أنتِ خطيئتي الأولى | المقدمة
أنتِ خطيئتي الأولى | المقدمة
إسطنبول السابعة مساءً
كان المطر يضرب زجاج المبنى الشاهق بعنف، فيما انعكست أضواء المدينة على الطاولة السوداء أمام يامان أرسلان.
جلس في صدر قاعة الاجتماعات، محاطًا برجالٍ يعملون داخل امبراطوريته في الليل والنهار و أمامه ملفات مفتوحة، وأرقام بملايين الدولارات، وصفقة كادت تنهار بسبب خطأ صغير ارتكبه أحد شركائه.
رفع يامان عينيه عن الأوراق :-
- أريد تفسيرًا واحدًا يجعلني أقتنع بأنني لم أُحط نفسي بمجموعة من الحمقى.
ابتلع الرجل الجالس قبالته ريقه، ثم بدأ يتلعثم:-
- سيدي الأمر ليس كما تظن... يمكننا إصلاح آآآ.....
- سألتك عن تفسير، لا عن قدرتك على الكلام.
اخفض الرجل رأسه بحرج، ثم أغلق يامان الملف أمامه ببطء و أشار إلى الباب :-
- انتهى الاجتماع ليغادر الجميع، اما انت ابقى.....!
نهض الرجال فورًا، ولم يجرؤ أحدهم على النظر إلى زميلهم الذي بقي في مكانه شاحب الوجه.
كان يامان يكره الفوضى، ويكره الضعف أكثر
قاطعه رنين هاتفه فظهر اسم امير على الشاشة.
أجاب دون تحية :-
- إن كنت تتصل لتخبرني بأن الصفقة تأجلت، فلا داعي لذلك.
جاءه صوت أمير جادًا على غير عادته :-
- انزل إلى المدخل.
قطّب يامان حاجبيه :-
- ما السبب؟
- هناك امرأة تنتظرك.
- لديّ عمل.
صمت أمير لحظة، ثم قال بحذر :-
- يامان... إنها نيسان.
توقفت أصابع يامان فوق سطح المكتب
لثانية واحدة فقط، خُيّل إلى أمير أن الاتصال قد انقطع.
ثم جاء صوت يامان منخفضًا، باردًا على نحوٍ مخيف :-
- أعد ما قلته......!
- نيسان أيدن. إنها هنا.....!
كانت نيسان تقف أمام البوابة الزجاجية، وثيابها المبتلة تلتصق بكتفيها ، احتضنت حقيبتها الصغيرة بيد، وأمسكت بيد ديمير باليد الأخرى.
كان الصغير يرتجف من البرد، وقد التصق بجانبها محاولًا الاحتماء بها من المطر
رفعت نيسان يدها ومسحت قطرات الماء عن جبينه، ثم حاولت أن ترسم ابتسامة مطمئنة على شفتيها :-
- روحي هل تشعر بالبرد ؟
أومأ برأسه، لكنه لم يكن منشغلًا بالبرد بقدر انشغاله بالخوف الذي يطارده منذ بدأ والده يهدده بأخذه بعيدًا عن أمه. رفع عينيه إليها وسأل بصوت خافت:-
- أمي، هل سيأخذني أبي بعيدًا عنك ؟
تجمّدت ابتسامتها.
منذ أن بدأ باريش يهددها بحرمانها من ديمير، لم يعد الطفل ينام مطمئنًا كما كان، صار يسألها كلما ابتعدت عنه إن كانت ستعود، ويتشبث بيدها كلما شعر باضطرابها.
لم يكن يعرف شيئًا عن صراعات الكبار، ولا عن المال والنفوذ والمحاكم. كل ما فهمه أن أباه يريد أخذه بعيدًا عن أمه، وأن أمه تخشى ذلك أكثر من أي شيء آخر.
انحنت نيسان أمامه، وأحاطت وجهه بكفيها :-
- انظر إليّ يا حبيبي. أنا هنا معك، ولن أتخلى عنك أبدًا. سأفعل كل ما أستطيع حتى أبقى إلى جانبك.
- حتى لو غضب أبي؟
ابتلعت غصتها، ثم ضمته إلى صدرها :-
- حتى لو غضب العالم كله، فلن أتخلى عنك.
تشبث ديمير بها وأغمض عينيه.
أما نيسان، فأغمضتهما هي الأخرى، محاولةً حبس دموعها قبل أن يشعر بها. لم تكن تعرف إن كان الرجل الذي جاءت إليه سيقبل مساعدتها، لكنها لم تعد تملك رفاهية التراجع.
لم تأتِ لأنها نسيت ما فعله بها الزمن، ولا لأنها ظنت أن يامان سيستقبلها بذراعين مفتوحتين.
جاءت لأنها لم تعد تجد بابًا آخر تطرقه.
وفجأة، انفتح الباب الزجاجي وظهر يامان أرسلان ببدلته السوداء، وخطواته الهادئة، وملامحه التي لم تتغير بقدر ما تغيّرت الحياة بينهما.
رفعت نيسان رأسها والتقت عيناهما
ثماني سنوات اختفت في لحظة، ثم عادت دفعة واحدة، محمّلةً بكل ما لم يُقَل، وكل ما لم يُغفَر، وكل ليلة أقنع فيها أحدهما نفسه بأنه نسي الآخر.
توقفت عيناه عند وجهها أولًا، ثم انخفضتا إلى يدها الممسكة بيد الطفل تجمّد شيء في ملامحه.
لم تكن تلك نظرة رجلٍ فوجئ بعودة حبيبة قديمة ، كانت نظرة رجلٍ رأى شبحًا خرج من قبره.
قطعت الصمت الثقيل ومحاكاة العيون بينهما ونطقت نيسان بصوت خافت :-
- مساء الخير، يامان.
ليرد هو بغرور :-
- يامان... ؟ سيد يامان......
ابتلعت ريقها بغصة وحاولت أن تحافظ على ثباتها، رغم أن ساقيها كادتا تخذلانها.
- سيد يامان أعلم أنني آخر شخص ترغب في رؤيته، لكنني لم آتِ لأطلب منك أن تسامحني.
ارتسمت على فمه ابتسامة باردة لم تصل إلى عينيه :-
- جيد، لأنك لن تحصلي على ذلك .
أطرقت رأسها لحظة، ثم رفعت نظرها إليه من جديد :-
- أحتاج إلى مساعدتك.
ضحك ضحكة قصيرة وقال بتهكم :-
- هه بعد ثماني سنوات، تذكّرتِ أنني موجود؟
- لو كان لديّ خيار آخر، لما وقفت أمامك الآن.
- ألم يكن لديك خيار آخر يوم غادرتِ أيضًا؟
ارتجفت شفتاها، لكنها لم تجبه، اقترب خطوة، ثم قال بسخرية لاذعة:-
- أخبريني يا نيسان، هل نفد المال هذه المرة؟ أم أن الرجل الذي اخترتِه بدلًا مني لم يعد قادرًا على منحك الحياة التي حلمتِ بها؟
أصابتها كلماته في الموضع الذي حاولت حمايته طوال الطريق ، لكنها لم تسمح لدموعها بالسقوط اجابت وهي
تنظر لطفلها :-
- الأمر يتعلق بديمير.
ضيق حاجبيه ونظر يامان إلى الطفل كان يختبئ خلفها ، قابضًا على يدها بكلتا يديه ، ينظر إليه باستغراب ....!
سأل يامان، من دون أن يرفع عينيه عن نيسان :-
- من يكون؟
- ابني.
- وأين والده؟
ترددت قبل أن تجيب :-
- هذا هو سبب مجيئي. والده يريد أن يأخذه مني.
لم تتغير ملامح يامان، لكنه أعاد النظر إلى الطفل، الذي ازداد تشبثًا بأمه كلما ارتفعت نبرة الحديث.
قال ببرود :-
- وما علاقتي أنا بمشكلتك مع زوجك ؟
رفعت نيسان عينيها إليه :-
- لقد تطلقنا ، و لأنك الوحيد الذي يستطيع إيقافه.
قطب جبينه وازدرد ريقه بتوتر ظهر على وجهه ما إن سمع أنها تطلقت تنحنح قليلاً وأعاد تركيزه لعقله ، ثم أطلق ضحكة قصيرة :-
- ما زلتِ تجيدين اختيار الكلمات التي تناسب حاجتك، أليس كذلك؟
- يامان ، أرجوك...
- لا تنطقي اسمي بهذه الطريقة.....
اقترب منها قليلًا، وخفّض صوته حتى لا يسمعه الطفل:-
- لا أعرف ما الذي حدث في حياتكِ خلال السنوات الماضية، ولا يهمني أن أعرف. لكنني لن أسمح لكِ بالعودة فجأة، والتصرف وكأن شيئًا لم يحدث.
- لم أقل إن شيئًا لم يحدث.
- إذًا، لا تتوقعي مني أن أتصرف وكأنكِ لم تفعلي شيئًا.
نكست رأسها، وشعرت بيد ديمير تشد يدها
نظرت إليه، فرأت الخوف في عينيه، فرفعت بصرها نحو يامان مجددًا وقالت :-
- لا أطلب منك أن تنسى الماضي، ولا أن تسامحني أريد فقط أن تساعدني في حماية ابني.
ظل صامتًا للحظات، ثم أشار إلى الداخل :-
- ادخلي.
اغرورقت عينيها بالدموع وهمست غير مصدقة :-
- ماذا...... ؟
- لن أناقش مشكلاتكِ تحت المطر. ادخلي، وسأستمع إلى ما لديكِ، وبعدها سأقرر إن كان هناك ما يستحق تدخلي.
لم تشكره لم تكن تعرف إن كان ما منحها إياه فرصة حقيقية، أم مجرد تأجيل لرفضٍ قادم.
أمسكت بيد ديمير، وتبعته إلى الداخل.
وبعد دقائق، جلست نيسان في مكتب يامان، بينما بقي ديمير إلى جانبها على الأريكة. لم يترك يدها، ولم يجرؤ على الابتعاد عنها
كان يامان واقفًا خلف مكتبه، يستمع إليها وهي تشرح كيف بدأ باريش يهددها، وكيف صار يتحدث عن نفوذه وعلاقاته، وكيف أخبرها بأنه قادر على انتزاع ديمير منها مهما فعلت.
لم يقاطعها إلا حين انتهت ، ثم قال باستفهام :-
- هل رفعتِ دعوى قضائية؟
- يتابع محاميّ الأمر، لكن باريش يملك المال والعلاقات. أخشى أن يستغل نفوذه ليحرمني من حضانة ابني.
- ولماذا لم تلجئي إلى عائلتك؟
- لا أحد منهم يستطيع الوقوف في وجهه.
- ومع ذلك، لجأتِ إليّ بدلًا منهم؟
أجابت بصوت متعب :-
- نعم.
استدار يامان نحو النافذة، وظل صامتًا لحظات ، كان جزء منه يريد أن يطردها، وأن يعيدها إلى الشارع ويغلق الباب خلفها، كما أغلقت هي باب حياتها في وجهه قبل ثماني سنوات.
لكن جزءًا آخر لم يستطع تجاهل حقيقة أنها عادت إليه في أسوأ لحظاتها، ولم يكن مستعدًا للاعتراف بأن ذلك الجزء ما زال حيًا.
استدار نحوها ثم قال :-
- أستطيع أن أجعل طليقك يفكر مرتين قبل أن يقترب منكِ أو من ابنكِ.
تعلّقت عينا نيسان به :-
- هل تستطيع حقًا؟
- لا تقاطعيني قبل أن أنتهي.
ابتلعت ريقها، والتزمت الصمت
- هناك طريقة أضمن بها حمايتكِ قانونيًا، وأمنع طليقك من استغلال وضعكِ الحالي ضدكِ.......... تزوجي بي.... ؟!
رفعت رأسها بذهول :-
- ممممماذا.... ؟! أنت مجنون......!
- ربما.
- أتطلب مني الزواج منك؟
- هذه هي طريقتي الوحيدة لحمايتك.
- انت تكرهني ولن تطيق العيش معي... لن أتزوجك يا يامان.
استند إلى كرسيه، وعيناه ثابتتان عليها نطق ببرود :-
- إذًا، عودي إلى باريش ودعيه يأخذ ابنكِ. يبدو أنكِ اعتدتِ اتخاذ القرارات التي تكلّفكِ كل شيء.
سحبت يدها من بين يدي طفلها ونهضت غاضبة :-
- لا تستخدم ابني وسيلةً لمعاقبتي.....!
وقف هو الآخر، واقترب منها :-
- أنا لا أعاقبكِ به بل أعرض عليكِ حلًا لم تكوني لتمنحيني إياه لو كنتُ مكانكِ.
- هذا ليس حلًا.... ! أنت تريد أن تجعلني أدفع ثمن الماضي!
لم يجبها فورًا.
كانت محقة، ولو جزئيًا. لم يكن الزواج بالنسبة إليه مجرد وسيلة لحمايتها. كان يريدها تحت سقفه، أمام عينيه، حيث لن تستطيع الاختفاء من حياته مرة أخرى بسهولة.
أراد أن يثبت لنفسه أنه لم يعد ذلك الشاب الذي تركته خلفها وأنها هذه المرة، لن تكون صاحبة القرار وحدها.
قال أخيرًا:-
- ستعيشين في منزلي مع ابنكِ. وأمام الجميع، ستكونين زوجتي. لن تتدخلي في أعمالي، ولن تسألي عن حياتي، ولن تتوقعي مني حبًا أو غفرانًا.
توقفت أنفاسها للحظة.
ثم سألته بصوت خافت يكاد لا يُسمع:-
- إذا وافقت؟
- سأحميكِ أنتِ وابنكِ، وسأتولى مواجهة طليقك.
- وإذا رفضت؟
عاد البرود إلى عينيه :-
- عندها لن أكون مسؤولًا عمّا سيحدث لكما.
- هناك شيء أريد أن أعرفه أولًا.
رفع يامان حاجبه :-
- ما هو؟
- لماذا الزواج؟ لماذا لا تساعدني فحسب، وتنتهي المسألة؟
وبينما كانت تنتظر إجابته، شقّ سكون المكتب صوت سعال جاء من خلفها
التفتت بسرعة، لتجد طفلها يضغط بكفّيه الصغيرتين على صدره، بينما راحت أنفاسه تتسارع على نحو مقلق، وبدأ الشحوب يزحف إلى وجهه :-
- ابني ..... !
اندفعت نحوه، وجثت على ركبتيها أمامه، تمسك بكتفيه المرتجفتين :-
- حبيبي، انظر إليّ... ماذا بك؟ حاول أن تتنفس بهدوء، يا صغيري.
كان يحاول التقاط أنفاسه بصعوبة، وصدره يصدر صفيرًا خافتًا تعرفه نيسان جيدًا؛ ذلك الصوت الذي كان كفيلًا بأن ينتزع الطمأنينة من قلبها ويغرقها في بحر من الخوف.
ارتجفت أصابعها وهي تفتش حقيبتها بعشوائية :-
- لا، ليس الآن... أرجوك، ليس الآن!
نهض يامان من خلف مكتبه، وقد اختفت القسوة من ملامحه لتحلّ محلها دهشة مشوبة بالقلق :-
- ما الذي يحدث له..... ؟
رفعت نيسان عينيها إليه، وكان الذعر واضحًا فيهما :-
- إنه مصاب بالربو... أحتاج إلى بخّاخ التنفس الخاص به... !
تجمّد يامان في مكانه للحظة وهمس بتعجب :-
- مصاب بالربو...... ؟
لم يكن ذلك المرض غريبًا عنه. لقد رافقه منذ سنواته الأولى، يعرف جيدًا كيف يبدو الخوف في عيني شخص يعجز عن التنفس.
اقترب منهما بسرعة، ثم انحنى وهمس بنبرة غاضبة :-
- هذا بسبب البرد جعلتي الطفل يقف تحت المطر.....
رمقته نيسان بغيظ ويداها تبحث بمحتوى حقيبتها في حين تشبّث ديمير بقميص أمه، محاولًا كبح شهقاته المتلاحقة.
عثرت نيسان أخيرًا على البخّاخ داخل حقيبتها، وأخرجته بيدين مرتجفتين، ثم حاولت استخدامه معه بالطريقة التي اعتادت عليها.
ظل يامان إلى جوارهما، يراقب المشهد بصمت ثقيل، بينما كان شيء غامض يضغط على صدره.
وحين هدأت أنفاس ديمير قليلًا، ضمّته نيسان إلى صدرها، وأخذت تمرر يدها على شعره، هامسةً بكلمات مطمئنة :-
- أنا هنا يا حبيبي... لن أسمح لشيء أن يؤذيك.
ساد الصمت للحظات، بينما كانت نيسان تحاول تهدئة ديمير، الذي بدأ يستعيد أنفاسه تدريجيًا.
راقبها يامان بصمت، ثم سألها:-
- هل يعاني من الربو منذ ولادته؟
ازدردت ريقها بقهر :-
- اجل ورثه عن أبيه.
توقفت أنفاس يامان للحظة قصيرة ثم رفع حاجبيه بتعجب :-
- عن أبيه..... ؟!
لوت شفتيها بضيق واسبلت عينيها بحزن وهي تمسح على وجه طفلها :-
- باريش مصاب بالربو أيضًا.
ظل يامان صامتًا لثوانٍ، وقد ارتسمت على وجهه علامات دهشة لم يستطع إخفاءها.
كان هو الآخر مصابًا بالربو منذ طفولته، وقد اعتاد أن يعيش مع هذا المرض ويتعامل مع نوباته، لكنه لم يتوقع أن يكون هناك رابط مشترك بينه وبين هذا الطفل لم يستطع ان يمنع نفسه من رسم ضحكة ساخرة على وجهه ، انتبهت نيسان له فضيقت ملامحها بانزعاج :-
- ما الذي يضحكك هل تشمت بطفلي ؟
صرف نظره عن الطفل ثم اجاب ببرود محاولًا إخفاء دهشته:-
- لا ربما بأبيه......!
ثم عاد إلى مكتبه، لكن الفكرة ظلت عالقة في ذهنه، رغم محاولته تجاهلها.
فمن بين كل الأمراض، كيف انتهى الأمر بهذا الطفل إلى أن يرث المرض نفسه الذي رافقه هو منذ طفولته..... ؟
هذه كانت البداية فقط ❤️🔥
تفاااااعل كومنتاتتتتتتتت عشان اللي جاي في الرواية دي ناررررررر❤️🔥🔥🔥🔥🔥🔥