2. وجوه جديده - قصة (أقرب مما أظن)
وجوه جديده - قصة (أقرب مما أظن)
«استني يا ليان، لسه مخلصناش.»
كان صوت سيف كفيلًا بأن يجعلها تتوقف في منتصف خطوتها، ثم تلتفت إليه ببطء وهي تنظر له بنظرة تحمل كل معاني الاعتراض.
«نعم يا دكتور؟»
ابتسم ابتسامة صغيرة، وكأنه كان يتوقع رد فعلها بالضبط.
«إنتِ فاكرة إن التقييم خلص معناه إنك هتروحي البيت؟»
«بصراحة؟ آه.»
«حلو إنك صريحة. بس لأ، هنتعرف على فريق التأهيل الأول، وبعدها هنشرحلك البرنامج اللي هتمشي عليه.»
نظرت إلى آدم الذي كان واقفًا بجوارها، فوجدته يهز رأسه موافقًا.
«إنت كمان؟»
«أنا إيه؟»
«ما تتكلمش معايا. أنا زعلانة منك.»
ربت آدم على كتفها السليم بخفة، ثم قال ببراءة مصطنعة:
«خدي راحتك يا حبيبتي، بس خلصي علاجك الأول.»
تحرك سيف أمامهما، وهو يخفي ابتسامته بصعوبة.
أما ليان، فتمتمت بكلمات لم يسمعها أحد، ثم لحقت بهما.
---
كان قسم التأهيل أوسع مما تخيلت ليان. أجهزة متعددة، وأسرّة مخصصة للتمارين، وأشرطة مقاومة بألوان مختلفة، وعدد من المرضى يؤدون تدريباتهم تحت إشراف الأخصائيين.
حاولت أن تستوعب المكان، لكن صوت سيف أعاد انتباهها إليه.
«ده أستاذ كريم، أخصائي التأهيل المسؤول عن جزء كبير من برنامجك.»
اقترب منهما رجل في الثلاثينيات من عمره، رحب بليان وسألها عن حالتها، ثم ألقى نظرة على التقارير الطبية.
«حمد لله على السلامة يا ليان. عرفت إنك كنتِ في المستشفى أسبوع.»
أومأت.
«الله يسلم حضرتك.»
«طب احكيلي، الحادث حصل إزاي؟»
ترددت للحظة، قبل أن تبدأ في شرح ما تتذكره من الحادث، وكيف انتهى بها الأمر في المستشفى، ثم تحدثت عن إصابات ركبتيها وكتفها.
استمع كريم باهتمام، وسألها بعض الأسئلة عن الألم والحركة، ثم أوضح لها أن تفاصيل الحادث والتقارير الطبية هتساعد الفريق على اختيار التمارين المناسبة لحالتها.
كانت ليان تحاول الإجابة بهدوء، رغم أنها بدأت تشعر بالملل من كثرة الأسئلة.
لاحظ سيف ذلك، فقال بنبرة جادة يتخللها شيء من المزاح:
«لسه في أسئلة كتير، على فكرة.»
نظرت إليه بصدمة.
«هو أنا في تحقيق؟»
رد كريم ضاحكًا:
«لأ يا ستي، بس إحنا بنحب نعرف كل التفاصيل قبل ما نبدأ.»
«طب ماشي، بس لو في امتحان في الآخر أنا همشي.»
قال سيف فورًا:
«اطمني، لو فيه امتحان هتجيبي صفر.»
التفتت إليه.
«هو حضرتك متأكد إنك دكتور؟»
«للأسف، ومعايا شهادة كمان.»
ضحك كريم، بينما اكتفى آدم بهز رأسه.
«أنا مش عارف إنتوا الاتنين هتتعبوا مين أكتر.»
---
بعد قليل، بدأ كريم يشرح لليان الخطوات الأولى في برنامج التأهيل، موضحًا أن التمارين ستُختار حسب قدرتها واستجابتها، وأنها لن تكون مطالبة بإنجاز كل شيء من أول يوم.
كانت ليان تستمع باهتمام هذه المرة، خصوصًا حين شرح لها أن الهدف هو استعادة الحركة والقوة تدريجيًا، من غير تحميل زائد على الركبتين أو الكتف.
وبينما كان يتحدث، اقترب شاب يرتدي ملابس رياضية ويحمل ملفًا صغيرًا.
«دكتور كريم، الحالات اللي هنصورها النهارده جاهزة؟»
أجابه كريم:
«أيوه يا زياد، بس استنى لما نخلص هنا.»
ثم التفت إلى ليان.
«ده زياد، طالب في سنة تالتة ومتدرب معانا. هتشوفيه كتير هنا.»
ابتسم زياد مرحبًا.
«أهلًا يا ليان، حمد لله على السلامة.»
ردت بابتسامة مهذبة.
«الله يسلمك.»
ألقى زياد نظرة سريعة على ملفها، ثم سألها:
«إنتِ في جامعة إيه؟»
ذكرت له اسم الجامعة والكلية، فاتسعت ابتسامته.
«بجد؟! أنا في نفس الكلية.»
رفعت ليان حاجبيها باهتمام.
«إنت في سنة كام؟»
«تالتة.»
«آه، يعني من الناس اللي هتخوفني من الامتحانات والميدتيرم من دلوقتي.»
ضحك زياد.
«لأ، أنا هطمنك. أول سنة سهلة جدًا.»
تدخل سيف من مكانه:
«ما تسمعيش كلامه. ده لو حد سأله عن امتحان بكرة، ممكن يعيط النهارده.»
التفت زياد إليه باعتراض.
«يا دكتور، هو حضرتك لازم تفضحنا قدام الناس؟»
«أنا بحب أنقل الخبرات للأجيال الجديدة.»
ضحكت ليان، للمرة الأولى منذ وصولها إلى المركز، ضحكة خرجت منها من غير أن تحاول إخفاءها.
لاحظ سيف ذلك.
ولسبب لم يكن مستعدًا للاعتراف به حتى لنفسه، أعجبه أن يراها تضحك بهذه العفوية.
لكنه سرعان ما أشاح بنظره، وعاد إلى الحديث مع كريم عن برنامجها.
---
بعد انتهاء الحديث، استأذن آدم للذهاب إلى عمله، بعد أن اطمأن إلى أن أخته أصبحت مع الفريق.
«لو احتجتي أي حاجة كلميني، اتفقنا؟»
أومأت ليان.
«اتفقنا.»
«وما تتخانقيش مع الدكاترة.»
نظرت إلى سيف، ثم عادت إلى آدم.
«على حسب الدكاترة.»
ضحك آدم قبل أن يغادر، تاركًا إياها وسط الوجوه الجديدة.
بدأ زياد يشرح لها بعض الأمور المتعلقة بالمكان، وأشار إلى منطقة التمارين التي ستستخدمها في جلساتها القادمة.
كان أسلوبه بسيطًا ومرحًا، فلم تشعر معه بالتوتر نفسه الذي شعرت به في البداية.
«على فكرة، لو احتجتي تعرفي أي حاجة عن الكلية، اسأليني.»
نظرت إليه باستغراب.
«اسألك إنت؟»
«أيوه، أنا طالب قديم وناجح ومتفوق.»
جاء صوت سيف من خلفهما:
«ناجح دي محتاجة مراجعة.»
استدار زياد إليه.
«دكتور سيف، حضرتك مركز معانا ليه؟»
أجابه سيف ببرود مصطنع:
«أنا شغال هنا، ولا نسيت؟»
ابتسم زياد، ثم نظر إلى ليان وكأنه يشاركها سرًا.
«شايفة؟ ده بيحب يشجع المواهب الشابة.»
ضحكت ليان مجددًا.
أما سيف، فنظر إليهما لثانية أطول مما ينبغي، قبل أن ينادي زياد ويطلب منه مساعدته في تجهيز بعض الملفات.
لم تفكر ليان في الأمر كثيرًا. بالنسبة لها، كان مجرد حوار عادي بين دكتور ومتدربه.
لكنها لاحظت شيئًا واحدًا.
دكتور سيف، رغم سخريته المستمرة، لم يكن يترك فرصة إلا ويعلق فيها على كلامها مع زياد.
غريبة.
هزت رأسها متجاهلة الفكرة، ثم جلست في المكان الذي أشار إليه كريم.
---
في الجهة الأخرى من المركز، كانت فتاة تقف بجوار إحدى نوافذ قسم التأهيل، تمسك بهاتفها وتراجع الصور التي التقطتها أثناء التمارين.
كانت هنا.
اعتادت أن تأتي إلى المركز بسبب إصابة ركبتها، ومع الوقت تولت تصوير بعض الحالات والتمارين لنشرها على صفحة المركز، لتكون جزءًا من الدعاية والتعريف بالخدمات.
رفعت هاتفها حين رأت سيف يمر من أمامها.
«دكتور سيف!»
توقف سيف والتفت إليها.
«أهلًا يا هنا.»
اقتربت منه وهي ترفع الهاتف.
«بص، الصور اللي صورتها النهارده طلعت حلوة جدًا. كنت عايزة أوريهالك، وكمان محتاجة صورة ليك مع الفريق عشان ننزلها على الصفحة.»
ألقى نظرة على الهاتف، ثم قال:
«ابعتي الصور للمسؤول عن الصفحة، وهو يختار المناسب.»
ابتسمت هنا، غير متأثرة بإجابته.
«طب ما ناخد صورة جديدة سوا؟ هتبقى أحسن.»
«مش محتاجين صورة ليا دلوقتي، شكرًا.»
«يا دكتور، دي صورة واحدة بس!»
ابتسم ابتسامة مهذبة، ثم أشار إلى الملف الذي يحمله.
«معلش، عندي شغل.»
ومضى في طريقه.
تابعته هنا بعينيها، ثم نظرت إلى هاتفها، وقد اختفت ابتسامتها للحظات.
لكنها لم تكن من النوع الذي يتراجع بسهولة.
أغلقت الكاميرا، وقررت أن تجد فرصة أخرى.
وفي أثناء ذلك، رفعت عينيها لتلاحظ ليان الجالسة في منطقة التمارين، تتحدث مع زياد وتضحك.
نظرت إليها قليلًا، ثم عادت إلى هاتفها.
لم تكن تعرف من هي هذه الفتاة بعد، ولا لماذا بدت مرتاحة في حديثها مع زياد.
لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا.
أن سيف أصبح أصعب في الوصول إليه مما كان من قبل.
---
مع اقتراب نهاية اليوم، وقفت ليان استعدادًا للمغادرة، بعد أن أنهت الخطوات الأولية التي طلبها منها الفريق.
كانت متعبة، ومتوترة، لكنها شعرت أن المكان لم يعد مخيفًا كما بدا لها في البداية.
وقبل أن تغادر، ظهر سيف أمامها حاملًا ملفها الطبي.
«ليان.»
التفتت إليه.
«نعم؟»
«الجلسة الجاية في ميعادها، ومن فضلك ما تغيبيش من نفسك.»
رفعت حاجبها.
«هو أنا غبت قبل كده؟»
«أنا بقولك من دلوقتي عشان ما نختلفش بعدين.»
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
«حاضر يا دكتور.»
ثم استدارت لتغادر، لكنها سمعته يضيف:
«وعلى فكرة، اسألي كريم أو زياد عن أي حاجة تخص التمارين، لكن لو فيه ألم جديد أو مشكلة طبية، لازم تبلغي الفريق المسؤول عن حالتك.»
التفتت إليه مرة أخرى.
«حاضر. في أوامر تانية؟»
نظر إليها سيف، وارتسمت على شفتيه ابتسامة يعرف جيدًا أنها ستستفزها.
«آه، بس هسيبها للمرة الجاية.»
ضيقت عينيها.
«ربنا يستر من المرة الجاية.»
ضحك سيف، بينما ابتعدت ليان وهي تهز رأسها.
لم تكن تعرف لماذا شعرت أن هذا الطبيب سيجعل أيامها أكثر صعوبة مما توقعت.
ولم يكن سيف نفسه قد قرر بعد كيف سيتعامل مع وجودها المتكرر في حياته.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا.
أن ليان لم تعد مجرد فتاة يراها أحيانًا في بيت صديقه.
لقد أصبحت جزءًا من يومه.
وربما، مع الوقت، أكثر من ذلك بكثير.