البنيتان أنعم عينين.
قال ياسر وهو يضع خده على رأسها: "يا إلهي، اشتقت إلى وجهك."
وبينما تمسكت سلمى بأعز صديق لها منذ المرحلة المتوسطة، وجدت نفسها تتمنى لو أنهما التقيا أبكر، وتشتاق إلى فرصة تقول إنها عرفت ياسر طوال حياتها. لكن في عناق ذراعيه المألوفتين، لم يهم ذلك؛ بدا كأنهما يعرفان بعضهما منذ الأزل.
قالت سلمى وهي تشهق: "اشتقت إليك أيضاً."
أخذ ياسر حقيبة كتفها، ورمىها على كتفه بجهد مبالغ فيه كأنها تزن طناً. ثم أخذ إحدى حقيباتها ذات العجلات، وتصارع قليلاً في حملها. رمى ذراعه الحرة على كتفها، وجذبها إلى جانبه بمسرحيه.
قال ياسر بمهابة مصطنعة وهو يشير بمسرحيه إلى الشوارع المزدحمة وهما يسيران نحو سيارته: "أهلاً بك في المدينة الكبرى، حيث تموت الأحلام وتبكي الجيوب."
ثم أضاف بابتسامة ماكرة، ونبرته مليئة بالسخرية.
ضحكت سلمى من حركاته، ودفعت أضلاعه بكوعها على سبيل المزاح.
قالت سلمى: "شكراً على الترحيب الحار."
ثم قالت بمثل سخريته: "ذكّرني مرة أخرى لماذا تركت هدوء السهول لهذه الغابة الإسمنتية؟"
قالت سلمى وهي تنظر حولها: "لم نعد في قريتنا الهادئة."
ضحك ياسر.
قال ياسر: "بالضبط. لا تقلقي؛ ستعتادين عليها بسرعة."
ثم أضاف بثقة: "هيا، لنذهب إلى البيت."
شعرت سلمى بموجة امتنان نحو ياسر. لم يساعدها فقط في تدبير مال تذكرة الطائرة، بل فتح لها أيضاً شقته الصغيرة ذات الغرفة الواحدة، وساعدها في مصروفها حتى تجد عملاً. تطلب إقناعها بقبول مساعدته جهداً كبيراً منه، لكن سلمى لم تستطع أن تصف امتنانها لدعمه.
تنهدت سلمى بأمل.
قالت سلمى: "نعم. البيت."
فارس،
ظللت أتصارع مع هذه الرسالة، أحاول أن أجد الكلمات المناسبة. الأمر صعب، كما تعرف. مررنا معاً بالكثير، ويؤلمني حتى التفكير في ما سأقوله.
علي أن أعتذر؛ أنا آسفة حقاً. هذا ليس سهلاً علي. كنا معاً زمناً طويلاً، وفكرة إيذائك تمزقني.
بدا الأمر كأننا في عالمين مختلفين، نعيش في الدنيا نفسها لكننا لم نعد نتشاركها. لم يكن خطأ أحد؛ الحياة مضت بطريقتها. فجأة شعرت أنك غريب، وربما شعرت أنا كذلك. تحولت أحاديثنا إلى روتين، وضاعت الطاقة التي كانت بيننا في مكان ما.
أتمنى لو كانت الأمور مختلفة، ولو لم تكن هذه الرسالة موجودة. لكن ها نحن هنا. سأحمل دائماً الحب والذكريات التي شاركناها، وأرجو أن نجد كلانا السلام مع الوقت.
آسفة، واعتن بنفسك.