3. أقرب مما أظن - فصل (هو انتو لحقتو)
أقرب مما أظن - فصل (هو انتو لحقتو)
في صباح اليوم التالي، وقفت ليان قدام المراية بتبص لركبتها، وبعدها بصت للشنطة اللي آدم حاططها جنب الباب.
تنهدت بضيق وهي بتناديه:
— آدمممم
جالها صوته من الصالة:
— نعم يا روح آدم؟ 😂
— هو أنا لازم أروح المركز كل يوم؟ ما أنا روحت امبارح، واتعرفت على الناس، وخلاص بقينا عيلة واحدة.
ظهر آدم عند باب الأوضة، مسنود بكتفه على الحيطة، وباصصلها بابتسامة مستفزة.
— آه طبعًا، ما هو بعد ما اتعرفتي على الناس، لازم تروحي تزوريهم. وبعدين مش إنتِ اللي كنتِ بتقولي إن زياد لطيف؟
ليان ضيقت عينيها.
— إنت عرفت منين؟
— يا بنتي أنا أخوكي، عندي مصادر موثوقة.
— مصادرك دي محتاجة تتربى.
ضحك آدم، ومد إيده ياخد شنطتها.
— يلا يا ستي، الدكتور مستنينا.
— يا رب يكون نسي إني موجودة.
— سيف؟ ينسى؟ ده غالبًا حافظ مواعيدك أكتر منك.
رمته بالمخدة اللي جنبها، لكنه لحق يبعد قبل ما توصله، وخرج من الأوضة وهو بيضحك.
— خمس دقايق يا ليان، وإلا هسيبك تروحي لوحدك!
— ماشي يا آدم، لما أخف هفتكرلك كل ده!
---
وصلت ليان المركز، وكانت المرة دي أقل توترًا من أول يوم.
سلّمت على موظفة الاستقبال، وبعدها دخلت منطقة التأهيل، فسمعت صوت زياد من بعيد:
— صباح الخير يا أستاذة ليان!
لفت ناحيته وهي بتبتسم.
— صباح النور يا أستاذ زياد. إيه النشاط ده كله؟ مش المفروض المتدربين بيبقوا أول ناس بيكرهوا الشغل؟
— أنا استثناء، طبعًا.
— واضح إن عندك ثقة زيادة عن اللزوم.
— دي مش ثقة، دي حقائق علمية.
ضحكت، وقبل ما ترد، جه كريم وطلب منها تستعد للجلسة.
— يلا يا ليان، هنبدأ بالإحماء الأول، وبعدها نشوف التمارين اللي هنشتغل عليها النهارده.
ليان بصت لزياد بنظرة استغاثة.
— ادعيلي.
— ربنا معاكي. ولو احتجتي حاجة، أنا موجود.
— افتكر كلامك ده لما أطلب منك تعمل التمارين مكاني.
— ساعتها هعمل نفسي مش سامع.
---
بدأت ليان الجلسة، ومع أول تمرين اكتشفت إن حماسها للكلام أكتر بكتير من حماسها للحركة.
كريم كان بيتابع أداءها، ويطلب منها تركز في الحركة من غير ما تستعجل، وهي بتحاول تنفذ التعليمات رغم إنها كانت بتتضايق كل ما تحس إن التمرين أصعب من المتوقع.
وبعد فترة، دخل سيف المكان وهو بيتكلم مع أحد أفراد الفريق. وقف لحظات يتابع الجلسة من بعيد، وبعدها قرب يسأل كريم عن تقدمها.
— عاملة إيه النهارده؟
كريم رد:
— كويسة، بس لسه محتاجة تشتغل على التحكم في الحركة. بنمشي معاها بالتدريج.
سيف هز راسه، وبعدها بص لليان.
— أخبارك إيه؟
ليان وقفت لحظة وقالت:
— الحمد لله. بس عندي سؤال مهم جدًا.
— اتفضلي.
— هو التمارين دي ليها نهاية، ولا دي عقوبة مستمرة؟
ابتسم سيف ابتسامة خفيفة.
— ليها نهاية، بس واضح إنك ناوية توصلي لها بأسرع طريقة ممكنة من غير ما تعملي التمارين.
— أنا بحاول أوفر وقت الفريق.
— الفريق مقدر مجهودك جدًا. كملي يا ليان.
رجعت للتمرين وهي بتتمتم:
— مستفز.
سيف سمعها، لكنه اكتفى بابتسامة صغيرة قبل ما يرجع يكمل شغله.
وبعد انتهاء الجزء الأول من الجلسة، سمح لها كريم براحة قصيرة، فاستغلتها ليان فورًا واتجهت ناحية زياد، اللي كان قاعد بيراجع بعض الأوراق.
— أنا رجعت للحياة!
رفع زياد عينه من الورق.
— عشر دقايق راحة، مش راجعة من حرب.
— بالنسبة لي، مفيش فرق كبير.
قعدت جنبه، وبدأوا يتكلموا عن الكلية. زياد كان في سنته التالتة، وعنده خبرة أكتر منها في نظام الدراسة، فحكى لها عن بعض الدكاترة وطبيعة المحاضرات، وهي سألته عن المواد اللي لسه ما لحقتش تتابعها بسبب الحادث.
— بصي، أهم حاجة متحاوليش تلمي كل حاجة في يومين. قسمي اللي فاتك، وابدئي بالمواد اللي محتاجة وقت أكتر.
ليان هزت راسها وهي بتسمع باهتمام.
— أنا فعلًا كنت بفكر أعمل كده، بس مش عارفة أبدأ منين. هبعتلك أسماء المواد، وقولي أبدأ بإيه.
— ابعتيهم وأنا أقولك رأيي.
سكت لحظة، وبعدها قفل الورق اللي قدامه، وبص لها بتردد بسيط.
— طب بما إننا بنتكلم في الدراسة... ممكن أخد رأيك في حاجة؟
ليان عدلت قعدتها باهتمام.
— طبعًا، قول.
زياد حك رقبته، وكأنه مش عارف يبدأ منين.
— أنا وصاحبي المقرب متخانقين من كام يوم. هو فاكر إني اتغيرت وبقيت مش بسأل عليه زي الأول، وأنا شايف إنه هو اللي بقى بيختفي ومش بيحكيلي أي حاجة. وكل ما أحاول أتكلم معاه، الحوار بيتحول لخناقة.
ليان سابته يكمل من غير ما تقاطعه.
— وإنت عايز إيه دلوقتي؟ تصلحوا الموضوع، ولا تثبتله إنه غلطان؟
زياد فكر شوية.
— أصلح الموضوع، أكيد. بس مش عايز أفضل أنا اللي أبدأ كل مرة.
ليان هزت راسها بتفهم.
— بص، أنا شايفة إنك متحكمش على علاقتكم من كام موقف. ممكن يكون عنده ظروف مش عارف يحكيها، وممكن فعلًا يكون مضايق من حاجة ومش عارف يقولها. بس لو هو صاحبك المقرب، يبقى يستاهل إنك تتكلم معاه مرة بهدوء، من غير ما تبدأوا النقاش باتهامات.
زياد كان بيسمعها باهتمام، فقالت مكملة:
— ومش معنى إنك اللي تبدأ الكلام إنك الطرف الغلطان. بس برضه مش مطلوب منك تفضل تجري ورا حد مش عايز يصلح. اتكلم معاه بوضوح، وبعدها شوف هو هيتصرف إزاي.
فضل ساكت لحظات، وبعدها ابتسم.
— غريبة.
ليان بصتله باستغراب.
— إيه الغريب؟
— إنك بتقولي كلام عاقل جدًا، مع إنك من أول ما جيتي هنا وإنتِ بتشتكي من كل تمرين.
ضحكت وهي بتضربه بخفة على كتفه.
— هو أنا لما ركبتي توجعني، عقلي بيفصل؟ وبعدين أنا بشتكي من التمارين، مش من الحياة كلها.
— لسه هنشوف.
— زياد!
ضحك، وهي ضحكت معاه.
ومن بعيد، كان سيف خارج من غرفة جانبية، فلفت انتباهه صوت ضحكتها. بص ناحيتهم، وشافها قاعدة مع زياد، بتتكلم بحماس وهو مركز معاها، وكأن مفيش حاجة تانية شاغلة بالهم.
وقف لحظة، وبعدها بص لساعته.
الراحة كان المفروض تكون خلصت من شوية.
قرب منهم بهدوء، وقال:
— واضح إن الراحة النهارده طويلة.
ليان رفعت راسها.
— إحنا بنتكلم بس يا دكتور.
— وأنا مش معترض على الكلام. بس وقت الراحة خلص، ولسه عندك جزء من الجلسة.
بصت للساعة، واتسعت عينيها.
— هو إحنا اتكلمنا كل ده؟
زياد ابتسم.
— أنا قلتلك عشر دقايق.
ليان قامت وهي بتظبط هدومها.
— ما أنت كنت ممكن تفكرني!
سيف رد بهدوء:
— زياد مش مسؤول عن مواعيد جلستك يا ليان. ركزي في تمارينك، ولما تخلصي ابقي كملي الكلام المهم ده.
ليان بصتله لحظة، وبعدها قالت:
— حاضر يا دكتور.
— مستني أشوف الالتزام ده في التمرين كمان.
— حاضر.
رجعت ليان لمكانها، وهي مقتنعة إن سيف عنده موهبة غريبة في إنه يحول أبسط جملة لمحاضرة كاملة.
أما زياد، ففضل متابعها لحد ما بدأت التمرين، وبعدها بص لسيف اللي كان بيتكلم مع كريم.
كان في حاجة غريبة في طريقته، لكنه مش قادر يحددها.
---
بعد ما خلصت ليان جزءًا كبيرًا من الجلسة، رجعت تقعد في مكان الراحة، ولقت زياد بيكتب حاجة في موبايله.
— ها؟ كلمت صاحبك؟
رفع عينه لها.
— لسه. بفكر أكتبله إيه.
— اكتبله اللي إنت عايز تقوله فعلًا، مش اللي يخليك تكسب الخناقة.
ابتسم.
— طب لو كسبت الخناقة وأنا بصلح العلاقة؟
— يبقى مبروك عليك، خسرت صاحبك وكسبت قضية مش محتاجها.
ضحك زياد بصوت عالٍ.
— إنتِ عندك طريقة غريبة في الإقناع.
— المهم بتجيب نتيجة.
بص لها لحظة، وبعدها قال بجدية:
— شكرًا يا ليان. أنا فعلًا كنت محتاج أسمع رأي حد من بره الموضوع.
ابتسمت له.
— العفو. وبعدين لما تحتاج مساعدة في حاجة، قول. مش لازم كل مرة أنا اللي أسأل.
— اتفقنا.
كان سيف معدي بالقرب منهم، فسمع آخر جملة. لم يتوقف، لكنه ألقى نظرة سريعة ناحية زياد، ثم أكمل طريقه.
ليان لم تنتبه له أصلًا.
بعد قليل، طلب منها كريم إكمال التمرين التالي، فنهضت وهي بتقول لزياد:
— ادعيلي تاني.
— ربنا معاكي يا بطله
— بلاش بطلة دي، حاساها مقدمة لمسلسل إصابات.
ضحك، وهي اتجهت لمكان التمرين.
---
انتهت الجلسة أخيرًا، وكانت ليان مرهقة، لكنها مبسوطة إنها قدرت تكمل الجزء المطلوب منها.
وهي بتجمع حاجتها، ظهر سيف بالقرب منها.
— أخبارك؟
— كويسة. خلصت كل اللي طلبه مني كريم.
— كويس. المهم تكملي بنفس الالتزام، ومتزوديش على نفسك من غير ما ترجعي للفريق.
هزت راسها.
— حاضر.
سكت لحظة، ثم سألها بنبرة عادية:
— إنتِ وزياد بقيتوا أصحاب بسرعة، على فكرة.
ليان رفعت عينيها له.
— آه، هو لطيف جدًا.
— هو إنتوا لحقتوا تعرفوا بعض من إمتى أصلًا؟
قالها سيف بهدوء، وكأنه مجرد سؤال عابر.
ليان ضحكت.
— يا دكتور، ده إحنا لسه بنتكلم من امبارح! بس زياد شخص مريح وكويس، وبيساعدني في حاجات كتير تخص الكلية واللي فاتني بسبب الحادث. وبعدين أنا كمان بساعده لما يحتاج رأيي في حاجة.
سيف هز راسه ببطء.
— تمام. بس على فكرة، لو احتجتي مساعدة في المذاكرة، ممكن تسأليني أنا كمان.
ليان رمشت باستغراب.
— حضرتك؟
— أيوه، أنا. إيه الغريب؟
ابتسمت بمكر.
— مفيش، بس كنت فاكرة إن حضرتك متخصص في التمارين والتعليمات، مش شرح المحاضرات.
سيف ابتسم ابتسامة خفيفة.
— خريج نفس الكلية اللي إنتِ فيها، لو نسيتي.
— لا، فاكرة. بس مش عارفة إذا كنت هتشرحلي ولا هتحول المذاكرة لجلسة تأهيل جديدة.
ضحك بخفة.
— جربي الأول، وبعدها احكمي.
ليان شالت شنطتها.
— ماشي يا دكتور، لو احتجت حاجة هقولك.
— اتفقنا.
قالتها ببساطة، ولوحت له قبل ما تمشي.
أما سيف، ففضل واقف لحظة يتابعها وهي بتخرج.
كان يقدر يقول لنفسه إن عرضه للمساعدة طبيعي؛ فهو يعرف آدم من سنين، ومتخرج من نفس الكلية، ومن الطبيعي إنه يساعد أخته لو احتاجت.
لكن السؤال اللي فضل في دماغه كان مختلفًا قليلًا:
ليه كان مهم عنده يعرف إنها بتقضي وقتها مع زياد في إيه؟
---
في نفس الوقت، كانت هنا قاعدة في الاستراحة الصغيرة الملحقة بالمركز، بتراجع الصور اللي التقطتها لبعض التمارين عشان تختار منها صورًا مناسبة لصفحة المكان.
رفعت عينيها لما شافت سيف داخل، فابتسمت فورًا.
— دكتور سيف، كنت مستنياك!
بصلها باستغراب بسيط.
— خير يا هنا؟
رفعت الموبايل ناحيته.
— أنا اخترت الصور اللي هننزلها النهارده، بس محتاجة رأيك في كام صورة. وبالمناسبة، لسه عايزة صورة معاك للصفحة، هتفرق جدًا في الإعلان.
سيف ألقى نظرة على الشاشة.
— ابعتي الصور لمسؤول الصفحة، هو هيختار المناسب. وبالنسبة للصورة، خلينا في الصور الخاصة بالمركز والحالات، مش لازم صور شخصية.
ابتسامتها اهتزت للحظة، لكنها سرعان ما رجعتها.
— يا دكتور، دي مجرد صورة! مش هتخسر حاجة يعني.
— عارف، بس مش شايف إن ده ضروري. لو فيه حاجة تخص الشغل، ابعتيها للمسؤول.
قالها بهدوء ومن غير ما يحرجها، ثم استأذن ومشي.
هنا فضلت باصة في اتجاهه ثواني، وبعدها نزلت عينيها للموبايل.
كانت متعودة إنه يحط حدود في التعامل، لكنها كل مرة كانت بتدور على طريقة تخليه يديها اهتمامًا أكتر.
وبينما هي بتقفل الصور، لمحت صورة اتصورت في الخلفية من غير قصد، ظهر فيها سيف واقف بعيد، وفي الناحية التانية ليان بتضحك مع زياد.
تأملت الصورة لحظة.
هي تعرف ليان بالاسم فقط، وتعرف إنها بدأت تيجي المركز مؤخرًا، لكن ما تعرفش علاقتها بسيف أو بزياد.
رفعت حاجبها قليلًا، وفتحت الصورة مرة تانية.
ثم همست لنفسها:
— هي البنت دي بقت موجودة هنا كتير ليه؟
قفلت الموبايل، لكن الفضول كان بدأ بالفعل.
ولأول مرة، لم يكن اهتمامها بسيف وحده هو اللي شاغلها…
بل البنت الجديدة اللي يبدو إنها بدأت تأخذ مساحة في يومه، من غير ما تحاول أصلًا.