LNCrawler

قصر البساتين - بارت 1

رواية قصر البساتين — www.novlay.com · All chapters

قصر البساتين - بارت 1

أطراف العاصمة – قصر البساتين ------------------------أين أنت يا بدر؟ اخرج فوراً، فهذا المزاح ليس ممتعاً!واصلت أمل طريقها بين الجدران، تحبس أنفاسها مع كل خطوة، وتترقب في أي لحظة صوت أقدام تقبل لتوبخها على وجودها في مكان يُحظر عليها دخوله.شعرت أمل وكأن أعين أصحاب الصور المعلقة على الجدران تلاحقها، وكأنهم يعلمون أنها تتجول حيث لا ينبغي. يا للهول، ستكون العقوبة شديدة إن أُلقي القبض عليها!نادت أمل مجدداً بنبرة يائسة:أنت السبب في كل هذا يا بدر!كانت ترغب في البقاء داخل المطبخ، فهناك مكانه المسموح، لكن بدر استطاع إقناعها بالصعود إلى جناح النوم الخاص بأصحاب القصر.كان مجرد المرور بجانب الأبواب الخشبية العالية يبعث الخوف في نفسها، إذ يمكن أن يكون أحدها باب غرفة الشيخة نفسها.وفجأة، امتدت يدان لتتمسكا بخاصرتها، فتراجعت أمل إلى الخلف لتصطدم بجسد أطول منها، وارتفع صراخها الفزع متزامناً مع ضحكات متقطعة.لتملصت أمل من بين يديه والتفتت نحوه، لتلتقي بعيني صديقها بدر ذي الثلاثة عشر عاماً. كانت عيناه واسعتين تتألقان بالمرق، ووجنتاه الممتلئتان ترتفعان بابتسامة طفولية خبيثة، بينما أزاح عن جبهته خصلة شعر شقراء سقطت على عينيه.تحدث بدر بنبرة اعتذار زائفة وهو ينظر إليها من الأعلى:أعتذر شديد الاعتذار، لكن خداعك سهل للغاية!فقد زاد طوله بضعة قراريط خلال الصيف، وأصبح يعلوها برأس ونصف.رفعت أمل رأسها بزعل وقالت:أنت تعبث معي دائماً، ولا أعلم كيف أحتملك! لكن سيأتي يوم أرد لك فيه هذه الخدعة وأفزعك!وفجأة، اختفت الابتسامة من وجه بدر الدائري، وأدركت أمل السبب فوراً. فبمجرد أن خرجت الكلمات من فمها، تذكرا معاً الأمر نفسه.همس بدر بصوت حزين:أتمنى لو لم أضطر للرحيل وتركك.قبل بضعة أسابيع فقط، أعلن والدا بدر أنه سيغادر قصر البساتين في هذا الشهر لالتحاق بـ المعهد الكبير في العاصمة. لقد بلغ الثالثة عشرة، وصار والداه يصران على أن يبدأ التعليم الذي يليق بأبناء الأكابر.قال بدر بتذمر:أريد البقاء في مدرستنا!كانت مدرستهما مجرد كتاب صغير بجوار المسجد، يتولى التعليم فيه شيخ القرية، وكان يتردد عليه بدر وأخوه يحيى وأخته سارة.كان والده يصر على أن يخالط أبناؤه أهالي القرية، بينما كانت والدته ترغب في جلب معلم خاص في القصر. كره بدر تلك الفكرة وفضل الكتاب، فهناك التقى بأمل قبل سنوات، وصارا منذ ذلك الحين أقرب الصديقين.بل إن أمل لا تتذكر يوماً واحداً مضى دون أن ترى فيه بدر، فقد كانا لا يفترقان تقريباً.قالت أمل بأسف:لا يمكنك البقاء هنا يا بدر.بدر:ولماذا؟ أنت ستبقين!أمل:هذا كتاب القرية، وأنا ابنة القرية، بينما تقول أمي إن الصبيان أمثالك يرحلون إلى العاصمة ليتعلموا كيف يصبحون من الأكابر.تنهد بدر بحنق وسخط.بدر:هذا ما تقوله أمي أيضاً! تقول إنه يجب أن أترك طيش الأطفال وأكبر! وما الدليل على أنني طفل؟ابتسمت أمل وقالت:تذمرك هذا أول دليل!ضحك بدر ضحكة خفيفة ثم عاد الحزن إلى نبرته.بدر:كنت أتمنى ألا أرحل.. حتى في العطلات لن تسمح لي أمي بالعودة، وتقول إن الأكابر يقضون العطلات في العاصمة.لم تكن أمل تعلم بذلك، إذ ظنت أنه سيعود في الشتاء، وأن الفراق لن يتعدى بضعة أشهر.شهقت أمل وقالت:ماذا تقول؟ لن تعود في العطلات؟ازداد وجه بدر عبوساً.بدر:توسلت إليها، ورب السماء توسلت إليها! لا أعلم لما تكره بقائي هنا، لكنها مصممة على إبعادي حتى أصبح رجلاً وأتزوج!وفجأة، التفت الاثنان بذعر حين سمعا صوت أقدام تقترب وهمسات تتردد في الرواق الطويل. شهقت أمل، وتصرف بدر بسرعة؛ فقبض على يدها وسحبها خلف إحدى الستائر المخملية الثقيلة.كانت الستائر مسدولة، فالجناح لم يُفتح بعد، وأصبحا مختبئين في المساحة الضيقة عند النافذة. ضم بدر أمل إليه بشدة دون أن يدع بينهما مسافة، فالتقطت أنفاسها وهي تلصق رأسها بصدره، وتدعو ألا تكون والدته هي القادمة فتكتشف وجودها في هذا المكان المحظور.ارتفع صوت الشيخ منصور غاضباً:لا أصدق هذا يا حصة! تريدين إغلاق هذا البيت؟ بيت آبائي وأجدادي؟ردت الشيخة حصة بحدة أسلوبها المعتاد:بالطبع لا يا منصور، أنا أريد فقط إغلاق القصر لبعض السنين والانتقال إلى منزل العاصمة، أليس هذا أفضل للأولاد؟ العز والعلم هناك أعظم بكثير مما نلتقيه في هذه الناحية.شعرت أمل بصلابة جسد بدر وهو يستمع.ومع تزايد الشجار، توقف الزوجان بالقرب من الستارة، مما زاد من خوف أمل.قال الشيخ منصور:وافقت على إرسال الصبي بعيداً، وأعلم أنه يحتاج للتعليم وأن عليه أن يكبر.. لكنني لا أحب العاصمة ولم أحبها يوماً!قالت حصة بنبرة استخفاف:الأمر لا يتعلق بك يا منصور، بل بالأولاد. من هم معارفنا في هذه القرية؟ أقرب أصدقاء أقبل بدعوتهم لمجلسنا يبعدون فرسخاً من هنا! وإن أردت مثالاً على معارف هذا القصر، فلا تنظر أبعد من الصغيرة أمل!فتحت أمل عينيها بذهول حين سمعت اسمها، وشعرت بتوتر بدر مجدداً.قال منصور:دع الصبي يحظى بأصدقاء!حصة:لا تكن ساذجاً يا منصور! لقد احتملت صداقته لها عندما كانا صغاراً وكان الأمر مقبولاً، لكنه لم يعد طفلاً، وهي لن تلبث أن تكبر أيضاً! انظر كيف يحيطها بعنايته! لقد علقت بقلبه وعقله!ضحك منصور وقال:إنها مجرد طفلة!حصة:إنها فتاة مليحة، وستكبر لتصبح امرأة جميلة، وصداقتها مع بدر ستصبح خطراً حقيقياً. أنت تعرف رأس ابنك اليابس، لن يفكر في مسؤولياته أبداً وطيف هذه الفتاة يملأ عقله طوال الوقت!كان الحديث أكبر من استيعاب أمل، فلم تفهم معنى "علقت بقلبه وعقله"، لكنها أدركت من نبرة الشيخة أنها تكرهها شديد الكراهية، وهو أمر كانت والدة أمل تحذرها منه منذ سنوات.لم يرتخِ عناق بدر لأمل وهو يستمع إلى شجار والديه.قال منصور بقلة صبر:أظنك تبالغين كثيراً يا حصة، فالبدر ما زال صغيراً ولا يفهم هذه الأمور، وسيتعلم مع الوقت، وعندها سنزوجة بالفتاة التي تناسب مقامه.تنفسَت حصة الصعداء وقالت:وأنا أوافقك، يلزمه أن يعلم ما يُنتظر منه، لكنني أجزم أن أي عروس مناسبة لن تطأ هذا البيت طالما أنه مفتون بتلك الفتاة! يجب أن نقطع هذه الصلة الآن، وهو صغير بما يكفي لينساها يا منصور.كانت الكلمات تتوالى فوق رأس أمل دون أن تفهم سر غضب الأم من بدر. فبالنسبة لها، بدر هو أرق وأطيب صبي عرفته، فما الذي يدعو للشكوى منه؟تنهد الشيخ منصور مستسلماً وقال:وتريدين منا جميعاً أن نرحل؟ يحيى وسارة أيضاً؟حصة:نعم، يحيى سيتعلم مع معلم خاص، وسارة مع مربية، ثم يلحق يحيى بأخيه في المعهد الكبير عندما يكبر..منصور:سارة في السابعة فقط! اتريدين البقاء كل هذه المدة؟حصة:عندما نعود إلى هنا، سيكون أبناؤنا رجالاً وتكون ابنتنا سيدة فاضلة، ويكونون مطمعاً لأرقى العائلات! أما أمل هذه.. فستكون قد تزوجت من أحد عامة القرية، ولن يشغل بدر باله بها مجدداً!منصور:إن كان هذا سيجلب لي الراحة، فافعلي ما يروق لك.سمعت أمل خطواتهما وهي تبتعد في اتجاهين مختلفين، وبقيت مع بدر دون حركة حتى اختفى صوت الأقدام تماماً.خفف بدر قبضته لكنه لم يتركها، بل أفسح لها مجالاً لترفع رأسها إليه. رأت في عينيه غضباً وحزناً لم تعهدهما من قبل، وألمها أن تراه على هذه الحال.همست أمل:لم أفهم كل ما قالاه، لكنني عرفت أنهما لا يحبانني.هس بدر بغضب:أنا أكره أمي!أمل:لا تقل هذا! عقوق الوالدين إثم كبير!رد بدر بحدة:لا يهمني! ما قالته كان قبيحاً ولن أغفره لها! تظن أنني قد أنساكِ؟ محال! لن أنساكِ أبداً!ورفع يديه ليحيط بهما وجهها.اتسعت عينا أمل لقربه الشديد وهو يتأمل ملامحها.بدر:تتخيل أنني سأتزوج غيرك! سأخبرهما كل يوم أن الفتاة الوحيدة التي سأتزوجها هي أنت يا أمل!ظنت أمل أنه يحاول العناد فقط ليغضب أمه.أمل:لا تقل كلاماً غير صحيح، وإلا ستمنعك أمك من العودة إلى القصر أبداً!تجمعت حواجب بدر وقال بجدية:أنا لا أكذب يا أمل، لن أرغب إلا في الزواج منكِ، أنا واثق من هذا!نظرت أمل في عينيه تبحث عن أي أثر للمزاح، فلم تجد إلا الصدق، فشعرت برقشة في قلبها جمعت بين الخوف والسعادة لخاطر البقاء مع بدر دائماً.همست أمل:إن كنت تعبث معي فسأكرهك إلى الأبد!ابتسم بدر، وأضاءت عيناه وبرزت وجنتاه بضحكته المعتادة.بدر:لا أعبث معكِ، أنا جاد تماماً! لماذا قد أرغب في الزواج من غيرك؟قفزت أمل فجأة وطوقت عنقه بيديها، تاركة قدميها تتأرجحان في الهواء، فاحتضنها بدر إلى صدره وهو يضحك. ولأنه لم يكن بالقوة الكافية لحملها طويلاً، سقطا معاً على الأرض خلف الستارة.سقط بدر على ظهره واستلقت أمل فوق صدره، لا تفصل بين أنفهما إلا بوصات قليلة.همس بدر بصوت خافت وهو يزيح خصلة شعر سوداء عن أذنها:أنت أملي.. ما أجملك!كانت أمل تشعر بضربات قلب بدر المتسارعة، وتجزم أن نبضها يماثله.رفع بدر صوته قليلاً وهو ينظر في عينيها:هل تتزوجينني يا أمل؟أمل:لا يمكننا الزواج الآن، نحن صغيران جداً!بدر:هل تتزوجينني عندما نكبر؟أمل:ولكنك سترحل عن القصر.. ماذا لو لم تعد؟ضغط بدر على شفتيه، وتألقت في عينيه عزيمة قوية.بدر:بالطبع سأعود! فأنتِ هنا يا أمل!أحبت أمل نبرة اليقين في صوته.أمل:ولماذا تريد الزواج مني بالذات؟بدر:لأنني أحبكِ بالطبع! أليس هذا واضحاً؟شهقت أمل واعتدلت في جلستها بسرعة، ثم وقفت ووضعت يديها على فمها. وقف بدر خلفها قريباً منها وهو يعقد حاجبيه.بدر:ما بكِ؟ لماذا سأطلب منكِ الزواج إن لم أكن أحبكِ؟ ألا تحبينني؟لم تفكر أمل في الحب من قبل، وإن فكرت فيه تذكرت والديها؛ فهما يحبان بعضهما، ويتبادلان الضخكات والاسرار.وكان بدر أسرارها وأفضل أصدقائها، وهو من تضحك معه أكثر من أي شخص آخر، وستشتاق إليه شديد الشوق حين يرحل.اعترفت أمل:ربما أحبك أيضاً.أنارت اعترافاتها وجه بدر بابتسامة مشرقة، وفوراً أخرج خاتماً ذهبياً صغيراً كان يرتديه في خنصره، وهو خاتم أهداه إياه والداه بمناسبة التحاقه بالمعهد.أمسك بدر بكف أمل ووضع الخاتم في وسطها ثم أغلق أصابعها عليه.بدر:سأعطيك خاتماً أجمل عندما أصبح أملك مالي الخاص، لكن أريدك أن تحتفظي بهذا من أجلي. سأعود من أجلك يا أمل، هذا وعد، وعندما أعود سأتزوجكِ.غمرت أمل موجة من الفرح والاطمئنان أزالت كل الحزن الذي شعرت به قبل دقائق، فقبضت على الخاتم بقوة.فكر بدر لحظة ثم قال:جاءتني فكرة! يحيى!أمل:ما به يحيى؟بدر:يحيى سيتعلم ليكون إماماً ومأذوناً عندما يكبر، أمي تصصر على ذلك! يمكنه أن يزوجنا الآن!أمل:ماذا؟ وهل سنصبح زوجين حقاً إن قال الكلمات التي يقولها المأذون؟ابتسم بدر وقال:لا أعلم، لكن هذا يعني أن لي زوجة في القرية سأعود إليها يوماً ما!أمسك بدر يد أمل وطبع عليها قبلة جعلت الدماء تتدفق في وجنتيها.بدر:أعدكِ.. أعدكِ أنني سأعود وأكون زوجكِ بحق عندما أصبح رجلاً.. هل تقبلين بي زوجاً يا أمل؟ رجاءً؟ابتسمت أمل لفكرة أن تكون معه دائماً.أمل:وعندما تعود سأكون زوجتك؟هز بدر رأسه مؤكداً.أمل:إذن أنا موافقة، سأتزوجك.تهلل وجه بدر، ولم يضيع وقتها حتى فاجأ أمل بقبلته الأولى، ورفعها عن الأرض فرحاً قبل أن يبتعد بابتسامة أوسع.أمل:عدني أن تكتب لي كل أسبوع! وأنا سأكتب لك كل أسبوع أيضاً.بدر:سأكتب لكِ كل أسبوع، بشرط أن تعديني بأن تنتظرينني.أمل:سأنتظرك.أمسك بدر بيدها مجدداً وسحبها من خلف الستارة.بدر:هيا بنا لنبحث عن يحيى!وركذا معاً في أروقة القصر يبحثان عن أخيه ذي التسع سنوات.