قصر البساتين - الفصل الثالث
قصر البساتين - الفصل الثالث
سارة بنبرة تحاول إدراج البهجة فيها:أكاد لا أتذكر قصر البساتين!ذمر منصور:ومن السبب في ذلك؟أدار بدر عينيه ونظر من النافذة، ثم ضغط على يد أخته ليؤكد لها أنه يعلم أنها تحاول تخفيف التوتر في العربة. كانوا بحاجة ماسة للوصول؛ فـ بدر ويحيى يحتاجان إلى استراحة من والديهما.كانت طبيعة أطراف العاصمة الخضراء منظراً يسر العين بعد طول مقام في زحام المدينة. ورؤية الأشجار المتراكمة أعادت إليه البهجة، ولا شك أن الخروج للصيد والركوب سيكون ممتعاً.ركز عينيه على الأراضي الممتدة، وكانت كل شجرة متميزة أو صخرة كبيرة تعيد إليه ذكرى قديمة؛ فقد قضى طفولته في الهواء الطلق، يركض ويطارد تلك الفتاة.بالطبع، خطر بباله أنه قد يلتقي بها عند عودته إلى قصر البساتين. لكن وقتاً طويلاً مضى منذ أن قُطعت تلك الصلة واندثرت تماماً. ولم يكن بدر واثقاً مما سيفعله أو يقوله إن رآها.كان من الصعب ألا يتخيلها الآن والذكريات تعود. ستكون في الثالثة والعشرين من عمرها، فهو يتذكر تاريخ ميلادها. هل تزوجت؟ لا يعلم. هل أنجبت أطفالاً؟ هل هي سعيدة؟ورغم مرور كل هذه السنين، كانت أمل لزمن طويل هي مركز عالم بدر. ومهما كان لقاؤهما المرتقب - إن حدث اصلاً - فقد أجمع بدر أمره على أن يكون غير أبالٍ ولا مهتم.فلم يعودا أطفالاً.بدت الفراسخ الأخيرة وكأنها ساعات طويلة مع استمرار أمه في التذمر من تصرفات يحيى. ولكن الطريق المؤدي إلى قصر البساتين كان واضحاً لا يخطئه أحد، وسرعان ما ظهر القصر الأبيض الشامخ كاللؤلؤة.ابتسم منصور وهو ينظر من النافذة يتأمل أملاكه الواسعة.كانت البوابة الكبيرة مفتوحة بالفعل، وسارت العربة في الممر الطويل المحفوف بالأشجار المنسقة. وصلوا أبكر مما هو متوقع، ولذا لم يكن الخدم يستعدون لاستقبالهم بالخارج.كان من المقرر عودتهم بعد أسبوع، لكن حصة استعجلت الرحيل من العاصمة فور خروج يحيى من المحبس.قالت حصة حازمة:سأعد المغاسل للجميع. وأنت يا يحيى، تفوح منك رائحة الشراب، وعليك الذهاب إلى الفراش فوراً!أن يحيى بتأوه عالٍ.توقفت العربة، وسمع بدر خُطى الجواري والخدم وهم يستعدون لفتح الباب ونزل بدر ومنصور أولاً، ثم ساعدا سارة وحصة على النزول. وخرج يحيى أخيراً يتعثر في خطاه. وبدأت حصة في إصدار الأوامر بسرعة، بينما رفع بدر رأسه يتأمل القصر، وارتسمت ابتسامة خفيفة على طرف شفتيه.قال بدر محفزاً أخاه وأخته:هيا بنا لنفاجئ الخالة أم خديجة!كان مجرد ذكر مربيتهم القديمة كافياً لإثارة الحماس في نفس يحيى وسارة، فانطلق الإخوة الثلاثة يركضون نحو الباب الجانبي للقصر، متجاهلين صيحات أمهم المعترضة خلفهم.وصلت أمل محمّلة بمتاعها القليل قبل السادسة صباحاً بعشر دقائق. وبينما كانت القرية تغط في نوم عميق، كان القصر يضج بالحركة؛ حيث جلس الخدم يتناولون الفطور قبل البدء في مهامهم اليومية.كانت أمل تعرف عدداً منهم؛ فجميعهم يترددون على المسجد نفسه، ويحضرون المناسبات العامة. حتى إنها شاركت بعض الغلمان والخدم الضحك والأحاديث في أعياد القرية. ورغم أنهم جميعاً خدم، إلا أن العمل في قصر البساتين العظيم كان يضفي على صاحبه مهابة وقيمة بين أهالي الناحية.قدّمت الخالة أم خديجة أمل للجميع إيجازاً وهم يلتفون حول صحاف العسيدة، ثم أخذتها إلى مكتب رئيس الخدم. كان المكتب يماثل حجرة أم خديجة في المساحة والترتيب، وكان يجلس على كرسي جلدي رجل أشمط يضع نظارته، وقد غمر وجهه في صحيفة الصباح.قالت أم خديجة بطلاقة:صباح الخير يا عم إبراهيم.تصاعد صرير الورق حين رفع عم إبراهيم رأسه، وتبسم لأم خديجة بأدب قبل أن يضع صحيفته على الطاولة. كان يرتدي ثوباً زاهياً مهندماً، كما يليق برئيس خدم قصر البساتين.كان عم إبراهيم مديراً للخدم في القصر منذ أمد بعيد؛ وتذكرت أمل كيف كان يوبخها هي وبدر حين يركضان في الممرات السفلى وهما طفلان. وقشعر جسدها حين طفت على سطح ذاكرتها ذكرى قديمة دون إذن.قالت أم خديجة بلهجة رسمية:أعرفك بـ أمل، ستكون بديلة عن الجارية فاطمة.تذكرت أمل إعلان إشهار زواج فاطمة في المسجد قبل أسابيع.رد إبراهيم بتهذيب، دون أن يظهر عليه أنه عرفها كما عرفتها أم خديجة:أهلاً بكِ يا أمل.ثم التفت بعينيه الزرقاوين إلى أم خديجة وتساءل:هل أبدأ بإعداد الترتيبات؟هزت أم خديجة رأسها:نعم، ومتى ستخبر الخدم في القصر؟قال إبراهيم بنبرة مواربة:أنتظر التأكيد النهائي، لا أريد أن أستعجل فتنتشر الأخبار خطأً.عرفت أمل هذه النبرة؛ فهذا حديث لا ينبغي أن تستمع إليه، فانسحبت بأدب إلى الممر حيث حقيبتها. ورغم معرفتها بأن الأمر لا يعنيها، إلا أنها لم تستطع منع نفسها من الفضول: ما الخبر الذي سينتشر في القصر، ومتى سيعلم به الجميع؟خرجت أم خديجة بعد لحظات دون أن تنبس بكلمة، ولم تجرؤ أمل على السؤال. أشارت إليها أم خديجة بالتتبع، وقادتها إلى درج خشب ضيق.آه، كم مضى من الزمن منذ أن صعدت هذه الدرجات! كانت أمل تعلم أن هذه الأدراج تتخلل الجدران الداخلية للقصر كشبكة خفية، صُممت بعناية لتسمح للخدم بالتسلل والدخول والخروج دون أن يراهم أصحاب النعمة والأكابر وهم يجوبون القاعات الفاخرة.صعدت أم خديجة النشيطة الأدراج حتى بلغت الدور الثالث من القصر. كان هذا المكان طابقاً علوياً شاسعاً حُوّل إلى عشرات الحجرات الصغيرة للخدم. الممر طويل وضيق، تضيئه السرج الزيتية فقط لعدم وجود نوافذ، وينتصفه باب يقسم الطابق إلى قسمين.أخرجت أم خديجة حزمة مفاتيح وقالت وهي تفتح الباب:هنا تنام الجواري، وطباخة القصر، وأنا. ولا يملك مفتاح هذا الباب إلا أم أحمد الطباخة وأنا.قادتها إلى ممر مماثل ملئ بالحجرات المخصصة للجواري.وقفت أم خديجة عند حجرة على اليمين وفتحت بابها. كانت الحجرة تحوي نافذة صغيرة تتجه شرقاً، تسللت منها أشعة شروق الشمس. وفي الداخل سريران صغيران مرتبان بعناية، مع درج يحاذي كل سرير، ومرآة، وحوض غسيل، وطاولة كتابة صغيرة.وكان هناك ثوب داكن مطوي على أحد السريرين مع مئزر أبيض وغطاء رأس.أشارت أم خديجة إلى السرير:هذا فراشك، وتلك أدراجك. ستشاركين الغرفة مع الجارية "ورد"، لكنها نزلَت إلى الأسفل منذ وقت مبكر.ثم تنهدت وابتسمت:أنا أكبر فيكِ حرصك على عائلتك يا أمل، ليس سهلاً أن تحملي العبء مع مرض والدتك. إن احتجتِ أي شيء فلا تترددي في قصدي.قالت أمل بامتنان:أشكركِ جداً يا خالة على كل شيء.أومأت أم خديجة نحو الثوب:سأترككِ لترتدي ملابس العمل، ثم أظفر بك لأعلمكِ بمهام الصباح.تعلّمت أمل أسرع الطرق للوصول إلى غرف القصر عبر أدراج الخدم. ورغم أنها لعبت في القصر قديماً، إلا أن الاهتداء في هذه المماشي كان صعباً، واستفادت كثيراً من جولة أم خديجة.كانت أغلب القاعات مغلقة، وأثاثها الثمين مغطى بالأقمشة البيضاء لغياب أصحاب القصر. ولكن في هذا اليوم، كانت أم خديجة تنزع الستائر الشفافة الدقيقة عن النوافذ لغسلها وترقيعها.وكانت مهمة أمل، بفضل أناملها الدقيقة وخبرتها في ترقيع الثياب الثمينة، هي تفحص كل شبر من هذه الستائر والتقاط أي خرق أو نسل لترقيعه. كانت تفوح من الستائر رائحة الأماكن المغلقة طويلاً، وحمدت الله أن العث لم يتلفها.ورغم أن العمل كان يتطلب وقتاً وجهداً دقيقاً، إلا أن أمل استقرت في مجلسها وهي تشعر بالرضا، معلمة أن كل درهم تكسبه سيطعم أمها وإخوتها.كانت ستائر قاعات الضيوف والمجالس مطوية على طاولة طعام الخدم، وقعدت أمل تمسك بأول ستارة بين يديها. لم تكن تعلم كم الساعة، لكن أم أحمد والطباخات بدأن في إعداد طعام الغداء.جاءت جارية حمراء الشعر، ذات عينين جاحظتين ونمش متناثر على أنفها، وجلست على المقعد بجانب أمل.ابتسمت وقالت:طلبت مني الخالة أم خديجة أن أعينكِ، أنا "ورد".أدركت أمل أن هذه هي شريكتها في الغرفة.قالت أمل:أنا أمل، تشرفت بمعرفتك يا ورد.هزت ورد رأسها وسألت بفضول وهي تمسك بالطرف الآخر من الستارة لتفحصه:هل عندك أدنى فكرة لماذا نصلح كل هذه الستائر فجأة؟أمل:لا والله، لا أعلم.عثرت ورد على خرق فوراً، وسحبت الإبرة والخيط لتصلحه، ثم سألت:أين كنتِ تعملين قبل مجيئكِ إلى هنا؟أمل:كنت أعمل عند عائلة الميسورين في الناحية المجاورة، هل تعرفينهم؟ابتسمت ورد وقالت بحماس:بالطبع! يا إلهي، أليس ابنهم "محمود" وسيماً جداً؟تخيلت أمل أن ورد ستتوافق كثيراً مع أختها رحاب، فكلاهما تعجبان بـ محمود الوسيم، وإن كانت رحاب أخجل من أن تعترف بذلك. ورغم ثرائه، لم تكن أمل تحب الخيلاء والكبر في الرجال.قالت أمل ضاحكة:ليس قبيحاً على أي حال!فضحكت ورد.مضى الوقت سريعاً، واستمتعت أمل بالحديث الخفيف مع ورد، التي تبين أنها فتاة مرحة في العشرين من عمرها، جاءت من قرية بعيدة قبل أربعة أشهر بتوصية من خالتها التي تعمل عند أحد الشيوخ.وبينما هما تشتغلان، لاحظت أمل دخول أم خديجة إلى المطبخ لتهمس بالطباخة أم أحمد أثناء إعداد الغداء.قالت ورد معجبة:غرزتكِ دقيقة جداً يا أمل! لا يكاد المرء يلاحظ وجود خرق سابق!ابتسمت أمل وهي تتأمل الخرق الذي أصلحته للتو.قالت أمل:عندي أربعة إخوة أصغر مني، والترقيع والتعديل والتفصيل كان جزءاً من حياتي اليومية.وما إن أتمت جملتها حتى انفتح باب المطبخ بقوة وبشكل مفاجئ، فقفزت أمل فزعة وشُكت الإبرة في أصبعها، لتخرج قطرة دم حمرة من طرف سبابتها.التفتت رؤوس كل من في المطبخ نحو الباب بذهول.دخل ثلاثة أشخاص إلى المطبخ وعيونهم تجيل في المكان؛ رجلان وامرأة.كانت الأولى فتاة في غاية الجمال والنضارة، تحيط بوجهها خصلات شعر أشقر مموجة تتدلى من تحت عصابة وردية زاهية، وترتدي ثوباً فاخراً من اللون نفسه فوق رداء أبيض ناعم.ودخل معها شاب وسيم، ينضح وجهه بالتعب، أطول منها برأس، وذو جسد ممشوق. كان شعره البني غير مصفف، وثيابه الثمينة تبدو وكأنه نام بها.أما الرجل الثاني، فكان لا يقل وسامة عن الأول بل يفوقه، ويبدو أكبرهما سناً وأطولهما قامة. كان عريض المنكبين، قوي اللحي، ذكياً في هيئته، وثيابه الفاخرة مرتبة دون غضون. شعره بني فاتح كستنائي، مصفف بعناية عن عينيه.ومن مكانها، استطاعت أمل رؤية عينيه العسليتين.. ورأت فيهما الصبي الذي عرفته يوماً.لكنه لم يعد صبياً.. لقد صار رجلاً مهاباً، وهو يقف هنا الآن!تجمدت أمل في مكانها على المقعد وهي تتأمله. بدر هنا، بعد اثني عشر عاماً! وفي اليوم الأول لعملها في القصر تحديداً! أهي خدعة قاسية من خدع القدر؟لكن بدر لم يرَها. كانت ابتسامته المشرقة موجهة للخالة أم خديجة، وشعرت أمل بقلبها ينخلع في صدرها وهي تراه. ورغم أنه كبر، إلا أن ابتسامته هي هي؛ ترتفع وجنتاه الممتلئتان، وتصل البهجة إلى عينيه الواسعتين.انطلقت سارة ابنة القصر ونادت بحرارة وهي تفتح ذراعيها لمربيتها القديمة:خالة أم خديجة!من شدة الصدمة، لم تلاحظ أمل الفرحة العارمة التي غمرت وجه أم خديجة، حيث أطلقت صيحة ابتهاج وسالت دموع الفرح على وجنتيها وهي تحتضن سارة وتقبلها:يا بنيتي! لقد صرتِ سيدة فاضلة!ثم رفعت رأسها لتصل إلى يحيى.شاهدت أمل كيف ألقى يحيى بنفسه تقريباً في أحضان مربيته، محنياً رأسه على كتفها، بينما تنحت سارة لتفسح له المجال. وبدا ليحيى في تلك اللحظة أنه كان بأشد الحاجة إلى ذلك الحنان.قالت أم خديجة بلهفة وهي تمسح على رأسه كما كانت تفعل في طفولته:يا حبيبي يا يحيى! لقد كبرتما وصرتما رجلين يشار إليكما بالبنان! لا أكاد أصدق!قال بدر بنبرته الجديدة:أنتِ لم تتغيري أبداً يا خالة!شهقت أمل بصمت وهي تسمع صوته الرخيم لأول مرة بعد كل هذه السنين.كان صوته صبائياً حين حادثته آخر مرة، أما الآن فصوته صوت رجل واثق، عميق ومهيب. وكان كفيلاً بأن يرسل قشعريرة قاسية في أرجاء جسدها.وعندما ترك يحيى أم خديجة، انحنى بدر وقبّل وجنتها ثم ضمها بحرارة. ورفعت أم خديجة أطراف قدميها لتمسك برأسه وتضمه، كما تفعل الأم مع ولدها.قالت أم خديجة وهي تبتعد خطوات لتنظر إليهم:لم أكن أنتظركم اليوم! ولكنها أجمل مفاجأة!رد بدر:عدنا مبكرين، وأرجو ألا نكون قد أثقلنا عليكِ في فتح القصر وتجهيزه.أم خديجة:أوه لا إطلاقاً! سأطلب من الجواري.. أوه!وفجأة شهقت أم خديجة، وعرفت أمل فوراً أين ذهب عقلها!لا.. مستحيل! ليست مستعدة إطلاقاً لمواجهة الرجل الذي كان يوماً صديقها و...وكيف تواجهه أصلاً؟ لقد أوضح لها منذ زمن بعيد الفارق الشاسع بينهما، وجلوسها هنا كجارية ترقع الستائر هو الإثبات القاطع على صحة كلامه!جمعت أمل أشتات قوتها وقامت من مجلسها بسرعة، متسللة خلف الخزائن والغسيل، تتوارى عن الأنظار قبل أن تلتفت أعينهم نحوها.قالت أم خديجة وهي تتلفت بذهول:أوه، كنت أريدكم أن تروا.. أين ذهبت؟ لا بأس، تعالوا معي إلى الأعلى لتبدلوا ثيابكم، وسأرتب فتح القصر فوراً. يا لفرحتي بعودتكم يا أبنائي!-- إنتهاء الجزء الأول من قصر البساتين --