LNCrawler

قصر البساتين- بارت 2

رواية قصر البساتين — www.novlay.com · All chapters

قصر البساتين- بارت 2

بعد اثني عشر عاماًقالت أمل وهي ترافق الطبيب إلى الباب الخارجي لبيتهم:شكراً لك على تحملك مشقة الطريق يا دكتور.كانت عيادة الطبيب في العاصمة، وقطع تلك المسافة الطويلة لم يكن بالأمر الهين. لكن الطبيب الوحيد القريب من أطراف العاصمة كان يتقاضى أجراً يوازي راتب شهر كامل مقابل الزيارة المنزلية. وكان هذا الطبيب المتقاعد معروفاً ورحيماً، ولم يطلب من أمل إلا ألقاباً قليلة لقاء معالجة أمها.رد الطبيب بأسف وهو يهز رأسه:يتوجب على والدتك الالتزام بالفراش وإراحة ساقها المصابة، وإياها أن تطأ عليها لشهرين على الأقل. سأعود حينها لمعاينتها. هل ستسهرين على خدمتها؟هزت أمل رأسها وقالت:لا، أختي الصغرى رحاب هي من ستلزم البيت لرعايتها. أما أنا فكان يفترض أن أكون في عملي الآن.. ولكن شاء الله وغير ذلك.رفع الطبيب يده مقاطعاً بلطف:لا تقلقي، أنسني ذكاء أختك حين التقيتها فوق، وهي كفيلة بهذه المهمة. عنواني في العاصمة معكِ، فلا تترددي في مراسلتي.ثم وضع قلنسوته فوق شعره الأشم الشديد الجعودة، وانحنى قليلاً:في أمان الله يا ابنتي.ابتسمت أمل ابتسامة خفيفة وقالت:في أمان الله يا دكتور.أغلقت الباب وتنهدت بثقل وهي تتكئ على الإطار الخشبي، وجالت بعينيها في أرجاء المكان.كانت الترقيعات تتراكم، والغسيل لم يُمَس، وأواني الفطور ما زالت متسخة، والعجين لم يُعجن بعد. هذا فقط في الدور السفلي، أما في الأعلى فهناك غرف النوم الممتلئة بالغبار والملابس المتراكمة.كانت أختها رحاب، ذات السبعة عشر عاماً، هي من تتولى شؤون البيت عادة منذ أن تزوجت أختهما الوسطى شيماء قبل عام. لكن وقت رحاب انشغل تماماً بالاهتمام بأمهما المريضة، فلم تعد أعمال البيت من الأولويات.عادت أمل سريعاً إلى غرفة أمها في الدور العلوي، حيث كانت رحاب تسند الساق المكسورة بوسادة.ابتسمت الأم لـ أمل وحثت يدها نحوها. جلست أمل على طرف الفراش وأمسكت بيد أمها.كانت الأم امرأة طيبة، مدورة الوجه وذات هيئة دافئة ونفس كريمة. لكن ملامحها تغيرت وشعرها الأسود بدأ يكتسي بالبياض خلال السنوات الخمس التي مضت منذ وفاة زوجها.عند وفاة والدها، عملت أمل وأمها في خدمة بيت إحدى العائلات الثرية في القرية المجاورة، وظلتا هناك حتى سقطت الأم من على الدرج وانكسرت ساقها. ولولا لطف الله ثم تدخل الطبيب، لربما بُترت ساقها.ولكن بغياب أجر الأم، لم يعد أجر أمل الضئيل يكفي للإنفاق على البيت وإطعام إخوتها الثلاثة. فـ إبراهيم، البالغ من العمر خمسة عشر عاماً، كاد لا يحصل على أجر يذكر من عمله عند الحداد، ولولا أن زوج شيماء هو صاحب الورشة لما قبل بتدريبه عنده. أما أسامة، الأصغر ذو الاثني عشر عاماً، فكان مثل أمل في مثل سنه؛ استغرقته طفولته، ولم يطاوع أمل قلبها أن تطالبه بتركها.مما يعني أن العبء كله وقع على كاهلها بصفتها الكبرى. استقالت من عملها السابق، وأخذت شهادة حسن السلوك إلى مكان أقسمت يوماً ألا تطأه بقدمها مجدداً.قالت أمل كررت الكلام لأمها:يقول الطبيب إنه يلزمك الراحة لشهرين على الأقل يا أمي.قالت الأم بقلق:شهرين كاملين؟ كيف سنمضي أمورنا؟ سيتوجب على أسامة ترك الدراسة والبحث عن عمل عند انتهاء الصيف!قالت رحاب بثقة:لا تقلقي نفسك يا أمي، ستسير الأمور على خير ما يرام، فأمل تدبر شؤوننا دائماً.كانت أمل وشيماء ورحاب يتشابهن كثيراً؛ شعر داكن وعيون زرقاء صافية، غير أن عيني أمل تحويان لمحة كأنها زهر الخزامى، وهو وصف قيل لها يوماً ولم تنسه أبداً. لم تكن قامتهن طويلة، لكن رابطتهن كانت قوية جداً، خاصة بعد رحيل والدهن.قالت أمل وهي تتصنع الابتسامة:في الواقع يا أمي، أنا ذاهبة اليوم للتقديم على عمل جديد.قطعت الأم حاجبها وتساءلت:عمل جديد؟ وأين؟ابتلعت أمل ريقها وقالت:في قصر البساتين.مجرد التفكير في ذلك القصر الكبير أرسل قشعريرة في جسد أمل. لم تعبر عتبته منذ كانت طفلة في الحادية عشرة، وحتى حينها لم يُسمح لها إلا باللعب في المطبخ.ارتسمت على وجه الأم علامات الضيق، فنظرت إليها رحاب بمساندة لأنها كانت تعلم بالخطة.قالت الأم بإصرار:أو يتوجب عليك ذلك يا أمل؟ بعد كل ما قيل يومها..قاطعتها أمل بلهفة:أمي! رجاءً لا أريد الخوض في الماضي، فقد كان طيش أطفال ونحن كبرنا. نحن بحاجة إلى أجر أفضل، وأصحاب القصر يدفعون للخدم أكثر من غيرهم. ثم إن القصر فارغ أصلاً!فقد رحل أصحاب القصر ولم يعودوا إليه منذ سنوات طويلة.هزت الأم رأسها بقلة حيلة وقالت وهي تعصر يد أمل:أنا حزينة لأجلك يا أمل، لكنني ممتنة لكِ. وأحمد الله أنهم ليسوا هناك، فأن لا أطيق تلك المرأة، شيخة كانت أم غير ذلك، تمشي دائماً وكأن تحت أنفها رائحة كريهة!تبسمت أمل في سرها، ورغم أنه لا ينبغي الحديث عن سيدات المجتمع بهذه الطريقة، إلا أنها كانت توافق أمها الرأي. ولكن إن أرادت العمل هناك، فعليها الاحتفاظ بهذه الأفكار لنفسها.قالت أمل وهي تنظر إلى الساعة الحائطية الصغرى:يجب أن أنطلق يا أمي، فالخالة أم خديجة تنتظرني في الثالثة.كان المشي إلى القصر يستغرق نصف ساعة، وعليها المغادرة فوراً.قالت الأم:تلك امرأة فاضلة، على الأقل ستعاملِك بطيبة، فلم أسمع منها كلمة سوء قط.وافقتها أمل كلياً. ورغم أنها لم تكن على صلة وثيقة بها لفارق السن، إلا أن أم خديجة كانت امرأة طيبة. كانت تدير شؤون القصر الآن، لكنها في الماضي كانت مربية لأطفال أصحاب القصر الثلاثة، ولشدة معزتها عندهم أبقوها في القصر حتى بعدما كبر الأطفال.قَبّلت أمل جبهة أمها، ورافقتها رحاب إلى الباب.سألت رحاب بقلق:كيف تشعرين؟ابتسمت أمل تطمئنها:أنا بخير يا رحاب. سأعمل خادمة في القصر لا أكثر. أظنك نسيتِ أنني في الثالثة والعشرين من عمري، لست طفلة، وقد نسيت كل ما حدث في الماضي.ورغم مرور اثني عشر عاماً منذ آخر مرة رأت فيها قصر البساتين، إلا أن أمل شعرت بتلك الرجفة القديمة تسري في أطرافها وكأنها لا تزال طفلة.كان القصر المبني على الطراز القديم يرتفع بشموخ يفوق أي بناء حوله، شاسعاً ومبهراً يشي بثرائه الفاحش. وأصحاب القصر عائلة معروفة بسعة الرزق والنفوذ، حتى وإن غابوا عن ديارهم لأكثر من عقد.كانت لأمل ذكريات سعيدة هنا أيضاً رغم الاضطراب الذي يملأ جوفها، ولعل تلك الذكريات كانت السبب في تجنبها المرور بالقرب من القصر طوال تلك السنين.لو أصغت جيداً، لخيّل إليها أنها تسمع صوت الشيخة تصرح بها لأنها وضعت يديها المتسختين على جدار الصالة. وكان هناك صوت آخر.. صوت طالما جاهدت لإبعاده عن أفكارها.جبرت أمل نفسها على التفكير في أمها وإخوتها؛ فإن لم تحصل على عمل بأجر أعلى فسيتضورون جوعاً. هي الآن امرأة كبيرة، وكل تلك الترهات باتت خلف ظهرها.لم تدل أمل من الباب الرئيسي، فهذا ليس من الأدب، بل طافت حول السور لتبلغ الباب الجانبي المخصص للباعة والخدم. وهو الباب نفسه الذي كانت تدخل منه وهي طفلة لأنه يؤدي مباشرة إلى المطابخ.كان المطبخ هو الجزء الوحيد الذي يُسمح لها بدخوله. وغريب كيف أنها لم تطأ هذا الطريق منذ وقت طويل، لكن قدميها عرفتا المسار دون تفكير.عبرت الفناء الملحق بالمطبخ، وأخذت نفساً عميقاً ثم تقدمت بثبات ونقرت على الباب.فتحت الباب جارية صغيرة لم تعرفها أمل، يبدو أنها في التاسعة عشرة من عمرها.سألت الجارية وهي تعقد حاجبيها:نعم؟قالت أمل:مساء الخير، أنا أمل، وأظن أن الخالة أم خديجة بانتظاري.فتحت الجارية الباب أكثر، فدخلت أمل إلى المطبخ الذي لم يتغير منه شيء، ربما بدا أصغر قليلاً مما ذكرته في طفولتها.كانت الموقد الكبيرة تحذي الجدار الإناء لإعداد الموائد الضخمة، وفي المنتصف طاولات خشبية عريضة عليها أوانٍ ملأى بالخضار والفاكهة. وأججت رائحة الطهي الشهية جوع أمل.كان الخدم ينتشرون في كل مكان؛ فالقصر يحتاج عشرات الأيدي ليبقى في أبهى صورة. وبجوار المطبخ كانت هناك غرفة طعام الخدم، يجلس عند طاولتها الطويلة بعضهم مع أكواب الشاي، والبعض الآخر يشتغل بالترقيع والغسيل ونظافة الفضيات.كان المكان أكثر حركة بكثير من عملها السابق الذي لم يكن فيه سوى أربع جوارٍ.ثم ألمحت أمل وجهاً تعرفه؛ الخالة أم خديجة. كانت في منتصف الأربعينيات، لكنها تنبض بالحيوية رغم خطوط الزمن على وجهها. ترتدي ثوباً أسود يميزها عن بقية الجواري.تقدمت أم خديجة بابتسامة دافئة وقالت:أهلاً بك يا أمل، أهلاً وسهلاً.قالت أمل:أهلاً بك يا خالة.قادتها أم خديجة إلى حجرتها الخاصة الملحقة بالمطبخ، وهي مكتب صغير فيه نافذة ومقاعد مريحة وطاولة عليها بعض الرسائل وكوب شاي.جلست أمل على الكرسي، واستقرت أم خديجة في مكتبها لتتصفح ورقة التوصية التي أرسلتها أمل سابقاً.قالت أم خديجة بصدق:أشكرك على كتاب التوصية يا أمل، أرى أنهم كانوا يعتزون بكِ وبأمانتك.ثم رفعت رأسها وأردفت:سمعت أن والدتك أصيبت مؤخراً، كيف حالها الآن؟أمل:شكراً لسؤالك يا خالة، لقد كُسرت ساقها، وعاينها الطبيب اليوم وطلب منها الراحة لشهرين على الأقل.أم خديجة:أتمنى لها الشفاء العاجل.أمل:تسلمين يا خالة.سألتها أم خديجة:حدثيني قليلاً عن خبرتك في عملك السابق؟أمل:في الأشهر الأخيرة، كانت ربة البيت تطلب مني خدمتها الخاصة؛ فتعلمت تسريح الشعر، وترقيع الثياب الثمينة، والعناية بالملابس..لو استطاعت أمل أن تصبح جارية خاصة لإحدى السيدات يوماً ما، لصلح حال عائلتها كثيراً.أثنت أم خديجة على مهاراتها وقالت:ممتاز، هذه مهارة قيمة جداً.ثم تغيرت تعابير وجهها وأردفت بتأمل:لقد كبرت كثيراً عما كنت عليه يا أمل! طبعاً كنت طفلة حينها، لكن كلما ذكرت اسمك تذكرتك أنت و.. العفو منك، الشيخ بدر.. وهما يركضان هنا وهناك ويتضاحكان ويحدثان الفوضى!كانت هذه المرة الأولى منذ وقت طويل جداً التي تسمع فيها اسمه يُنطق علناً. فعائلتها توقفت عن ذكره منذ سنوات، وأمل نفسها كفت عن البكاء عليه منذ زمن.ولكن بمجرد نطق اسمه، تذكرت كل لحظة جميلة جمعتهما قبل أن يرحل إلى العاصمة. لقد كان بدر أهم شخص في حياتها يوماً ما.وعندما شعرت أمل بتلك الذكريات وهي تغزو عقله، زجرت نفسها بقسوة لتذكر نفسها بالسبب الذي جاءت من أجله.قالت أمل بنبرة شبه رجاء:أتمنى ألا تكون تلك الذكريات وشطحات الأطفال سبباً في حرماني من فرصة العمل يا خالة!ضحكت أم خديجة وقالت:أوه لا، إطلاقاً! بل جعلتني أفتقدهم جميعاً حين كانوا صغاراً.أدركت أمل أن الخالة تشتاق إليهم، وهذا طبيعي فقد ربتهم صغاراً.تابعت أم خديجة:ولكن الحمد لله، أيام الغياب أوشكت على الانتهاء! العفو منكِ، أنا مشتتة الذهن اليوم لورود أسباب مبهجة.ثم وضعت يديها على الطاولة وأردفت:أنا واثقة أنك ستكونين إضافة ممتازة لخدم هذا القصر يا أمل. أريدك أن تبدئي العمل غداً صباحاً. خذي بقية اليوم لجمع أغراضك، هل تستطيعين التواجد هنا في السادسة تماماً؟انقشعت الخوف والاضطراب وحل محلهما شعور عارم بالارتياح. مجرد معرفة أن عائلتها ستكون بخير كان كافياً لتتحمل أي شيء.قالت أمل:نعم بالتأكيد! أشكرك جداً يا خالة على هذه الفرصة.تمنت أمل لو تقبل يدها من شدة الامتنان، لكنها اكتفت بالانسحاب بأدب خارج الحجرة إلى الفناء.استنشقت أمل هواء الصيف الخفيف وعطر المكان. ستكون الأمور على ما يرام، ولا داعي للقلق بل للابتهاج فقط.لقد تغير قصر البساتين، وهي أيضاً تغيرت.ثم انطلقت أمل عائدة إلى بيتها لتبشر أمها ورحاب بالخبر السار.تشاركت أمل غرفة النوم مع أختها رحاب، وكانت أختهما الوسطى شيماء تنام معهما أيضاً قبل زواجها من إبراهيم. وسنوات الطفولة والصبا الطويلة في هذا القرب جعلت بين الأخوات سراً واحداً وقلباً واحداً.ولهذا كانت رحاب تراقب أمل بحذر وعناية وهي تحزم شلائلها القليلة في حقيبة سفر قديمة.كانت الأم تعلم طبعاً بما جرى في الماضي، لكن رحاب وشيماء هما من احتضنتا أمل وضماها بين أذرعهما وهي تبكي حتى تنام لليالٍ وشهور طويلة.قالت أمل وهي تطوي ثوبها النظيف:رحاب، رجاءً لا تقفي فوق رأسي هكذا! هذا أمر طيب، وسأتقاضى ضعف ما كنت أتقاضاه في عملي السابق، وسنجد ما نأكله. أم أنك حزينة لأنك لن تجدي حجة للذهاب هناك ورؤية الشاب محمود؟كانت هذه دعابة عائلية صغيرة بينهن، إذ تمازحن رحاب دائماً بإعجابها بـ محمود، ابن أصحاب البيت السابقين. ورغم أن أمل تراه معجباً بنفسه بعض الشيء، إلا أنه كان وسيماً ومحط أنظار الفتيات.احمر وجه رحاب فوراً وقالت بخجل:اسكتي! ثم إنني لا أقف فوق رأسك.. ولكن، ماذا لو عاد إلى القصر؟قالت أمل بحدة حازمة:لن يعود، والأمر انتهى وصار واضحاً كالشمس.ثم تنهدت وأردفت:هيا اذهبي وابدئي بإعداد العشاء؛ فـ إبراهيم وأسامة سيعودان قريباً وهما يتضوران جوعاً، وأنا عليّ إكمال الحزم.هزت رحاب رأسها بالقبول على كره وخرجت من الغرفة، فشعرت أمل بوخزة ندم لأنها جرحت أختها الصغرى، وهي تعلم أن رحاب لا تريد إلا مصلحتها.توجهت أمل إلى الخزانة الخشبية وفتحت الدرج العلوي؛ وهو درجها الخاص منذ صغرها تحفظ فيه كتبها وأشرطتها.. وذكرياتها الثمينة. أخرجت حزمة من الرسائل المربوطة بشريط أبيض، وفي وسطها يقبع خاتم ذهبي صغير؛ الخاتم الذي أهداه إياها وعداً قبل سنوات طويلة.كان أمراً طفولياً أن تتألم من وعد قطعه صبي، ولم يعد الألَم يلتهمها كما كان في السابق، فالزمن كفيل بدمل الجراح. لكنها لم تطيق يوماً فكرة التخلص من هذه الرسائل أو من الخاتم الذي بذله بدر بصحبة وعوده.حين رحل بدر إلى العاصمة، وفى بوعده في البداية؛ فكان يراسلها باستمرار. يشكو في رسائله من معلميه وزملائه ووالديه اللذين أبعداه، ويؤكد لها شرفه بشوقه وحبه لها.ولكن عند انقضاء عام كامل على رحيله وغياب عائلته عن قصر البساتين، تلقت أمل رسالة أخيرة منه.. كانت الرسالة القاضية.حلت أمل الشريط الأبيض بحذر، ومررت الخاتم في إبهامها كي لا يضيع، ثم سحبت الرسالة العلوية وفتحتها. كانت مؤرخة في الخريف.بدأت الرسالة باسمها فقط: "أمل".مجرد كلمة "أمل"، دون "أملي الحبيبة" أو "أمل الغالية" كما كان يكتب في كل رسالة سابقة. وتذكرت أمل كيف عرفت بمجرد رؤية اسمها مجرداً أن خطباً قد وقع." أعتذر لأنني أكتب لكِ هذا في رسالة ولا أقوله وجهاً لوجه، لكن يتوجب عليّ إكمال ما بيننا.ما اتفقنا عليه لا يمكن أن يكون، وأنتِ تعرفين السبب يقيناً.لقد كبرتُ هذا العام، ولم أعد أستطيع خداع نفسي أو التظاهر بأنني أستطيع فعل ما يحلو لي. أجبرت على مواجهة حقيقتي، فأنا ابن إحدى أكبر العائلات وأثرى الشيوخ في البلاد. ومن أتزوجها ومن أخالطها أمر يتوجب حسابه بدقة.بقدر ما كانت صداقتنا تعني لي، يجب أن تتوقف هنا. لا يمكننا أن نكون أصدقاء ولا أي شيء آخر، فهذا لا يليق بمقامنا. وعليكِ أن تفهمي أننا من طينتين مختلفين تماماً.هذه رسالتي الأخيرة، ولن أكتب لكِ مجدداً. ومن الآن فصاعداً سأعتبركِ غريبة عني، كما يتوجب عليكِ اعتباركِ غريباً عنكِ.أتمنى لكِ الصحة والعافية.بدر"غص الحلق بـ أمل، ودهشت كيف لكلماته أن تؤثر فيها بعد كل هذه السنين. كانت أثار الحبر المنسكب من دموعها القديمة ما زالت ظاهرة على الورقة.آه كم ذبح هذا الكتاب قلبها وهي طفلة! كانت كل كلمة كالسيكن تطعنها مراراً وتكراراً.لقد تغير.. ولكن ماذا كانت تنتظر؟ لقد قطع بدر وعداً لا يستطيع الوفاء به حتى لو أراد. لم تكن أمل تدرك ثقل واجبه حين كانت صغيرة، ولا تظن أنه كان يدركه أيضاً. ولم تفهم إلا بعدما كبرت مدى ثراء عائلته ونفوذهم، وأن بدر هو الوارث لكل ذلك المجد.كان مقدراً له العظمة، ولا بد له من عروس تناسب مقامه.قالت أمل لنفسها جازمة:يكفي!ورغم أنها قالت هذه الكلمة لنفسها آلاف المرات، إلا أنها لا تدري لم تجبر نفسها على نبش الذكريات الآن! فهي لن تراه إطلاقاً، ولا تدري أين هو، ولكنه حتماً لن يكون في قصر البساتين.أكملت أمل حزم حقيبتها، وضعت الرسائل والخاتم مع أغراضها على كره، ثم حملت الحقيبة إلى الأسفل ووضعتها عند الباب لتكون جاهزة للمغادرة صباحاً.كانت رحاب قد أعدت حساءً فواحاً يغلي على الموقد. وجلس إبراهيم وأسامة وشيماء وزوجها إبراهيم حول الطاولة يتسامرون.فور رؤية شيماء لـ أمل، قفزت من مكانها وعانقتها بشدة. كانت شيماء تبدو بأبهى حلة، ترتدي ثوباً بنفسجياً زاهياً مع دبوس فضي عند الطوق، صممه لها زوجها إبراهيم الحداد الشاب؛ فقد كان بارعاً في صنع هذه الحلي، وهي الطريقة التي كسب بها قلب شيماء.همست شيماء بنبرة قلقة وعيناها تتألقان:أنتِ تذهبين إلى عرين الأسد!ردت أمل باقتضاب:اسكتي! أنا ذاهبة لأعمل جارية في قصر، هذا كل ما في الأمر. الأجر ممتاز ولا داعي للقلق أبداً.ثم أخذت بيد أختها وقادتها إلى الطاولة، وغيرت مجرى الحديث مبتسمة:كيف كان يومك يا إبراهيم؟ وأنت يا أخي؟كان إبراهيم الحداد رجلاً طوالاً قادراً، قاطر العضلات يبدو كالمارد بجانب زوجته الناعمة. وكانت بشرته تعلوها سمرة الفحم الذي لا يزول تماماً. ورغم هيئته الشديدة، إلا أنه كان خلوقاً وطيباً ويغمر شيماء بالحنان. ولولا أنه قبل تدريب إبراهيم الصغير في ورشته، لما استطاعت العائلة تحمّل نفقة تدريبه.قال إبراهيم:يوم عادي، أصلحنا بعض العجلات، وقام إبراهيم بتركيب حدوة حصان بنفسه اليوم.كان إبراهيم ابن الخامسة عشرة يبتسم بفخر، وتظهر أثار التعب الجسدي على جسده الذي كان نحيلاً.قال إبراهيم الصغير:لم يكن أمراً كبيراً.أثنت عليه أمل:بل إن هذا إنجاز كبير! أنا نفسي لا أعرف كيف تُركب حدوة حصان! وأنت يا أسامة، ماذا فعلت اليوم؟كان أسامة ذو الاثني عشر عاماً دائماً أشعث الشعر، مخدوش الركبتين، وثيابه ملطخة بآثار العشب، وهو ما كانت الأم وأمل تحبان أن ترياه عليه كأي طفل في سنه.قال أسامة:ذهبت للصيد لكنني لم أصطد شيئاً، ثم سبحت مع أصدقائي في الغدير قبل أن نتسلق الأشجار.قالت أمل متعجبة:السباحة؟ أنت مجنون! الغدير بارد كالجليد في هذا الوقت!ضحك أسامة ضحكة خفيفة:نعم بارد جداً! وأول من يخرج منه يجلس في الصف الأول عند العودة إلى الكتاب.. وطبعاً لم أكن أنا أول من خرج!قدمت رحاب الطعام، ثم أخذت صحناً لوالدتهما في الأعلى، واستسلمت أمل للاستمتاع بآخر وجبة مع عائلتها قبل الانتقال.ستكون الأمور على ما يرام.. لا بد أن تكون كذلك.الطريق إلى أطراف العاصمةقالت الشيخة حصة بغضب، للمرة العشرين في ذلك الصباح:أنا غاضبة ومستاءة للغاية! هذه إهانة كاملة لنا!وكان صب جام غضبها في ذلك اليوم على ابنها الأوسط يحيى. فـ يحيى قضى ليلة حافلة، وأمضى بقيتها في محبس العاصمة، حتى أخرجه والده سراً قبل الفجر بعد دفع غرامة مالية ورشوة سخية لضمان عدم تسرب الخبر إلى الناس.كان يحيى يجلس في العربة مقابل أمه، يرجع رأسه إلى الخلف ويضع منديلاً على عينيه لتهدئة الصداع الناجم عن المشروب الذي احتساه.وجلست سارة ذات التسعة عشر عاماً بين أخويها، بينما جلس بدر في الجهة المقابلة بجانب والده الشيخ منصور.كان بدر يشعر بالأسف لأخيه، وربما كان سيندب حظه أكثر لو لم تكن هذه الحوادث متكررة من يحيى؛ إذ لا يكاد يمر وقت دون أن يوقع نفسه في مشكلة ما، لطيشه ورغبته الدائمة في عناد والديه.لم يعد بدر يتذكر أن والديه كانا يخططان لـ يحيى كي يصبح إماماً أو مأذوناً؛ فـ يحيى أبعد ما يكون عن الصلاح والتقوى.لكن هذا لم يمنع بدر من محاولة حمايته؛ فمع وجود أم كوالدتهما، كان من الضروري أن يرعى أخويه، وهو واجب يفخر به.قال بدر بحزم:أمي، دعكِ منه الآن.وافق منصور زوجته قائلاً:نعم يا حصة، كفانا حديثاً عن هذا، أريد الاستمتاع بهذا اليوم.همست حصة بنبرة حادة:خسمائة قطعة ذهبية خسائر! وامرأتان لا يُذكر اسمهما!قاطعها بدر بسرعة:أمي!فلا ينبغي لـ سارة أن تسمع مثل هذا الكلام.كان الوالدان يجلسان متباعدين قدر ما تسمح به العربة. لم تكن بينهما مودة يوماً، لكن جل شجارهما كان يدور حول الأولاد وما يرونه الأنسب لهم دون أخذ رأيهم.كان بدر يوافق والده الرأي؛ فهو أيضاً يريد الاستمتاع بهذا اليوم. فهم عائدون أخيراً إلى ديارهم.. بعد اثني عشر عاماً من الغياب.أكمل بدر دراسته العليا في العاصمة كما فعل يحيى، وبعدما أنهت سارة تعليمها، وافقت حصة أخيراً على أن الوقت قد حان للعودة إلى قصر البساتين.كان بدر لا يزال يتذكر بيت طفولته بدقة. كل ذكرياته هناك كانت بريئة وجميلة، وكان أعدل أيامه وأسعدها هي التي قضاها في قصر البساتين، ويأمل مخلصاً أن يستعيد شيئاً من تلك السعادة الآن.لقد كبر بدر خلال فترة غيابه، وكان عليه أن يكبر؛ فشخص ما كان عليه حماية يحيى من طيشه. لقد نضج واختلفت نظرته للعالم عن طفولته.كما ذاق بدر مرارة ألم مكتوم أجبَرته على ترك أوهام طفولته جانباً. صار ذكياً وحصيفاً، وعمل عن قرب مع والده في العطلات ليتعلم كل شيء عن إدارة الأملاك.وفي السنوات الثلاث التي تلت إتمام دراسته، نضج عاطفياً أيضاً. كانت أمه تتصل بالبيوت الكبيرة وكأنها في معركة حربية، وهي من دبرت التعارف بينه وبين خطيبته الجديدة، الشريفة مريم. كانت مريم سليلة حسب ونسب وتملك ثروة طائلة، وتصل نسبها بعائلات النبلاء.لم تجد حصة عيباً في بدر خلال الأسابيع الثلاثة التي تلت خطبته، فصار يحيى المسكين هو الهدف الجديد لانتقاداتها المستمرة. وكان بدر واثقاً أن طيش يحيى ليلة الأمس لم يكن إلا نتيجة لتدخلات أمه المستمرة.كان بدر يعلم أن خطبته هي القرار الصائب؛ فهذا هو العرف المتبع، وأغلب الزيجات في طبقتهم هي زيجات مصالح وأنساب، تماماً كزيجته المرتقبة. وبصفته الوارث لوالده، سيكون سيد القصر يوماً ما، ومن واجبه أن يتزوج زواجاً يرفع من شأن العائلة.لم يعد الحب أمراً ذا أهمية في هذا الزمن على أي حال، ويكفي المرء أن ينظر إلى والديه ليتأكد من ذلك. ورغم أنه ظن يوماً أنه وجد الحب، إلا أنه يعلم الآن أنه كان مخطئاً وطائشاً.