مدينة الأفق - بارت 2
مدينة الأفق - بارت 2
مدينة الأفق 1927
في حي الجرف بمدينة الأفق، تقف عمارة قديمة متهالكة في قلب حي قاس. ليست المكان الذي تختاره بطيب خاطر. المبنى، وقد كان متيناً يوماً، صار يحمل آثار الزمن: طلاء متقشر، نوافذ مشقوقة، وإهمال يلف كل شيء.
تقترب، فيضربك العبق: خليط كريه من رطوبة وقمامة وشيء لا اسم له. الممر خافت الإضاءة، تضيئه مصابيح ترتجف، وتصل إليه أصوات بعيدة من حياة المدينة، متناقضة مع الخراب في الداخل.
الشقق صغيرة وضيقة، وجدرانها رقيقة تنفذ إليها أصوات الحي المزعجة. الهواء ثقيل، يحمل ثقل سنوات مضت بلا صيانة. ليس المكان مجرد بيت للسكن، بل تذكير دائم بما يعنيه البقاء في بقعة قاسية من المدينة.
في الطابق السابع، في نهاية الممر، تقع الشقة السابعة، بيت أم وحيدة وطفلها نديم، ابن الرابعة.
داخل الشقة، تشوه البقع السقف كأنها لوحة رسمها الإهمال. السجاد، وقد كان لوناً هادئاً، صار رقعاً من بقع لا تعرف لها اسماً، وكل بقعة تحكي حكاية صامتة.
في المطبخ، تزدحم الأطباق على كل سطح، وترتفع أبراجاً هشة كأنها على وشك السقوط. الحوض ساحة معركة مع صحون وأدوات لم تغسل، ويشهد حرباً خاسرة مع الفوضى. رائحة خفيفة لكنها باقية: طعام قديم ورائحة معدنية لرذاذ الحشرات، دليل على سكان غير مدعوين يشاركون المكان.
بين الأطباق غير المغسولة، تتحرك الصراصير ببرود يزعج الناظر. مكان سلّم فيه النظافة أمره منذ زمن لموج الإهمال، فترك جواً مزعجاً ومقرفاً.
غرفة النوم فوضى. الخزانة، وقد جاءت من زمن بعيد، تقف كذكرى منسية، وأدراجها تحتفظ بغبار السنين. الملابس مبعثرة على الأرض، كأن إعصاراً مر من هنا.
وفي وسط الفوضى، مرتبة. لا إطار سرير فاخر، مجرد مرتبة ملطخة موضوعة على الأرض، تحمل عمرها كوسام. بطانية بائسة مكومة فوقها، تحكي ليالي لم تكن دافئة. الغرفة تذكير قاس بأن الراحة رفاهية في مكان كل يوم فيه معركة مع الصعب.
تحت البطانية المكومة يتحرك الصغير نديم، وبرودة الشقة تذكره دائماً بعطل المدفأة الدائم. يجلس، وشعره الكستنائي منفوش مثل الفوضى حوله. يلبس سروالاً داخلياً ملطخاً مرت عليه أيام أفضل، ويرتجف جسده الصغير وهو يتمدد ليبدأ روتين صباحه.
ينزل من المرتبة ويسرع في الشقة. أول مهامه، طقس يومي فرضته الضرورة، أن يتحقق من مزلاج الباب، محاولة ضعيفة لإضافة طبقة أمان إلى عالمه. يسرع إلى الحمام البائس، فيقضي حاجته. لا يطول الحوض، فيصعد على درج خزانة جره إلى الحمام منذ زمن ليغسل يديه.
يعود إلى غرفة النوم، يطوي بطانينه الصغيرة ويخبئها في الخزانة. يأخذ ملابس مطوية من زاوية السرير: سروال رياضي واسع قليلاً يكشف كعبيه، وقميص يبتلعه لكنه يؤدي غرضه في تغطية ذراعيه.
في المطبخ، يفتح الثلاجة التي تعمل بصعوبة، وفيها رغيف خبز شبه فارغ، وعلبة زبدة فول سوداني على آخرها، وجالون حليب شبه فارغ. يأخذها إلى السطح الوحيد النظيف في الشقة: طاولة القهوة.
يعود إلى المطبخ، ويصعد إلى الكرسي أمام الحوض. بلا صابون، يغسل بأفضل ما يستطيع الطبق والسكين والكوب الذين يستخدمهم كل يوم.
يصنع ساندويتش زبدة الفول السوداني، ويسكب آخر كوب حليب، ويجلس أمام النافذة، طقس يومي منذ انقطع البث التلفزيوني قبل أشهر، يراقب الثلج خارجاً. وهو ينظر، يرى أطفالاً يلعبون في الأرض الخالية مقابل العمارة.
بعد فطوره المؤقت، يغسل أطباقه القليلة بجد. بطنه لم تمتلئ تماماً، وقد تعلم نديم التوازن الدقيق في إدارة وجباته. إن أكل كثيراً الآن، سيجوع لاحقاً. لذلك يلتزم بالروتين: ساندويتش واحد في كل مرة، للفطور والغداء والعشاء. حيلة فرضتها الضرورة، طريقة ليمد ما لديه قليلاً ليصمد أطول وقت ممكن.
ينظر إلى الساعة، وقد لا يعرف قراءتها، لكنه يعرف أن وضعاً معيناً للعقارب يعني أن أمه ستأتي قريباً. بعد ثلاث نومات، وحين يكون العقرب الكبير مرفوعاً والصغير إلى الجانب قليلاً، تعود دائماً.
حين تصل أمه، غالباً ما تحضر رغيف خبز، وزبدة فول سوداني أكثر، وحليباً، وأحياناً حلوى صغيرة لنديم. بلهفة يجثو على ركبتيه أمام الأريكة المكسورة، ويسحب صندوق حذاء. يطرد صرصورين، فيظهر دفتر تلوين وأربعة أقلام: أخضر وأزرق وأحمر وبنفسجي. كان قد استهلك بقية الألوان. إنها هدية ثمينة من أحد أصدقاء أمه المميزين.
تمر الوقت، وتقرقر معدة نديم الصغيرة من الجوع، وينظر إلى الساعة بلهفة. تجاوز العقربان وقت عودة أمه المعتاد. تبدأ الشمس في النزول، ويمتد ظل طويل على الغرفة، ويبدأ القلق يتسلل إلى قلب نديم الصغير. الروتين الذي كان يمنحه الراحة صار مصدر قلق، وكأن الأنماط المألوفة تتفكك.
مع غروب الشمس وألم معدته، يذهب إلى المطبخ، ويأخذ كوبه، ويملؤه ماء. قد لا يكون طعم الماء جيداً ويبدو عكراً، لكنه علاج بسيط لتهدئة معدته.
في الظلام الذي يلف الشقة الآن، يدرك نديم أن أمه لن تأتي اليوم. تتزاحم الأفكار في عقله الصغير: هل أخطأ في الحساب؟ هل كان طماعاً فأكل كثيراً؟ يشعر ببرودة تسكن المكان، فيخطو بحذر. يتحقق من المزلاج، ويطفئ الأنوار، ويتجه إلى غرفة النوم، ويغلق الباب بإحكام.
في الضوء الخافت، يخلع ملابسه، ويطويها بعناية عند طرف السرير. يأخذ بطانينه من الخزانة، ويسرع ليغطي نفسه وهو يطفئ آخر ضوء. لا يحب الظلام، لكنه يخفي دموعه. يشهق نديم الصغير، ويلف نفسه tighter، والأسئلة تتردد في عقله: أين أمي؟ هل نسيتني؟
في ظلام الغرفة الهادئ، يهمس نديم: "أريد أمي."
خرج المحقق ماهر ورفيقته المحققة نجاة من سيارة الشرطة أمام العمارة المتهالكة. نظرت نجاة إلى المبنى وقالت: "يبدو أن هذا المكان عرف أياماً أفضل."
هز ماهر كتفيه: "على كل حال، بعض الناس لا يجدون إلا أماكن كهذه."
دخلا المبنى، وصعدا، وهما يتحدثان عن عدم تصديقهما أن أحداً يترك طفلاً في الرابعة وحده هكذا.
قالت نجاة وهي تهز رأسها: "لا أفهم يا ماهر. كيف يترك أحد طفلاً بهذه الطريقة؟"
أومأ ماهر: "لو عرفت الجواب، لما كنا هنا نعمل."
وصلا إلى باب الشقة، فطرق ماهر بقوة، وتردد الصوت في الممر الخافت.
سمع نديم الطرق وأصواتاً غريبة تناديه داخل الشقة الخافتة. سيطر الخوف، فسحب البطانية على رأسه، يبحث عن ملاذ من الزوار المجهولين. تسربت أصوات العالم الخارجي، المخيفة والغريبة، إلى مكانه الصغير وهو يحاول فهم الموقف.
حركت نجاة مقبض الباب، تحاول فتحه. قالت وهي تنظر إلى ماهر: "المزلاج مغلق."
تراجع ماهر خطوة، وجهز نفسه. قال: "دعيني أتولى الأمر."
ثم رفس الباب بقوة فانفتح.
وهما يدخلان، لاحظت نجاة القذارة حولهما. قالت: "هذا المكان خرابة."
أومأ ماهر، وهو يفحص الشقة بحثاً عن الصبي.
دخل المطبخ، وفتح الثلاجة. قال: "انظر إلى هذا، لا طعام تقريباً."
سمعا صوتاً من غرفة النوم.
تحركت نجاة بحذر نحو الصوت، وقالت: "لنفحص غرفة النوم."
وجدا نديم الصغير على المرتبة الملطخة، ملتفاً في بطانية رقيقة.
قال ماهر للصبي الخائف: "مرحباً نديم، اسمي ماهر، وهذه نجاة. نحن محققان."
جلست نجاة على مستوى الصبي. قالت: "نديم، سنأخذك إلى الطبيب ونعطيك شيئاً تأكله."
رفع نديم رأسه قليلاً، ولمع في عينيه أمل.
وقف المحققان خارج مستشفى نديم، ووجههما مثقل بثقل الموقف. كان الصبي قد تعلق بماهر، وقبضته الصغيرة تحكي خوفاً وعدم يقين. كل صرير أو صوت كان يجعله متوتراً، دليلاً على ما تحمله.
قال ماهر وهو يعقد ذراعيه بإحباط: "أتساءل كم بقي الطفل وحده."
تنهدت نجاة وهزت رأسها: "لا أعرف. لا أعرف كيف أخفت هذا كل هذه المدة."
ثم أضافت بمزيج من عدم التصديق والغضب. كانت ترغب في مواجهة غادة.
انفتح الباب، فالتفتا. خرج الطبيب سامر. ترك ماهر الحائط، مستعداً لسماع ما يوضح حالة نديم.
سأل ماهر بصوت يملؤه القلق: "كيف حال نديم؟"
تنهد سامر: "وزنه أقل من الطبيعي، ويعاني سوء تغذية، لكن الحمد لله لا توجد علامات إيذاء جسدي."
ثم أضاف بامتعاض من حالة الصبي: "وزنه لا يكاد يبلغ وزن طفل في الثالثة."
مررت نجاة يدها في شعرها، وبدا الارتياح عليها. سألت: "ما خطة علاجه؟"
قال الطبيب سامر: "سنبدأ له بنظام غذائي مغذٍ، ونراقب تقدمه، وننسق مع الجهات المناسبة لدعم مستمر."
ثم نظر إلى نديم في الغرفة، وهو يأكل كوب هلام ببطء. قال: "أخبراني أن الأم محتجزة."
قبل أن يجيب المحققان، لفت انتباههما صوت كعبين يقتربان. كانت وداد شريف، امرأة ذات سلطة وذوق رفيع في بدلة رسمية من قطعتين. اقتربت، وخصلات شعرها البني ترتد مع كل خطوة، وبدت غاضبة وحازمة.
قالت وهي تحييهما بحرارة لكن بسلطة: "أيها المحققان، أيها الطبيب. أنا وداد شريف من إدارة حماية الطفل."
تبادل ماهر ونجاة النظر، وأقرا بوجود ممثلة الإدارة.
سألت وهي تنظر إلى الغرفة: "كيف حال الصبي؟"
عقد الطبيب سامر ذراعيه: "كما هو متوقع مع هذا القدر من الإهمال."
ثم شرح بامتعاض حال نديم.
قالت وداد: "شكراً أيها الطبيب."
ثم التفتت إلى المحققين. سألت وعيناها عليهما: "هل نعرف أين الأم؟"
شهقت نجاة: "نعم، هي محتجزة."
ثم نظرت إلى حذائها بعبوس. قالت: "بعد أن جلست في الحجز ست ساعات، أخيراً قالت شيئاً عن أن طفلها في الرابعة تُرك وحده."
وكان الإحباط واضحاً في صوتها.
سألت وداد: "أخبراني عن الظروف."
أومأ ماهر: "وجدنا نديم وحده في وضع صعب. عفن، صراصير، لا طعام، ماء مشكوك فيه، كل ما تتخيلينه كان في تلك الشقة. المكان لا يصلح لأحد، فضلاً عن طفل."
أظهرت وداد تعاطفاً. قالت وهي تنظر مرة أخرى إلى الغرفة، حيث كان نديم يمسح آخر بقايا الهلام من الكوب: "شكراً لتنبيهنا إلى هذا الوضع."
سألت وداد وعبوس القلق على جبينها: "هل لديكما فكرة عن مدة تركها له وحده؟"
هز ماهر رأسه: "ليس بعد. بدأنا التحقيق للتو. يبدو أن الطفل خائف من الكلام."
قالت وداد: "حسناً، لنضمن أن يكون في أيدٍ أمينة من الآن. سنعمل على إيجاد مكان مناسب له."
أضافت نجاة: "هل نحتاج إلى البحث عن عائلة أو شخص يمكنه رعايته؟"
وافقت وداد: "سأنسق مع الجهات المحلية. ركزوا أنتما على الجانب القانوني، وتأكدا أن الأم تواجه عواقب فعلها."
الحاضر، حي التلال بمدينة الأفق
في حي مرغوب في التلال، يقف بيت فخم، صممه المعماري سليم حمدان، ويمتد فخره على خمسة طوابق ونصف. مساحة تقارب عشرة آلاف قدم مربع، ويملكه بهدوء رجل اسمه نديم بن غالب الشريف، المعروف في عالم المال بلقب بديع. كل زاوية فيه تنطق بالترف.
بعد أن تجتاز إجراءات أمنية مشددة، يشرف عليها حراس يتناوبون، وتمر عبر بوابة كشف المعادن، تدخل من حديقة مسورة وباب حديدي مزخرف. يستقبلك بهو تغمره الشمس، وأرضيته من الحجر الجيري المدفأ. الطابق الأرضي يمتد بسلاسة إلى غرفة زاوية وجناح شمسي ومكتب منزلي، وكلها تفتح على حديقة داخلية هادئة، ملاذ خاص يلفه السر. مصعد خشبي يربط الطوابق بهدوء.
اصعد الدرج إلى طابق الصالة، حيث أسقف عالية تبلغ اثني عشر قدماً تحيط بغرفة معيشة واسعة وغرفة طعام تزينها مدافئ حطب. أبواب زجاجية تدعوك إلى شرفة، تمحو الحدود بين الفخامة الداخلية والخارجية، وتطل على الحديقة المنظمة في الأسفل.
يكشف الطابق الثالث جناحاً رئيسياً فاخراً، ملاذاً من الأناقة بشرفة وممر ملابس وحمام رئيسي بطول عشرين قدماً مغطى بالرخام. مكتبة زاوية دافئة بمدفأة تزين هذا الطابق، بينما يضم الطابق الرابع غرفتي نوم تغمرهما الشمس، ولكل منهما حمام خاص، وغرفة جلوس مركزية.
في الطابق الخامس غرفة ضيوف جميلة، ومطبخ صغير مخفي، وغرف نوم إضافية، إحداها تعمل كاستوديو فني، وتفتح على شرفة جنوبية. أما الطابق السادس فيتوجه البيت بغرفة حديقة، وأرضيات حجر جيري، وحديقة مشاهدة يابانية أبدعها مهندس حدائق ماهر.
في الطابق السادس، حديقة سطح خضراء بمدفأة حطب تقدم ملاذاً ساحراً. الطابق السفلي يحتضن الفخامة: قبو نبيذ يتسع لستمائة وخمسين قارورة، وصالة رياضية بجدران مرايا، ومسبح بطول ثمانية وعشرين قدماً بلا كلور، في عرض يناسب مليارديراً ورئيس مجلس إدارة شركة الشريف للاستيراد والتصدير، ومالك منتجع التلال وفندق القمار، وزعيم عالم المدينة السفلي، غالب الشريف.
استيقظ بديع فجأة، وأنفاسه سريعة وضحلة. جلس في السرير، والعرق يلمع على جلده الموشم، بقايا كابوس أفلت منه للتو. رمى الملاءات جانباً كأنه يهرب من خيوط عقله الباطن. أنزل قدميه عن حافة السرير، ومرر يديه الموشمتين على وجهه وشعره الكستنائي الطويل، يحاول محو أصداء الصور المزعجة.
أمسك بحافة السرير، ونظر إلى الساعة: الرابعة والنصف صباحاً. كانت الغرفة في ظلام خافت؛ فقام وأخذ سرواله الرياضي المطوي بعناية على الكرسي قرب السرير.
تحرك بديع في بيته الخافت، وجمع شعره في كعكة منخفضة، وذكريات الحلم ما زالت عالقة. وصل إلى صالة الرياضة المنزلية، والهواء ثقيل برائحة العرق والإصرار. كانت الغرفة تضم أوزاناً وأجهزة كثيرة، لكن نظره توقف على كيس ملاكمة ثقيل معلق بسلسلة متينة في الزاوية.
بلا تردد، لف يديه، ووشوم أصابعه تلمع في الضوء الخافت. تردد صوت ضرباته على الكيس في الغرفة، يطلق الإحباط والذكريات التي تطارده.
أي أم تترك طفلاً في الرابعة وحده هكذا؟ أي أم تنتظر ست ساعات لتقر أن طفلها تُرك وحده، خائفاً، بارداً، جائعاً؟ كل لكمة كانت تنفيساً، ومواجهة لشياطين طفولته التي تظل في ظلال أفكاره.
سال العرق على وجهه، وشدت عضلاته، ومع كل ضربة شعر بعودة شيء من السيطرة. صار الحركة المتكررة طقساً علاجياً، تجسيداً جسدياً لمعركة داخله. ترددت أصوات الجهد في الغرفة، صراع صامت في ملاذه الخاص.
مع خفوت ضرباته، تراجع، وصدره يعلو ويهبط، ومسح العرق عن جبينه. تمايل كيس الملاكمة بهدوء، شاهداً على العاصفة التي مرت. في السكون الذي تلا، تنفس بديع بعمق وأخذ زجاجة ماء من الثلاجة الصغيرة.
نادى مقعد الأثقال، ومعدنه البارد متناقض. وهو يرفع الأوزان، لمعت ذكريات دور الرعاية. كل بيت فصل من ماضيه المضطرب: محاولات للعودة إلى الحياة الطبيعية، وقواعد غير مرحب بها، جعلته يشعر أنه عبء.
صارت الأوزان قناة للغضب المكبوت. ظهرت وجوه آباء وأمهات بالرعاية، رحماء وقساة. صور أسقف غير مألوفة وحزم دائم في الذاكرة. العضلات المشدودة شهدت على الاضطراب العاطفي، ومقعد الأثقال ساحة واجه فيها بديع ماضيه المتشقق. كل رفعة حملت العبء الجسدي والصلابة التي صقلتها الشدائد.
بعد أن أنزل الأوزان، رسمت حبات العرق مسارات على جبينه. تذوق بديع لحظة تحرر؛ أخذ منشفة من السلة على المقعد ومسح وجهه.
قال صوت مألوف: "ألا تنام أبداً؟"
ضحك بديع: "النوم، وما النوم؟"
ثم نظر إلى أعز أصدقائه وذراعه اليمنى، سيف.
كان سيف، بفكه الحاد وعينيه الزرقاوين الحانيتين، صديق بديع منذ كانا صبيين. في تلك السنوات المبكرة، صار رفيقاً ثابتاً، وقف مع بديع في العلو والهبوط.
التقيا في المدرسة الابتدائية، في الصف الثالث، بعد أن تبنته عائلة الشريف بقليل. لم يكن يتوقع أن يُتبنى. في أحد بيوت الرعاية الكثيرة، أوضح بعض الأولاد الأكبر أن الأطفال الرضع والصغار فقط هم من يُتبنون. لذلك، حين جاءت وداد، أو وداد كما طلبت أن يسميها، وأخذته من بيت آل جابر وقالت إنه سيعود معها إلى البيت، كان الارتباك أضعف وصف لحاله.
قال سيف وهو يضغط على شاشة الجهاز اللوحي في يده: "لدينا يوم مزدحم اليوم."
صدر من الجهاز صوت جعل سيف يتجهم. قال: "حسناً، كان لدينا يوم مزدحم."
صحح كلامه.
ضحك بديع وهو يضع المنشفة على كتفيه: "هل حذفت يوماً آخر فعلاً؟"
تمتم سيف: "اصمت."
ثم حاول بجد أن يفهم ما حدث. قال وهو يعبس في الجهاز: "أكره هذا؛ لست سكرتيراً ولا مساعداً شخصياً."
منذ تقاعدت رتيبة، احتاج بديع إلى مساعد. لم يكن سيف مساعداً سيئاً في جوهره؛ لكنه كان يحذف أياماً كلما لمس الجهاز.
سأل بديع وهما يخرجان من الصالة: "ظننتك أرسلت رسالة إلى شهد وسوسن؟"
ثم مسح العرق عن رقبته.
سأل سيف بخجل: "هل كان علي أن أفعل ذلك؟"
أجاب بديع وهما يتجهان إلى المطبخ: "نعم، كان عليك."
كان حقاً بحاجة إلى مساعد جديد قبل أن يضطر إلى طرد أعز أصدقائه.
تحرك بديع إلى المطبخ، وقدماه الحافيتان تلامسان البلاط البارد. أخذ الخلاط، ويداه الموشمتان تعملان بسهولة معتادة. وهو يقيس مسحوق البروتين ويضيف ملعقة زبدة فول سوداني، وقف سيف قريباً، يتصفح الجدول الرقمي على جهازه.
بدأ سيف يشرح أحداث اليوم: مزيج من اجتماعات عمل وقرارات إدارية، وتعاملات مع عالم الجريمة الذي يقوده بديع، بعيداً عن العالم الشرعي. كانت ازدواجية حياته حبل مشدود أتقنه، يوازن بسهولة بين نجاح الشركات وعالم سفلي خفي.
مع دوران الخلاط، اختلط صوته بشرح سيف لأحداث اليوم. بقيت عيناه الزرقاوان مركزة على ما يختلط في الخلاط.
طريق بديع إلى الرجل القوي الذي صار عليه لم يكن متوقعاً. كان أبوه بالتبني، غالب الشريف، يحتل مكانة بارزة كزعيم لعالم المدينة السفلي. احتاج غالب إلى إرث، إلى ابن، ويفضل أن يكون ابناً. لم تكن حياته حياة لامرأة؛ حرص أن تبقى وداد بعيدة عن أي تعاملات مشبوهة. حاولا سنوات الإنجاب، ومع كل محاولة وكل مال أنفقه غالب، كان الناتج هو نفسه.
لكن حين ذكرت وداد الصغير نديم في حديث عشاء عابر، لمس قلبه عمق حكاية الطفل. بعد سنوات من سماعه عن شدائد نديم في سنواته الثماني القصيرة، فاجأ غالب زوجته بقرار تبنيه. التغيير القانوني من نديم جابر إلى نديم بن غالب الشريف عكس حباً عميقاً نبت في قلب غالب على غير توقع.
بعد عشر سنوات، وعلى غير توقعهما، أنجبت وداد طفلة جميلة.
كبر بديع مع ثلاث شقيقات صغيرات، ظهرن واحدة بعد الأخرى خلال ست عشرة سنة، في بيت مزج حياة الأسرة العادية بتعاملات العالم السفلي الخفية. في الخامسة عشرة، وجد نفسه يجلس في اجتماعات مجلس الإدارة، يلتقط فهماً لعمل العائلة. في السادسة عشرة، أخذ دوراً أنشط، وتعلم فن حمل السلاح، ودخل سريعاً في تفاصيل عمليات عائلة الشريف غير المشروعة.
أنهى سيف عرض الجدول بينما صب بديع الخليط الكثيف في كوب. وبكوب البروتين في يده، استمع بانتباه إلى ما ينتظره في الإمبراطوريتين في يوم شباط البارد.
كان بديع منكباً على الأوراق المتناثرة على مكتبه الواسع في المكتب المنزلي. جلس سيف مقابله، يعبث بهاتفه. وبينما راجع بديع أرباح المنتجع، كان جزء كبير من أعماله المشبوهة يجري في غسيل الأموال وتقريض المال. لاحظ بعينيه الحادتين عدة دفعات متأخرة من أحد الزبائن الدائمين.
تراجع في كرسيه، وتأمل الأرقام أمامه. أخذ سيجارة، عادة التصقت به عبر السنين، وأشعلها. ملأ دخان طويل الهواء، وبقي نظره على الأرقام. على الأقل كان يستخدم شهادة إدارة الأعمال استخداماً جيداً، طريقاً مهده له غالب، أبوه بالتبني، حين ضمن له تعليماً جيداً. لكن الأمر لم يكن من غالب وحده؛ كان بديع يحمل الدرجات التي تؤهله.
انتقل نظره إلى صورة العائلة في الإطار الفضي على طرف مكتبه، تجمع ابتسامات والديه وشقيقاته الثلاث. كانت ربيعة تصغره بعشر سنوات، وجابريلا تصغره باثنتي عشرة، وجيلان تصغره بست عشرة. حين ولدت جيلان، كان بديع قد صار رجلاً، ولم يقلل فارق العمر من الرابطة بينه وبين أصغر شقيقاته.
تنهد بديع، وأخذ نفساً آخر من السيجارة. رقصت خيوط الدخان وهو يزفر، وعادت أفكاره إلى العمل.
قال بديع وهو يرفع نظره عن السجلات المالية: "سيف، رتب اجتماعاً في مطعم الزيتون ليلة السبت. أريد أن أتحدث مع صديقنا زكي عن تلك الدفعات المتأخرة."
أومأ سيف: "حاضر يا بديع. سأرتب الأمر."
ثم فتح جهات الاتصال ليحجز.
قال بديع وهو يقلب صفحة: "أشتهي طعاماً إيطالياً."
ثم سأل: "هل تواصلت مع شهد في مكتب شهد وسوسن؟"
أومأ سيف: "نعم. قالت إنها سترفع ملفنا إلى أول القائمة."
عاد المكتب إلى صمته، إلى أن قطعته جيلان فجأة. رغم أن مظهرها كان مرتباً في طقم رياضي وردي فاخر، وحذاء يطابقه، وقلادة من البلاتين والماس تحمل حرف اسمها، وسوار ثمين حول معصمها، إلا أن نشيجها أوضح أن كل شيء لم يكن بخير. دخل خلفها سالم، صديق مقرب آخر وموضع ثقة لبديع، وبدا الاعتذار على وجهه.
قال سالم: "آسف. حاولت إيقافها، لكنها كانت مهمة."
كان بديع واقفاً في ثوان. أشار لسالم ألا يقلق. أمسك وجه جيلان المبلل بالدموع برفق، وضاقت عيناه حين رأى الكدمة الداكنة حول عينها. كان غضب صامت يشع منه.
قال بصوت هادر: "أحضر لي ثلجاً حالاً!"
تفرق الناس خارج مكتبه بسرعة، وهم يشعرون بالحاجة. قال بهمس لأخته وهو يلف ذراعه حول كتفيها: "هيا يا جمان."
قاد أخته إلى الأريكة الجلدية الفاخرة في مكتبه، وكان في صوته شدة مضبوطة وهو يسأل من آذاها.
قال بديع بصوت حازم يمزج القلق والغضب: "من فعل هذا بك يا جمان؟"
ترددت جيلان قبل أن تكشف الحقيقة الموجعة، واندفعت غريزة الحماية عند أخيها إلى المقدمة.
تمتمت جيلان وعيناها إلى الأسفل: "فهد."
تبادل سالم النظر مع بديع وسيف، والثلاثة يعرفون أن الرد قادم.
قال بزمجرة: "ابن الكلب."
لم تكن هذه المرة الأولى التي يمد فيها فهد يده إلى جمان.
طرق الباب، وكان سيف هناك، أخذ الثلج وسلمه لبديع، الذي ضغط الكيس الملفوف برفق على عين أخته. كان شفة جيلان متورمة، وفيها شق، وتأوهت حين مسح الدم عنها بحذر.
قال وهو يحتضنها: "سأتكفل به."
شهقت جيلان وشمخت ضد صدره. سألت: "ماذا ستفعل؟"
قال بظلمة وهو يربت على شعرها برفق: "سأجعل الأمر واضحاً جداً: هذا ما يحدث حين تمد يدك إلى من يحبه نديم الشريف."
ثم نظر إلى سيف، الذي أومأ وانسل من الغرفة.
تعلقت جيلان بأخيها، ونظرت إليه بعينين زرقاوين مبللتين. قالت بدموع: "كنت محقاً يا بديع."
قال وهو يهدئ أخته الصغيرة: "ششش، لا داعي لذلك."
خرج بديع من مؤخرة سيارة فاخرة سوداء، يرتدي طقماً كاملاً من أفخم الملابس السوداء. ظهرت وشومه قليلاً من تحت ياقة ثوبه المخيط بعناية. كان شعره الكستنائي ملموماً في كعكة صغيرة عند أسفل رأسه. وضع نظارة شمسية سوداء، وأظهر ثقة هادئة. تدلت سيجارة من أصابعه بينما مشى بخطى واثقة عبر الممر الحصوي نحو مستودع كبير. كل خطوة فيه سلطة مضبوطة، تجسيد لرجل يفرض الانتباه دون كلمة.
انتظر سيف بديع عند باب المستودع، وأومأ إقراراً بوصوله. أخذ بديع نفساً أخيراً من سيجارته، ورمىها بعيداً قبل أن يخاطب سيف.
سأل بديع والدخان يلتف حوله: "هل رآك أحد وأنت تأتي بهم؟"
هز سيف رأسه: "لا. وإن رأوا، لن يتكلموا."
أومأ بديع، ودخل المستودع بثقة، وهو يستخدم أيضاً كمخزن لأعماله الشرعية. العاملون هنا يعملون أيضاً في الفندق والمنتجع، ويعرفون أن يبقوا أفواهم مغلقة.
في الغرفة الخلفية الخافتة، كان فهد موثقاً إلى كرسي خشبي، مقيداً ومكمماً. ارتسم الذعر على وجهه حين عرف دخول بديع، وبدا وكأنه يخفي رجاءً خلف القيود.
شد فهد على الأربطة الضيقة التي أسرته، وخرجت أصوات احتجاجه مكتومة عبر الكمامة. اتسعت عيناه خوفاً حين اقترب بديع، والضوء الخافت يلقي ظلاً منذراً على المشهد. بدا أن الغرفة تضيق حول فهد حين أدرك خطورة الموقف، فاشتدت مقاومته محاولاً تحرير نفسه.
ملأ ضحك سيف الداكن الغرفة وهو يرى خوف فهد. قال وهو ينظر إلى بديع: "يبدو أنه خائف حقاً."
بقي وجه بديع صارماً. قال: "ويجب أن يكون."
ثم اقترب من فهد. بلا تردد، نزع الشريط اللاصق عن فمه، فظهر مزيج من الخوف واليأس في عينيه. خرجت منه أنة لا إرادية، وظهرت بقعة على سرواله وهو يبدأ بالتوسل.
قال فهد: "أرجوك، أنا... أنا..."
زأر بديع: "اصمت."
ثم دخل في مساحة فهد الشخصية. قال: "مددت يدك إلى جمان."
ثم تراجع عن الرجل المقيد. أضاف وصوته مثقل بالغضب وخيبة الأمل: "ضربت أختي... أختي الصغيرة."
وبينما ترددت أنات فهد في المستودع، بقي غضب بديع يغلي كبركان مستعد للانفجار. نظر إلى سيف، الذي أومأ فقط، وهو يفهم العنف القادم.
قال بديع ببرود وهو يستدير عن فهد ليخاطب سيف: "يمكنك أن تذهب الآن."
تردد سيف لحظة قبل أن يومئ ويختفي في ظلمة المستودع.
عاد بديع بتركيزه إلى فهد، وعيناه لا تترددان على الرجل الجبان الذي تجرأ على مد يده إلى أخته. تقدم نحو فهد بخطوة مقصودة، مثل ذئب يقترب من فريسته.
قال بديع بصوت منخفض مهدد: "حذرتك ألا تلمسها. كان عليك أن تسمع."
ارتجف جسد فهد خوفاً، وسال العرق على جبينه وهو يواصل مقاومة قيوده. لكن بديع لم يكن ليثنيه شيء. أدخل يده في بدلته الفاخرة وحمله الكتف، وأخرج مسدساً أسود يلمع.
راقب سيف من مكانه، ووجهه لا تعبير فيه. كان قد رأى غضب بديع من قبل، ويعرف العواقب.
أزال بديع أمان المسدس، وتردد الصوت في المستودع. اتسعت عينا فهد من الرعب، وسكن جسده حين أدرك جسامة الموقف. كانت عيناه تتوسلان، وإدراك مصيره المرتقب مرتسم على وجهه.
اقترب بديع، واستخدم ماسورة المسدس ليرفع ذقن الأسير نحوه. لم يبتعد نظره عن عيني فهد، وكان صوته منخفضاً ومهدداً.
كرر بديع: "كان عليك أن تسمع."
ثم أضاف بصوت وعد داكن: "الآن سأتأكد أنك لن تلمس أحداً من عائلتي مرة أخرى."
اشتدت مقاومة فهد، وخرجت صرخاته مكتومة بالكمامة وهو يتوسل للرحمة.
أخرج بديع بهدوء مفصلات نحاسية من جيب سرواله، وأدخلها في أصابعه الموشمة.
خرج سيف بهدوء، واختار ألا يشهد الوحشية في الداخل. ترددت الضربات المملة لبيد بديع على وجه فهد عبر الباب، وتحولت التوسلات إلى أصوات مكتومة ومتقطعة. ثم خيم صمت مفاجئ، وتبعه صوت طقطقة حادة لمسدس يُجهز، ثم صوت فرقعة عالٍ ارتد في المستودع. نظر العمال لحظة نحو المصدر، ثم عادوا سريعاً إلى عملهم، والتيار العنيف صار جزءاً من روتينهم اليومي.