وعد خائب - الجزء الأول
وعد خائب - الجزء الأول
حفلة الشتاءكانت عينا «ياسمين» تتطلعان بشغف وانبهار إلى زينة القاعة الكبرى التي أُقيمت فيها حفلة الشتاء السنوية لقصور البلدة. غمرتها الفرحة لأنها بلغت أخيراً السن التي تسمح لها بمرافقة والبتها وأختها الكبرى إلى مثل هذه المناسبات.كان يصغر أختيها «عائشة» و«خديجة» بضع سنين، ما جعلها محرومة طويلاً من الدخول في عالمهما ومرافقتهما. أما اليوم، وقد بلغت السابعة عشرة، فقد أذنت لها والدتها بالخروج والمشاركة.كانت «ياسمين» تتوق لأن يُنظر إليها كنوّارة ناضجة، ودودة، وجديرة بالاحترام. لقد ملّت دور الأخت الصغرى والطفلة المستكينة مقارنة بـ«عائشة». وكم حصدت الحسرة قلبها حين كانت ترى «عائشة» تخرج للعمل! لم تكن تحسدها على المشقة، بل على مكان العمل نفسه.فبعد وفاة والدها، عملت الأم مع «عائشة» في خدمة السيدة «بلقيس» في قصرها، وظل هذا العمل يعيل الأسرة إلى أن تعثرت صحة الأم. وفي تلك الأيام، كانت «ياسمين» تبتكر شتى الأعذار لتقطع الأميال مشياً نحو ذلك القصر؛ فتارة تتدعى أن «عائشة» نسيت غطاء رأسها، وتارة تغطي غياب أمها بشال، وكل ذلك أملًا في أن تلمح «بدرًا».ما زالت تذكر اللحظة الأولى التي أبصرته فيها؛ كانت حينها في الثامنة من عمرها، تقف أمام كُتّاب القرية ينتظرها إخوتها قبل بدء الدروس، وثوبها القصير يشي بطفولتها. مرّ «بدر» يومها على ظهر جواده الذي أُهدي إليه بمناسبة عيد ميلاده السادس عشر، مسرعاً بين أزقة البلدة بعد عودته من دراسته بعيداً.لم ترَ قط رجلاً بجماله؛ شعره الأشقر كأشعة الشمس، وبشرته ناصية كالمرمر، وعيناه الخضراوان كزمرّد جلي. كان طويلاً وبسطةً في القامة. وتبسّم لها يومها ابتسامة أربكت خطواتها.منذ تلك اللحظة، أيقنت «ياسمين» أنها وقعت في هواه، واستقرت في ذاكرتها صورة رجل لن يكتمل في عينها سواهما. تملك حبّه قلبها الصغير، وأمنت بأنه سيكون لها كما كان «سالم» لـ«عائشة». ورغم أن الوفاق بين «سالم» و«عائشة» قد انقطع، فإن «ياسمين» كانت واثقة بأن حب «بدر» لها لن ينتهي أبداً.مرّت السنوات دون أن يلتفت إليها «بدر»، حتى بلغت الخامسة عشرة، وأُتيح لها أخيراً أن ترفع شعرها على طريقة النساء الصالحات في المسجد، حينها فقط رمقها بنظرة خاطفة. بالطبع لاحظت «ياسمين» ذلك، فهي لم تكن تتفرغ في المسجد إلا بالدعاء أن يلتفت إليها ويرى أنها كفء لهذا الجمال.وكان يزعجها أشد الإزعاج أن تسمع من أسرتها ذكراً سيئاً له، وكانت «عائشة» أكثرهم انتقاداً؛ إذ شكلت عنه رأياً غير محمود أثناء عملها في قصر أمه، دون أن تفهم «ياسمين» السبب. كانت «عائشة» تراه مغروراً، أما «ياسمين» فلم تلمس فيه غروراً، ورأت أن من كان بجماله يحق له شيء من التيه! وعلى كل حال، لم تسمع منه كلمة تؤذيها، وكانت الابتسامات والنظرات القليلة التي جمعتها على مر السنين كنزاً لا يُقدّر بثمن.أما الليلة، فقد كانت «ياسمين» موقنة بأن «بدرًا» سيبادلها مشاعرها. أصبحت امرأة الآن، وترتدي أفضل أثواب أختها الوردية. وقدمت «عائشة» صنيعاً ساحراً في تصفيف شعرها الأسود الفاحم، فشعرت أنها في أبهى صورها.دخلت «ياسمين» القاعة وهي تستند إلى ذراع أختها، خلف أمهما التي كانت تتكئ في مشيتها. طافت بعينيها القاعة تبحث عن مقعد، وهمست لـ«عائشة»:قالت ياسمين: علينا أن نساعد أمنا لتجلس على كرسيه.تسلّمت الشابتان بطاقتي الرقص، وعادت البهجة تتراقص في قلب «ياسمين»؛ فهذه أول بطاقة تحصل عليها في حياتها! قرأت قائمة الألحان المسجلة بسرعة، وحفظت في سرها الألحان التي تتمنى أن تشاركه إياها... بل الألحان كلها!ولما رفعت رأسها لتتطلع في أرجاء القاعة، لمحت علامات القلق على وجه «عائشة»، وعرفت أنها تخشى لقاء آل «طارق». ولم تكن «ياسمين» تظن أن أفراد تلك العائلة الكبيرة سيحضرون الاحتفال البسيط، وتمنت أن تحظى أختها ببعض المرح. ورغم حسدها القديم لها، إلا أنها كانت تحبها وتجلّها، وتدعو لها بالسكينة.سرعان ما وقعت عينا «ياسمين» على «بدر» كعادتها. كان يبدو في غاية الوسامة، يرتدي ثوباً فاخراً بلون عنابي دافئ، وقد قص شعره الأشقر حديثاً فلم يعد يغطي عينيه. كان يرقص مع فتاة غريبة لم تعرفها، فافترضت أنها من قرية مجاورة، وشعرت بغصة من الغيرة تسري في صدرها.مشت «ياسمين» خلف أختها وأمها بين الجمع، وتبادلتا التحايا مع المعارف والجيران، حتى جلست الأم على كرسي مريح.قالت ياسمين: سأحضر لك ما تشربينه يا أمي!وانطلقت قبل أن تتمكنا من الاعتراض. تعمّدت سلوك الطريق الأطول نحو مائدة الضيافة، مارة بصفوف الراقصين علّ «بدرًا» يراها. وكأن الحظ يبتسم لها، انتهت الرقصة فور مرورها بجانبه. التقتا عيناه الخضراوان بعينيها كما تمنت، فابتسمت براحة وتابعت مشيتها بثقة.وعلى الفور، تبعها «بدر» بخطوات حثيثة. شعرت بلمسة أطراف ردائه تطرق طرف ثوبها، فسرى في جسدها قشعريرة دافئة. وما إن دخلا حجرة الطعام بعيداً عن أعين أمها وأختها، حتى التفتت إليه.قالت ياسمين: ألتتبع خطواتي يا سيد بدر؟قال بدر: وهل يتبع المرء إلا من يرجو قربه يا آنسة؟وانقشعت على وجهه الصارم ابتسامة جليلة ومغرية. احمرت وجنتاها وخفق قلبها بشدة، وحاولت أن تبدو قوية ومتزنة، ألا تظهر كطفلة لا تحسن مخاطبة الرجال، لكنها لم تجد ما تقوله، وخشيت إن نطق لسانه أن يبوح بحبه الدفين.قال بدر: ما أبهى هذا الثوب عليك يا آنسة! إنك بحق أجمل من في هذه القاعة.قالت ياسمين: أرجوك يا سيد بدر!قال بدر: ألبستِ هذا الحسن من أجلي؟اتسعت عينها دهشة وخجلاً بعدما قرأ أفكارها بوضوح.ضحك «بدر» بصوت خفيض وقال: لا أستطيع إلا أن أشكرك، إنك لمرأى يسرّ الناظرين.كان قلبها يطرب لكلامه، فلم يسبق لرجل أن حدثها بمثل هذا الغزل. كان يستحسن مظهرها، ويمتدح جمالها، وتلقت ذلك بشغف.قال بدر: ما أشد براءتك! تحملين حسناً جمّاً ولا تدرين كيف تستغلينه.وفي القاعة المجاورة، سمعت «ياسمين» صوت المنادي يعلن وصول آل «طارق».نظر إليها «بدر» بنظرة حادة كادت تزلزل ثباتها.قال بدر: أسبق لك أن ذقت طعم القبلة يا آنسة؟هزت «ياسمين» رأسها نفياً، وخافت أن يفضحها ارتعاشها. هل ينوي تقبيلها هنا؟ لم يكن الحضور كبيراً في حجرة الضيافة، لكنهما لم يكونا بمفردهما. ورغم أمنيتها القديمة، لم تكن لتجازر بسترتها وسمعتها أمام الناس.قال بدر: أنا مرتبط بالرقصة القادمة، لكنني أرجوك للرقصة التي تليها، وقبل أن ينقضي هذا الليل، لن تتكفي بهز رأسك نفيًا لذلك السؤال.تغلب عليها الارتباك والترقب، فخرجت من حجرة الطعام دون أن تجلب الشرب لأمها، وكانت وجنتاها تشتعلان خجلاً، وتبدو كطفلة خائفة كما لم تتمنّ أن تكون... ولكن «بدرًا» سينال منها قبلة!جالت في القاعة الكبرى بغير هدى، وشغلت أفكارها بالكامل، حتى إنها فزعت حين شعرت بلمسة خفيفة على كتفها.التفتت لتجد شاباً لم تتعرف عليه للوهلة الأولى. كان أول ما لفت انتباهها عينيه؛ لونهما كالعسل المخلوط بخضرة الزيتون، وشعره غامق موجّه، ووجهه ذو تقاطيع حادة وعزيمة. كان أطول منها بكثير، ويبتسم ابتسامة لا تخلوا من التحدي.كان يرتدي ثوباً كحلياً فاخراً يشي بالثراء. وهنا أدركت «ياسمين» من يكون؛ فقد كان يقف خلفه «سالم»، وتعرفت عليه فوراً، وبجانبه أخته ووالداه، بينما كانت أمه ترمقهما بنظرات صارمة.تذكرت أن اسم شقيق «سالم» هو «طارق»، وفي تلك اللحظة مدّ يده إليها.قال طارق: ألي أن أحظى بالرقصة القادمة يا آنسة؟قالت ياسمين: لم يُقدّم أحدنا للآخر بعد يا سيدي.التفت «طارق» إلى أخيه، فتقدم «سالم» مبتسماً.قال سالم: أسمحي لي أن أقدّم لك الآنسة ياسمين... وهذه الآنسة ياسمين، أقدّم لك أخي السيد طارق.سمعت «ياسمين» همسة جافة من والدتهما، لكنها لم تتبينها، وكانت تعلم أن تلك العائلة لا تكنّ لأسرتها ودّاً.قال طارق: ها قد تم التعارف، فهل لي بهذه الرقصة؟لتفتت «ياسمين» إلى الخلف ورأت «بدرًا» يتجه نحو ساحة الرقص مع شريكته كما أخبرها. ثم عادت بنظرها إلى «طارق»، وعلمت أنه ليس من المروءة ردّ رجل من مقامه دون سبب.قالت ياسمين: يشرفني ذلك يا سيدي.وانقادت معه إلى ساحة الرقص. وبينما كانا يأخذان موقعهما بالقرب من «بدر»، تحدث «طارق».قال طارق: أعتذر إن كنتُ قد فاجأتك يا آنسة، لكنني سعيد بالوقوف معك.كانت «ياسمين» مشغولة بمراقبة «بدر» وإن كان يلاحظها، حتى كادت تفوتها كلماته.قالت ياسمين: لا بأس يا سيدي.وبدأت ألحان الموسيقى، وأدركت أن هذه أول رقصة حقيقية لها، وتمنت لو كانت مع «بدر»، حتى إنها أخطأت في بعض الخطوات من كثرة التفاتاتها، واسترحت حين رأت أن «بدرًا» يراقبها هو الآخر.وعندما أجبرت نفسها على التركيز في خطواتها لتجنب الإحراج، لاحظت أن «طارق» يحمل ابتسامة طيبة وصادقة أضفت على وجهه ملاحة، وكان خفيف الحركة يتقن الرقص ببراعة.ولما انتهت النغمة، صفق الحضور، وتقدم «طارق» خطوات لنحوها.قال طارق: إنك ترقصين ببراعة يا آنسة.قالت ياسمين: أنت تبالغ في لطفك يا سيدي.ورأت بطرف عينها «بدرًا» يترك شريكته ويتجه نحوها.قال طارق: هل تشرفينني بالرقصة التالية؟التفتت «ياسمين» إليه، ورأت في عينيه رجاءً صادقاً خاوياً من المزاح. وقبل أن تجيب، تدخل «بدر» بثقة وأمسك بذراعها.قال بدر: أخشى أن الآنسة مرتبطة بالرقصة القادمة.غمرت الفرحة وجه «ياسمين» وهي تجد نفسها مسنودة إلى ذراع «بدر»؛ فكم حلمت بهذه اللحظة!استجمعت شتات نفسها لتعتذر لـ«طارق».قالت ياسمين: أرجو المعذرة يا سيدي، فقد وعدت السيد بدر بهذه الرقصة.رأت «طارق» يحني رأسه كابحاً خيبة أمله، وأومأ لـ«بدر» بالحسنى.قال طارق: لا عليك، فقد اعتادت نفسي على المركز الثاني.ولما توجها إلى ساحة الرقص، همس «بدر» في أذنها بصوت خفيض.قال بدر: ماذا صنعتِ بي؟ كدت أفقِد صوابي وأنا أراك في ذراعي غيري، أي سحر هذا؟قالت ياسمين: لم أصنع شيئاً.قال بدر: بل صنعتِ، وأنتِ لا تعلمين بعد مدى قدرتك.وقف الاثنان متقابلين، وكانت «ياسمين» ترى في عينيه مودّة صادقة. أيمكن أن يكون قد أحبها بالفعل؟ لقد أحبته هي من أول وهلة ومن بعيد، فليس ذلك ببعيد! ودعت في سرها أن يكون حبه لها حقيقياً.ومع انطلاق الألحان، ارتسمت على شفتيها ابتسامة أمل واثقة؛ فقد رأت المستقبل قريباً، وأيقنت أنها ستكون عروساً لـ«بدر».___الفصل الأول29 سبتمبر 1809كانت «ياسمين» واثقة من حساباتها ومواعيدها؛ فقد انقضت ستة أسابيع كاملة دون أن تحتاج لتلك الخرّق المخزّنة في درجها السفلي، وتأخرت عادتها الشهرية أسبوعين كاملين عن موعدها المتوقع.وقفت أمام المرآة في غرفة نومها—تلك الغرفة التي كانت تشاركها قديمًا مع أختيها الكبريين—وشعورٌ دافئ بالرضا والغبطة يغمر كيانها. ورغم أن بطنها كان ما يزال ضامرًا لا يشي بشيء، ولا يمكن لأحد أن يحزر حقيقة حملها، إلا أنها طوّقته بيديها بحنو وحماية، يقينًا منها أنها تحمل بين أحشائها طفلًا كريمًا أو طفلة مباركة من «بدر».تخيلت صورة الصغير في ذهنها؛ فلن يكون طفل «بدر» إلا آية في الحسن؛ شعر أشقر متعرج وعينان خضراوان زمرّديتان. وتمنت في سرها ألا يحمل طفلها ملامحها هي، بل تمنت أن يكون الابن إن رزقت به طويلاً ووسيمًا ونبيلًا كأبيه، أو تكون الابنة إن أتت حسناء، رقيقة، وفطنة. ودعت الله أن يخرج هذا الجنين على صورة أبيه الجميل.راقبت «ياسمين» حمرة الخجل وهي تغمر وجنتيها، والدموع وهي تترقرق في عينيها. يا إلهي، لقد حانت اللحظة أخيرًا!قالت ياسمين بصوت خفيض: يا له من يوم مبارك!وضعت كفيها على وجنتيها وابتسمت لظل انعكاسها في المرآة.في نوفمبر القادم، تكتمل ثلاثة أعوام كاملة؛ ثلاثة أعوام منذ أن ارتبطا بقصة حب مكتومة عن الأعين. كان لا بد من إبقاء الأمر سرًا لأن والدة «بدر»، السيدة «بلقيس»، كانت شديدة التدقيق والحرص بشأن الصبايا اللاتي يخالطهن ابنها. ورغم أن مكانة أسرة «ياسمين» الاجتماعية قد ارتفعت بعد زواج أختها «عائشة» من أحد أعيان القوم وجهاء البلدة، إلا أنها ما زالت تفتقر إلى الثروة والمال؛ فلديها الآن معارف وجاه، لكن الزواج منها لن يجلب لأهله أرضًا ولا مهرًا طائلًا.وهذا ما أوضحه لها «بدر» حين أقنعها بالكتمان؛ فمفاجأة أمه بطلب يدها لن تجلب سوى الفضول والقال والقيل، وهو بحاجة إلى الوقت ليهيئ بال والدته ويدربها على تقبل الفكرة.وفضلاً عن ذلك، ابتكرت هي وهو حيلًا وأعذارًا أمام أهليها ليتسنّى لهما اللقاء من حين لآخر. فادعت «ياسمين» أمام أمها أن لديها شغفًا بالرسم والتعلم، خاصة بعد أن يتسر لهم استئجار خادمة تعينهم في أعمال البيت. بالطبع، لم تكن لـ«ياسمين» أي رغبة حقيقية في الرسم، ولكن كان عليها أن تنتج لوحة كل بضعة أشهر لتبقي على هذه الحيلة قائمة.وكانت أمها تشيد برسمها دائمًا، رغم يقين «ياسمين» بأنهما تعرفان تمامًا سوء صنعها ورداءة لوحاتها.كان «بدر» قد طبع قبلته الأولى على ثغرها في حفلة الشتاء تلك، وصار يجد متعة في مودتها كلما سنحت له الفرصة. وكان يبتسم في البداية لبراءتها وقلة خبرتها، لكن «ياسمين» تعلمت رويدًا رويدًا، وصارت تستمتع بنظرات الشغف في عينيه كلما التقت عيناهما.ظنت «ياسمين» أنها كانت تحب «بدرًا» من قبل، لكن تلك كانت مشاعر طفلة غير ناضجة؛ أما أثناء لقاءاتهما، فقد وقعت في حبه بصدق وشغف عميقين، وكان هو يبادلها الشغف ذاته—أو هكذا خيل إليها. ولأنه يحبها، كان يحافظ على سرية اجتماعاتهما، ويرضي والدته بالرقص مع الصبايا الثريات في الحفلات ليبقى مرضيًا عنها، حتى تتقبل زواجه منها في نهاية المطاف. كبرت «ياسمين» وتجاوزت غيرتها القديمة، وأيقنت أنه لا شيء يمكن أن يفرق بينهما؛ فمع كل لمسة وكل همسة، كان «بدر» يؤكد لها حبه.حدثها «بدر» عن كوامن المحبة، وكيف يعبر العاشقان عن وجدهما؛ وأرادت «ياسمين» أن تطمئنه إلى مكانته في قلبها، وبعد أشهر من تلميحاته وإلحاحه، وافقت في النهاية.كان «بدر» يسعى بلطف ودهاء لتليين رأس أمه على مدى ثلاثة أعوام، ومع قدوم هذا الجنين، أصلح إعلان خطبتهما قريباً لا محالة... فور أن تخبره بالنبأ بالطبع. ستتفهم السيدة «بلقيس» الأمر، وحين تعلم أنهما أحبا بعضهما لثلاث سنين، ستدرك مقدار صدقهما، وستسعد بأن تصبح جَدة؛ إنها مناسبة مبهجة بحق!كادت «ياسمين» تقفز من مكانها حين طرق باب غرفتها طلقات شديدة.قالت الأم: هل تجهزين نفسك يا ياسمين؟ أوشكنا على الرحيل.مسحت «ياسمين» دموعها لكنها لم تستطع كبح ابتسامتها العريضة؛ إذ لم يكن بقدورها الذهاب إلى القصر الكبير بعد. يجب أن يعلم «بدر» بأمر حملها أولاً، وكان من المقرر أن يلتقيا قريباً على أي حال.قالت ياسمين: فكرت في أن أرسم قليلاً أولاً يا أمي! فالضوء اليوم لطيف للغاية...توقف قلبها لحظة وهي تتطلع عبر النافذة وتدعو الله أن تكون الشمس ساطعة، ولحسن حظها، كانت أشعة شمس الخريف تنفذ بوضوح.قالت الأم: ماذا؟ هذه ليست زيارة عادية يا بنيتي! إنه عيد ميلاد الصغير «زيد»!كادت «ياسمين» تنهمر في دموع الفرح مجدداً؛ فالصغير «زيد» سيزرق بقريب جديد! ستصبح هي و«خديجة» و«عائشة» أمهات جميعاً. طالما اتخذت «ياسمين» من أختيها القدوة والمثل؛ فقد كانت «خديجة» الأولى التي تزوجت عن حب، وكم كان زوجها «عمر» يهيم بها! أما «عائشة»، فقد كانت مقدرة لـ«سالم»، مهما كانت العقبات التي اعترضت طريقهما بين أيام الكتّاب والوقوف على منصة الزفاف.ومثلهما، ستتزوج هي من رجل يعشقها، وستقيم بيتاً وأسرة. لقد أبعدت الشكوك عن أختيها قبل أعوام وصارت أكثر كتماناً لمشاعرها تجاه «بدر»، وستتفهم «عائشة» الأمر حتماً؛ ستفهم أن «بدرًا» هو «سالمـ»ـها الخاص.قالت ياسمين: سألحق بكم يا أمي! لا أستطيع تفويت هذا الطقس الجميل؛ فالشتاء قادم ولن أجد ضوءاً صالحاً للرسم. لن أتأخر عنكم، وسأمشي قدماً، فالرياضة خير لي.ولم تكن الأم تدري ما المدى الصادق لتلك العبارة!سمعت تنهيدة أمها خلف الباب، لكنها لم تعترض. لم تكن لدى «ياسمين» أي نية لتفويت عيد الميلاد الثاني للطفل «زيد»؛ فقد علمت أنه تجمع كبير أعدت له «عائشة» منذ فترة، وكان يتزامن مع عودة «طارق». وتأمل «عائشة» أن توفر الجموع لـ«طارق» غطاء يحميه من كدر الملاحظات القاسية التي قد تبدر من أمه، ليعود ويستقر في ديار أهله.لم تكن «ياسمين» تتذكر عن «طارق» سوى تفاصيل شحيحة؛ رقصا مرة واحدة فقط، لكن معظم اهتمامها حينها كان منصباً على «بدر»، ولا تذكر إن كانا قد تبادلا الحديث يومها. وبالطبع حَضَرا زفاف «عائشة» و«سالم»، لكنه كان صامتاً حزيناً إثر وفاة والده حديثاً. تلك كانت لقاءاتها الوحيدة به.ارتدت «ياسمين» ثوباً أبيض، وهو اللون المفضل لدى «بدر»، وصففت شعرها الأسود بعناية ورفعته، وظلت تستمع إلى حركة الأقدام وصوت العربة وهي تقل أسرتها نحو القصر.وحين اطمأنت إلى مغادرتهم ورضيت عن مظهرها، تسللت خارج البيت. خلال السنوات الماضية، أصبحت «ياسمين» خبيرة في التنقل بسرية تامة؛ تعرف مسالك الأحراش وغابات الشجر عن ظهر قلب، ووصلت سريعاً إلى تلك البقعة المعشوشبة الخالية التي اتخذاها مكاناً للسرهما.كان قلبها يخفق بشدة، وسرت في أمعائها قشعريرة قلق خفيفة، لكن هذا الخوف تبدد فور أن رأت «بدرًا» متكئاً على جذع شجرة بانتظارها. أسرعت خطواتها ونطت نحو أحضانه بمجرد أن قربت منه.ضمها «بدر» بقوة، ثم ابتعد قليلاً ليلثم ثغرها بشغف.قال بدر: ظننتك ستخلفين وعدك من أجل هذا الجمع والاحتفال.أظلمت عينوه الخضراوان بوميض أعرفته «ياسمين» جيداً؛ وميض الرغبة.قال بدر: هل يعني هذا أن بيت أمك أضحى فارغاً الآن؟احمرت وجنتاها كعادتها رغم مر السنين.قالت ياسمين: سألحق بهم بعد قليل؛ إنه عيد ميلاد ابن أختي في النهاية.قال بدر: لا تحرمينا هذه الفرصة؛ فرصة كهذه لا ينبغي أن تضيع. ألا تحبينني؟غرق قلب «ياسمين» في الحزن.قالت ياسمين: بالطبع أحبك! كيف تشك في ذلك؟عبس «بدر» وتنفس بعمق.قال بدر: لا أملك نفسي أحياناً؛ يلزمني أن أرى البرهان.ورغم أن شكوكه كانت تؤلمها، إلا أنها كانت معتزمة إخفاتها بنبئها السار.قالت ياسمين: أرجوك يا بدر، لدي خبر عظيم أخبرك به!تفتح اهتمامه على الفور.قال بدر: ما هو؟قالت ياسمين: يمكننا أن ننهي كل هذا الآن؛ الكذب، والتسلل خفية! يمكننا أخيراً أن نكون معاً جهاراً يا بدر... أنا أحمل طفلك في أحشائي.كانت ابتسامتها عريضة كادت تشق وجنتيها فرحاً، لكنها بدأت تتلاشى وهي ترقب ردة فعله.لم ترَ قط أحداً يتغير لون وجهه إلى الشحوب والغضب بتلك السرعة؛ فقد انقلبت تقاطيع وجهه بين صدمة وغيظ يثير الرعب، حتى اضطرت «ياسمين» للرجوع خطوة إلى الخلف. ما الذي جرى له؟قال بدر: ماذا تقولين؟ارتجفت شفتها السفلى، ووضعت يدها تلقائياً على بطنها لحمايته.قالت ياسمين: ألا تسعد بهذا؟ سنرزق بطفل يا بدر... يمكننا الزواج الآن.انطلق من لسان «بدر» شتمة نكراء وقبيحة، وابتعد عنها بضع خطوات وهو يمسك برأسه ويهمس بكلام غير مفهوم. تجمدت «ياسمين» في مكانها، وسرى الرعب في عروقها وهي تدخل في حالة صدمة شلت تفكيرها.لماذا يتصرف «بدر» هكذا؟ هذا نبأ مبهج! هذا ما كانا ينتظرانه!رجع إليها بخطوات حثيثة، وفي عينيه قسوة وبرود لم ترهما فيه من قبل قط.قال بدر: وكيف لي أن أستيقن أنه مني؟قالت ياسمين: كيف تقول هذا القول الشنيع؟قال بدر: من انقادت لي وسلّمت نفسها، أمكنها أن تنقاد لغيري!شهقت «ياسمين» وانقشعت الدماء من وجهها. لا، لا يمكن أن يكون قد قال هذا!قالت ياسمين: كفّ عن هذا يا بدر! كفّ قبل أن تنطق بما لا يمكنك استدراكه! لقد قلت ما يكفي! بالطبع هذا الطفل طفلك! ماذا كنت تتوقع؟ ألم تكن ترغب في الزواج مني منذ ثلاثة أعوام؟ أعلم أنها صدمة، لكنها بركة ونعمة، أنا واثقة!لكن «بدرًا» ضحك في وجهها؛ لم تكن ضحكة سرور أو انشراح، بل ضحكة باردة ومستخفة جعلتها تخاف منه خوفاً شديداً.قال بدر: أتزوجك؟ في أي عالم تخالين أنني قد أتزوجك؟ لقد استغرقتِ وقتاً أطول من غيرك لتقتنعي يا ياسمين، لكنكِ استسلمتِ في النهاية. ومن استسلمت لي، استسلمت لغيري.لم تصدق «ياسمين» ما تسمعه أذناها وما تراه عينها. أظلمت الدنيا في عينيها وغابت عن الوعي والواقع، وسقطت على ركبتيها على الأرض. شعرت بألم طاعن في صدرها، وكأن «بدرًا» يغرس فيه خنجراً مع كل كلمة قاسية ينطق بها.من أين أتى كل هذا؟ ماذا يفعل؟ لم تستطع فهم الأمر أو استيعابه! إنه يحبها! طالما قال لها ذلك!جثا «بدر» بجانبها، ورفع ذقنها بأصبعه لتجبر على النظر في عينيه اللتين كانتا جميلاتين يوماً ما.قال بدر: أتفهمين ما أقول يا ياسمين؟ إن تجرأتِ وذكرتِ اسمي علناً، فسوف ألحق بكِ من العار ما يطبّق الآفاق. ومن تظنين أن الناس سيصدقون؟ الشريف النبيل، أم الفتاة الحامل بغير زواج؟ثم عبس بوجهه وتظاهر بالأسف.قال بدر: كم سأشتاق إليكِ!ومسح بإبهامه على شفتها السفلى.وبكل استخفاف، ترك «بدر» «ياسمين» جائية على الأعشاب، منكسرة القلب تماماً، مصدومة من انهيار حياتها في لحظة واحدة. انخرطت «ياسمين» في بكاء مرير هز كاهلها، وتسارعت أنفاسها حتى صارت تشهق بمرارة بين شهقة وأخرى.لم تفهم كيف تحول «بدر» بهذه السرعة وهذه القسوة! كيف يفعل بها هذا وهو الذي كرر لها مراراً أنه يحبها؟ كانا يحبان بعضهما! كان عهداً مقدساً! كان من المفترض أن يتزوجا ويقيما بيتاً ويربيا أطفالاً! مثل «عائشة» و«خديجة»، كانت تتطلع لبناء أسرة.وأدركت «ياسمين»، بألم يمزق أحشاءها، أنه كان من المحال أن يكون «بدر» قد أحبها يوماً؛ فالمرء لا يدمر من يحب. لقد كذب عليها، وهذه الحقيقة وحدها كوت روحها وهي تبكي في تلك البقعة الخالية.لم تدرِ كم لبثت هناك تبكي، ولا كم مضى من الوقت. شعرت بفراغ وضياع، لكنها لم تكن فارغة؛ ففي أحشائها طفل ما زال ينبض. طفل كانت تعتقد حتى هذه اللحظة أنه سيحظى بأب حنون ورؤوف.أما الآن، فهذا الطفل البريء سيولد لأم مهانة جلب عليها العار بغير زواج، وسيكون وصمة، وستدمر هي وتدمر أسرتها. آه، أمها! ماذا ستقول أمها؟ كانت أمها تفخر بـ«عائشة» و«خديجة» وبالأسرتين اللتين أقامتاهما. لم تحتمل «ياسمين» فكرة أن تفكر أمها... أن تعلم أمها...لا يمكنها البقاء، يجب أن تهرب. الناس يختفون طوال الوقت، ولن يكون من الصعب التوجه نحو إحدى المدن الكبرى والتواري عن الأنظار هناك، وتضع طفلها ثم...وما إن طافت الفكرة بذهنها حتى اعتدلت في جلستها، وأعادتها الصدمة إلى أرض الواقع. لا تدري ما الذي ستفعله، لكنها لن تستطيع فعل ذلك. ربما كانت المفاجأة صدمة لـ«بدر» أيضاً؛ بالطبع كانت صدمة! ربما إن أخذ وقتاً ليستوعب...وضعت كفها على فمها لتكتم شهقة بكاء أخرى. لا، لقد خُدعت، وعليها الآن تحمل العواقب. لا يمكنها الهرب. ورغم أنها لا تتمنى أبداً أن ترى علامات الخيبة في وجوه أهلها، إلا أنه يتوجب عليها إخبارهم.وقفت «ياسمين» على قدمين ترتجفان، وتوجهت بخطى غير ثابتة نحو القصر الكبير، وهي تشعر بالخوف، والضياع، وانكسار القلب الشديد.--إن أسمى غايات النجاح والرفعة عند الوجهاء والأعيان، سواء أكانوا من ذوي الألقاب أم من غيرهم، هي أن يُرزق أحدهم بابن نذير، خلفٍ يحمل اسمه، فيمتد الذِكرُ إلى الأجيال القادمة، وتُحفظ الأملاك والأنساب والألقاب داخل السلالة.ولكن... ماذا لو حلّت الفاجعة؟ ماذا لو استشرى الوباء في الضياع؟ أو أخذت الحمّى الفتى في مقتبل العمر؟ ماذا لو سقط عن جواده، أو طرأ عليه عارض طعام فاسد على مائدة العشاء فصرعه السم؟إن موت الابن البكر يفسد الهيبة والمجد، بقدر ما يكسر ظُهر العائلة.ومن هنا، ابتدع أحدهم في مكان ما مصطلح "البديل" أو "الذخيرة". الابن الثاني... الصمام والأمان. فإن دَهَم البكرَ داهِمٌ، كان الثاني حاضراً ليحلّ محلّه.لم يكن أَبَوا «طارق» هما أول من أسمعاه هذا الوصف، وإن لم يكن صعباً على أرباب الفطنة أن يدركوا لمَ كان الناظرون يرونه بهذه العين.كان «سالم» هو الأول، البكر، وقد أمضى والداه معظم حياتهما في إعداده ليكون سيد القوم ووجيه العائلة. فتعلّم ودرّس وأُدّب، وكاد يُزوّج ليؤدي الدور الذي وُلد لأجله. بالطبع، نال «طارق» هو الآخر نصيباً من التعليم؛ فلو آلت إليه الرئاسة يوماً ما، لوجب عليه أن يحسن القراءة والكتابة والتدبير. لكنه لم يُعدّ للرئاسة يوماً، بل أُبقي تحت نظرة المؤدبين والمعلمين إلى أن يتسنى له سلوك أحد المسالك القليلة المتاحة لأبناء الأعيان الصغار.كان «طارق» طفلاً صلب العود، كثير الحركة والنشاط، ولم يكن من طينة الصبية الهادئين الذين كانت أمه تتمنى رؤيتهم. لم يعرف «طارق» تحديداً اللحظة التي سئمت فيها أمه منه؛ فلعلها لم تعطف عليه يوماً كما ينبغي. كانا شخصيتين متباينتين تماماً، وكانت أمّه «سليمة» تحب أن تُمشى الأمور وفق هوى أفكارها، ولم يكن «طارق» بالفتى الذي يسهل تشكيله.أما أبوه فقد كان ألين جانباً، وإن أبدى من العطف ما يتيحه مقام رجل في منزلته. لم يكن من الآباء الذين يلاطفون صبيانهم كثيراً، لكن «طارق» أحبه، وربما أحبه أكثر لأنه لم يجد أرضاً مشتركة مع أمه قط.كانت «سليمة» ترغب في وجهة «طارق» نحو طريق الدين والزهد منذ صغره، لكن «طارق» سرعان ما اعتاد أن يفعل عكس ما تريده أمه تماماً. ولما كبر وشَدّ عوده، أدرك أن تمرده ذاك كان السَبيل الوحيد الذي يدفعه لانتزاع انتباه «سليمة».كان «طارق» ذكياً لكنه جلي الجرأة والتهور، وكان غالباً ما يحصد أعلى الدرجات في العلم، وأكثر الضربات خفوقاً بالخيزرانة! وكانت رسائل أمه التي تقرعه فيها على جلب الخزي للعائلة تؤنسه في البداية وتحثه على العناد. غير أنه حين بلغ مرحلة دراسته العليا، زال ذاك الأنس سريعاً.ولكونه يصغر «سالم» بعامين فقط، فقد أمضى معه وقتاً غير قليل في سنوات التحصيل العلمية في مجالس التلقي. وبدأت الفروق التي لاحظها بينهما تؤثر في نفسه تأثيراً بالغاً؛ بل طالما أثّرت فيه. فالرسائل التي كانت تصل «سالم» من أمهما كانت مفعمة بالأمل والتخطيط؛ تتحدث فيها «سليمة» عن مستقبله، وعن الشريفات اللاتي تريده أن يلتقيهن، وتسأله متى يعود لرؤية أخته «سلمى».أما الرسائل التي تلقتها يدا «طارق»، فكانت مقتضبة، جافة، تقرعه على هذا الأمر أو ذاك.ولا يمكن للمرء أن يقرأ عبارة: «لقد خيبت ظني فيك» مراراً وتكراراً دون أن تصبح جزءاً من كيانه وحقيقته. لقد كان خيبة أمل، وكان كذلك منذ أن نطق أول كلماته. كان هو «الابن البديل»، ولن يكون أكثر من ذلك أبداً.الثاني في الخاطر، والثاني في المقعد.ولم يعد التمرد في عين أمه أمراً يدعو للضحك بالنسبة لـ«طارق». ففي التاسعة عشرة أو العشرين من عمره—وهو سن يشتد فيه عود الشباب ويغدون رجالاً—أدرك «طارق» أنه لم يعرف قط معنى أن يكون مرغوباً فيه، أو مقدّراً، أو محبوباً. لم يحتضنه أحد بحنان، ولم يجد أحداً يربط على كتفه بالتسلية، ولم يعرف كيف يخطئ دون أن يُنعت بالكسل والسفاهة، ولم يجد له موطناً ينتمي إليه.أمضى «طارق» السنوات الخمس التالية من حياته يحاول أن يشعر بأي شيء. وآهٍ كم ارتكب من أخطاء، وآهٍ كم عُيّر وعُووتب عليها! استغرق في اللذات والهوان حتى نسي نفسه في أحيان كثيرة، وصاحب صبايا كُثر، أملاً في أن تمنحه إحداهن ذلك الشعور الذي ظل يبتغيه لربع قرن.لكنه في كل صباح كان يستيقظ ل يجد الشعور ذاته ينخر في صدره؛ فهو في أصل كينونته ليس سوى «بديل».وحين توفي والده، ذاق ألمًا لم يظن أن في وسع البشر تحمله. ولم يكن الموت ألمًا يستطيع القعود عليه في ذلك البيت؛ ليس في وجود أمه! فقد كانت لـ«سليمة» موهبة فذة في إشعاره بضعفه وضآلة قدره. ولذا، فرّ هرباً إلى الحاضرة والمدينة الكبرى.ظل «طارق» يبحث عن المعنى والغاية، فلم يظفر بأي منهما. وأمضى أعوامه الأخيرة بين اللهو واللعب والأنس بأي صحبة تبذل له اهتماماً. ولم يكن غريباً أن تلك الدائرة المغلقة من العادات السيئة لم تقربه قيد أنملة مما كان يتوق إليه.والحقيقة أن المتعة الصادقة الوحيدة التي وجدها في حياته كانت في مطالعة الكتب والدواوين؛ فلعل خزانة الكتب في القصر الكبير كانت ملجأً له، إذ لم تكن أمه تطأ تلك الحجرة أبداً. كان «طارق» يعشق الكلمة المكتوبة، ويغبط أصحاب القلم الذين ملكوا القدرة على أخذ القارئ إلى عالم آخر. وفي غالب الأحيان، كانت تلك العوالم التي زارها بين صفحات الدواوين هي المنجاة له.لقد فقد عدّ الكتب التي قرأها منذ سنوات؛ فحين تشتعل أركان الدنيا حول المرء بالحرائق، يسهل عليه أن ينتقل إلى مكان آخر بين سطور كتاب. وخاصة في الأعوام الأخيرة، كان ذلك أمراً لا بد منه.تمنى «طارق» من أعماق قلبه لو أنه عاد إلى المدينة، غارقاً في طيات كتاب أو نجوى خلوة، بدلاً من الوقوف أمام أسوار قصر طفولته العتيدة.كان «سالم» قد زار المدينة الكبرى مرات عدة خلال الأعوام الماضية، واستمتع «طارق» بزيارات أخيه حقاً. قد يظن الظانّ أن «طارق» يحمل ضغينة لـ«سالم»، أو أن علاقة باردة تجمع بينهما بفضل الفوارق بين منزلتيهما، لكن الأمر لم يكن كذلك قط؛ فقد كان «طارق» يكبر أخاه ويجله كثيراً، ولم ينسَ أبداً المرات التي تدخل فيها «سالم» لصالح من أجله.ولعل أكثر ما كان يحمده «طارق» في «سالم» هو وفاؤه وثباته؛ فقد كان وفيّاً طيّباً، وفيّاً لـ«طارق»، ولأختهما «سلمى»، ولأمهما في نهاية المطاف، وبالطبع لزوجته الحبيبة «عائشة».ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي «طارق» حين طافت بذهنه ذكرى زفاف «سالم» و«عائشة»؛ فما كان يمكن أن يكون دعابة صبيانية لم ينسه «سالم» قط. ولا يدري كيف استطاع أخوه إقناع والديهما بالزواج من «عائشة»!كان «سالم» قد توسل إلى «طارق» ليعود إلى ديارهم بالبلدة، واستعطفه بصورة مصغرة لابنته البالغة من العمر عامين، الصغيرة «فاطمة» (المكنّاة بزينب)، والتي لم يَرها «طارق» بعد. وحاول «طارق» إقناع «سالم» أن يجلب الصغيرة إلى المدينة، لكن سفر الشقق البعيدة لم يكن مناسباً لطفلة في عمرها.وها هو «طارق» يجد نفسه يرتقي درجات القصر الكبير، ولا يدري كيف يهيئ نفسه لملاحظات أمه وكلماتها الناقدة. لعل رجلاً أصلب منه يستطيع احتمالها، لكن «طارق» نال من الهوان ما يكفيه. وكان واثقاً أن «سليمة» تعلم كل ما أحدثه في المدينة الكبرى؛ فهي تعلم كل شيء دائمًا!فُتح الباب له، وكان البيت يموج بالضيوف والحاضرين، كما ظهر من العربات والهوادج المتوقفة في الخارج.تمنى «طارق» أن يتسلل إلى الداخل دون أن ينتبه له أحد ليلتقي بـ«سالم» و«عائشة» بعيداً عن الأعين، لكن ما إن طافت الفكرة بخاطره حتى نادى خادمهم القديم «مرزوق»:قال مرزوق: لقد وصل السيد طارق!انكمش «طارق» من المفاجأة وشخص ببصره بعيداً عن نظرات الدهشة التي ألقاها الضيوف المجتمعون في الساحة.قال طارق: كيف حالك يا مرزوق؟قال مرزوق: بخير والحمد لله يا سيدي، وكيف حالك أنت؟قال طارق: نعيش الساعات واللحظات! أين أخي؟وما إن طرح السؤال حتى أسرع نحوه خيال ذو شعر مشرق، والتفت يدان حول عنقه بشدة.قالت سلمى: يا طارق!استقر قلب «طارق» وهو يبادل أخته العناق؛ فقد كان ذلك في شهر الصيف ربما، حين زارته «سلمى» في المدينة. كانت تبدو أطول قليلاً، وإن بقيت على حال الصبايا الوجيهات كما ربتها «سليمة». ورغم بلوغها الثانية والعشرين، فقد اندهش كيف استطاعت دفع الخطاب الذين تتتابع أمهما في تقديمهم لها. وتساءل «طارق» في سرّه عمن عساه يظفر بقلب «سلمى» للزواج.قالت سلمى: لم أظن أنك ستأتي بحق!ثم ابتعدت لتنظر إليه، ووضعت كفيها على وجنتيه تتفقد وجوده الحقيقي.ومنذ أن وافق على المجيء—وإن كان على كره منه—لم يكن «طارق» واثقاً من نفسه، وظل في جهاد دائم كي لا يرسل إلى «سالم» اعتذاراً عن عدم الحضور.لكن لـ«طارق» ابنة أخ لم يراها قط، ولم يكن يرتضي ذلك لنفسه؛ وكان يتطلع للقاء الصغيرة الشريفة «فاطمة».قال طارق: لقد اشتقت إليك يا سلمى، أأنتِ بخير؟قالت سلمى: نعم، الآن وقد عدت!لم يعجبه جزمها بكلمة «عدت»؛ فمن المرجح جداً أن يعود إلى المدينة في الصباح الباكر اعتماداً على ما سيمر به هذا اليوم.قال طارق: أين سالم وعائشة؟قطبت «سلمى» حاجبيها وتطلعت حولها.قالت سلمى: رأيتهما قبل قليل؛ أظنهما في غرفة الضيافة والطعام. وأعتقد أن أمي مع أم عائشة معهما الصغيرة فاطمة إن أردت رؤيتها.انقشعت الحمرة من وجنتي «طارق»؛ فقد أراد تجنب ذلك اللقاء لأطول فترة ممكنة.ثم عادت «سلمى» تعانق «طارق» بقوة أشد من الأولى.قالت سلمى: يا إلهي! ما أجمل أن تكون في بيتك! أرجوك لا ترحل مجدداً.قال طارق: يا سلمى...صوت ناداه من بعيد: يا طارق!رفع «طارق» رأسه نحو مصدر الصوت، ورأى أخاه يتقدم نحوه بمهابة، وباسطاً ذراعيه وابتسامة عريضة تعلو وجهه. كان «سالم» يبدو كأفضل ما يكون الأعيان بثوبه المتقن وساعته الذهبية، والناس يحنون رؤوسهم ويحيونه وهو يمر بينهم.قال سالم: لقد أتيت!واحتضن «طارق» بحرارة، بينما تراجعت «سلمى» إلى الخلف.قال طارق: وهل شككت في مجيئي؟قال سالم: كل الشك! ولكنني سعيد بأن ظني قد خاب. مرحباً بك في بيتك.كان شعوراً غريباً ومألوفاً أن يقف ويتحدث مع إخوته مجدداً؛ ففيهم يجد العون والصحبة، وإن كان يعلم أن الأمر قد يكون أطيب من أن يدوم؛ فخمسة وعشرون عاماً من الخبرة علّمته ذلك.قال سالم: أجد من الغرابة أن أدعوك لدخول بيتك، لكن تفضل؛ فـ«عائشة» تتوق لرؤيتك.سحب «سالم» أخاه نحو غرفة الضيافة، وجد «طارق» نفسه يبتسم متكلفاً لأشخاص كان يعرفهم منذ سنوات، وآخرين لا يعرفهم مطلقاً.كانت غرفة الضيافة فاخرة، وُضعت فيها ألوان الطعام والشراب والتمر. ولا بد أن الخادمة المسنة أم «حسن» قد طهت لعدة أيام متواصلة. ولحظ «طارق» وجود أطباقه المفضلة على المائدة، ولم يظن أن ذلك كان محض مصادفة.وما إن كفّ عن النظر إلى الطعام حتى وجد نفسه قد أُقتيد نحو «عائشة». وكانت آخر مرة رآها فيها في الصيف الذي سبق ولادة الصغار، ولم تتغير كثيراً منذ ذلك الحين، سوى أنها لم تعد تحمل ثقلاً في بطنها. كانت ما تزال رقيقة القامة، بيضاء، ولها العينان اللتان كان «سالم» يفتتن بهما. وكانت ترتدي ثوباً فاخراً لا يمت لثياب الخدم بصلة، وتحيط بها الحلي والحلل. ولعل الفارق الحقيقي الوحيد هو هيئتها ووقفتها؛ فقد كانت تقف بشموخ وعزة تحتاجهما المرأة في مجالس الوجهاء.قال سالم: يا عائشة...وضعت يده الرقيقة على ظهرها بكل حنو.كانت حركة بسيطة، لكنها أثرت في «طارق»؛ فلم يكن «سالم» معصوماً من نقد أمهما وهو فتى، لكن الفارق بينهما كان يكمن هنا. ولعل هذا هو ما كان «طارق» يحسد أخاه عليه بحق؛ ما وجده مع «عائشة». لقد كانت السبب في نجاته من ضغوط أمهما، وبوجودها إلى جانبه، أضحى كل شيء ممكناً.التفتت «عائشة»، واتسعت عينها الزرقاوان حين وقعت على «طارق»، وابتسمت ابتسامة لم تكتمل، ورأى «طارق» علامات القلق على وجهها، ولحظ ذلك «سالم» أيضاً.قالت عائشة: طارق! أوه، دقيقة واحدة من فضلك!رفعت أصل أصبعها لتستأذنه، ثم التفتت مجدداً. وهنا أدرك «طارق» أن «عائشة» كانت تتحدث إلى شخص ما، شخص يحاول التواري في أطراف حجرة الطعام.كان شعرها الأسود الفاحم مرفوعاً، وإن تفلّتت منه بضع خصلات تجعدت بشكل طبيعي ساحر. وكانت بشرة وجهها الأملس كالمرمر، وشفتها الكاملتان بلون الورد الفاتح. وثوبها أبيض يلائم قامتها النحيلة، وإن رأى آثارا خفيفة من التراب على أسفله، وكأنها سقطت أو جثت على الأرض. ولكن عينها...في اللحظة التي رأى فيها عينها، فهم «طارق» لمَ كان «سالم» مفتوناً بـ«عائشة». كانت عينها آية في الجمال؛ زرقاوين تميلان إلى الكحلية، فريدتين للغاية، ولكن يملؤهما الحزن والخوف، مشحونتين بمشاعر جعلت «طارق» يشعر باضطراب في صدره.عرفها «طارق» في التو واللحظة؛ إنها «ياسمين».قالت ياسمين: يلزمني بعض الوقت يا أختي!وهرعت خارج حجرة الضيافة قبل أن تتمكن «عائشة» من الاعتراض.تنهدت «عائشة» بضيق، وقطبت حاجبيها وهي تنظر إلى «سالم».قالت عائشة: لا تريد إخباري بما يلمّ بها! إنها تبدو مذعورة! ماذا عساه أن يكون قد حلّ بها؟