LNCrawler

رواية سبعة ايام او اقل | الصندوق الغريب

سبعة ايام او اقل — www.novlay.com · All chapters

رواية سبعة ايام او اقل | الصندوق الغريب

بين كومة الملابس المتسخة المبعثرة على الأرض، كان يغطّ في نومٍ عميق، وشخيره يعلو كأنه هزة أرضية، بينما الملابس تحيط به كغطاء رديء يليق بأسلوب حياته.استيقظ هاني على صوت معدته تحتج بمرارة، بينما دماغه يرفض الاستجابة لأي نداء. لا شيء استثنائياً في صباحه... عدا ظرف أسود صغير، انزلق تحت الباب كأن أحدهم دسّه خلسة، ثم ولى هارباً.رمش ببطء وهو يحاول التأكد مما رأى، جلس بتثاقل على الأريكة، تثاءب لحظة وهو يحك ظهره، ثم تحرك نحو الباب. انحنى، التقط الظرف، فتحه بتكاسل، فوجد بداخله ورقة واحدة، كُتب عليها بخط غريب كأنه من زمن آخر:"لقد تم اختيارك لتغيير مصير شخصٍ ما... أمامك 7 مهام."ظلّ واقفاً لحظة يحدّق في الجملة، ثم تمتم بسخرية: — جميل... والآن، هل يمكنني تغيير مصير بطني الخاوي أولاً؟ألقى بالورقة على الطاولة، بين كوب قهوة بارد وعلبة مناديل فارغة، ثم تمدّد على الأريكة كأنه أدى مهمة وطنية عظيمة.مرّ اليوم كعادته، بطيئاً، بلا هدف، حتى رنّ هاتفه بنغمة رنين غريبة. رفع الهاتف، فظهر إشعار من تطبيق لا اتذكر  انه  حمله ، ولا حتى يتذكر  اسمه: "اليوم الأول: المراقبة.المستهدف على بُعد 300 متر. لا تتدخل."نظر هاني إلى الهاتف بنظرة خاوية؛ لا دهشة، لا ذعر، ولا فضول حتى. ثم أدار وجهه نحو شاشة التلفاز حيث مسلسل قديم يُعاد للمرة الألف، وقال بصوت مبحوح: — لو كنت أتمتّع بهذا القدر من النشاط، لحصلت على وظيفة بدلاً من هذه البطالة المزمنة.ووضع الهاتف جانباً، حيث انزلق إلى الأرض بهدوء، مواصلاً إرسال الإشعارات في صمت لا يُكسره سوى صوت مذيع الطقس.تجاهل هاني الرسالة تمامًا كما يتجاهل فواتيره المتراكمة. مرّ اليوم بين الجلوس على الأريكة والذهاب إلى الحمام، حتى صارت الساعة تقترب من منتصف الليل، والجو ساكنٌ إلى حدٍ مريب...فجأة، بدأت أصوات غريبة تتردد في أرجاء المنزل: خربشات على الجدران، صرير أبواب، وهمسات مبهمة لا يُفهم منها سوى:"إن لم تتحرك... ستنزل عليك اللعنة.تجمّد للحظة، لا خوفًا بل ضجرًا. نهض بتثاقل، وسار حافيًا وسط العتمة يحدّق في الفراغ بعينين شبه ناعستين، ثم قال بصوت عالٍ كمن يُحادث سُكان الظلال: — لعنة؟! أنا ملعون منذ زمن بعيد، لا حاجة لأن تهددوني بشيء قديم!ثم أشار نحو السقف قائلاً: — اسمعوا... إن لم أكن ملعونًا من الأساس، فلماذا ما زلتُ عاطلًا وأنا على مشارف الخامسة والثلاثين؟ ولماذا لا أزال وحيدًا؛ لا زوجة، لا قطة، ولا حتى نبتة زينة؟!سكتت الأصوات لحظة، كأنها لم تتوقع هذا الرد، ثم جاء صوت أكثر حدة: "نحن نحذّرك... الخطوة التالية ستكون مختلفة."أومأ برأسه، ثم اتجه نحو المطبخ، وفتح الثلاجة الخاوية قائلاً:— نعم نعم، شيء مختلف... ماذا ستفعلون؟ ستجعلون البيت أكثر برودة؟ أم ستجلبون لي زائرًا من العالم الآخر يتقاسم معي الفاتورة؟ثم فجأة... اتسعت عيناه، ووضع يده على جبهته وقال:— تبًّا! نسيت الغسيل في الغسالة منذ يومين!....وبينما كان هاني يُقلّب الغسيل في رأسه لا في الغسالة، ظهر صندوق خشبي فجأة وسط الغرفة من حيث لا يدري. لا صوت، لا وميض... فقط ظهر فجأة، وعليه كتابة محفورة:"كل تغيير تُحدثه... سيتدفق عليك هنا مالاً. الصندوق يتعامل بالدولار. الحد الأدنى: 100."اقترب هاني ببطء، ناظرًا إلى الصندوق كما ينظر إلى إعلان "وظيفة من المنزل". همهم وهو يتفحّص الزوايا: — يا إلهي، هل في آخر الزمان صرت أُهدَّد بفقري؟ أين كرامتي؟ كبريائي؟ من تظنّونني؟ثم توقّف فجأة، وحدّق في السطر الأخير: — مهلاً... هل قلتم: الحد الأدنى مئة دولار؟ اقترب أكثر، ابتسم، وقال بنبرة أكثر ليونة: — يا أصدقائي الكرام، لماذا لم تخبروني منذ البداية أن هذه... وظيفة؟!ثم ضحك وهو يرفع يديه كمن يلقي خطابًا ملهمًا: — هيا، لننطلق نحو مصائر لا نؤمن بها، من أجل نقود لا نمتلكها!ولكن، وقبل أن يمدّ يده نحو الصندوق... انقطع ضحكه بصوت عميق وجاف اخترق الغرفة: "لكن، إن فشلت... ستدفع الثمن."جلس هاني دون أن يرف له جفن، وقال وهو يرفع كتفيه بلا مبالاة:— لا بأس... لا مال لدي أصلاً، فليكن الثمن ما شئتم.لكن الصوت أضاف ببرود مرعب:"الثمن... سيكون حياتك."صمت هاني برهة، ثم أدار وجهه نحو الفراغ وقال:— آه، حسنًا... كنت أفكّر بالاختفاء مؤخرًا على كل حال.***في اليوم التالي، استيقظ هاني على صوت إشعار جديد من التطبيق الغامض: "اليوم الثاني: التدخل الأول.المستهدف: شاب في الثلاثين، يعمل حارس أمن.المطلوب: أوقعه في الحب."تثاءب هاني، قلّب الهاتف بين يديه وقال بفتور:— حب؟ أنا نفسي لا أعرف طعمه، وتطلبون مني توزيعه كالمنشورات؟ فاقد الشيء لا يوزعه.ثم تمتم ساخرًا:— صرتُ حكيم زمانينهض من على الأريكة، تناول نصف قطعة بسكويت متبقية من الليلة الماضية، ثم فتح خريطة التطبيق. النقطة الحمراء لا تزال ثابتة في نهاية الشارع، عند ذلك المبنى العتيق.ارتدى بنطالًا لم يُغسل منذ أسابيع، وقميصًا مكوّرًا التقطه من فوق الكرسي، وخرج من المنزل كأنه ذاهب إلى السوبرماركت لا إلى تغيير مصير إنسان قرأ المعلومات المعطاة له مجددًا ثم اتبع الموقع المحدد.حين وصل، وقف يراقب الشاب من بعيد؛ كان جالسًا على كرسي خشبي، يحدّق في شاشة هاتفه بتعابير تدل على أن الحياة مرّت من أمامه ولم تلوّح له حتى.قال هاني بصوت مسموع: — يا له من مرشّح مثالي للرومانسية... حتى تعابيره تقول: "لا تقتربي، قلبي مفصول من الخدمة".فكر قليلاً... ثم اقترب من الشاب، وجلس قربه وسأله بلا مقدمات:— عفوًا... هل تحب النساء؟ نظر الشاب حوله كأنه يتأكد إن كان هو المقصود، قبل أن يحوّل نظره إليه باستغراب واضح، ثم أجاب ببطء:— ماذا؟ من أنت؟— مساعد، أو مصلح اجتماعي، أو أيًا يكن... وكما ترى، غير رسمي إطلاقًا. فقط أجب، إنها لأغراض القدر.رمش الشاب عدة مرات، ثم هز رأسه وقال: — أعتقد... نعم.ابتسم هاني وقال: — عظيم... هل لديك فوبيا من الزواج؟ قلق من الارتباط؟ عقد طفولة؟— هل أنت طبيب نفسي أم نصاب جديد؟ضحك هاني ضحكة مريرة وقال: — لا هذا ولا ذاك... أنا فقير يُحاول إنقاذ حياته بمشاعر الآخرين.في هذه اللحظة، بدأ الصندوق في المنزل يصدر ضوءًا خافتًا... وانطلق منه صوت آلي يقول: "أول خطوة نُفذت... سيتم الإيداع قريبًا". التفت هاني فجأة، كما لو أنه شعر بذلك في أعمق نقطة من معدته، وقال: — يا رب تكون مئة كاملة... أحتاج وجبة بكرامة!بعد محادثة غير مثمرة مع الشاب، الذي بدأ يعتقد أنه يقابل أحد المهووسين في الشارع، قرر هاني أن يسلك طريقًا غير تقليدي في "مهمة الحب".أخذ نفسًا عميقًا، وأشار إلى الشاب قائلاً: — لا تقلق، لدي خطة عبقرية! سأتقمص دور الرفيق المثالي، حان وقت إظهار مهاراتي في الإقناع، الشاب، الذي بدأ يشعر بالقلق من هذا الحوار الغريب، رد بحذر: — مهاراتك في الإقناع؟ يبدو أنك لم تفهم.. أنا هنا فقط لأراقب العالم من بعيد.— آه، لا تقلق، سأجعلك تُغير هذا التفكير وفقًا للمهام المطلوبة! أولًا سنبدأ بالعشاء، ثم سأعلّمك كيف تفتح قلبك.. تابعني!ضيّق الشاب عينيه بريبة؛ ما بال هذا الرجل الغريب؟ وماذا يعني بـ "المهام"؟ وقبل أن يستوعب ما يحدث، سحبه هاني معه إلى أحد المطاعم القريبة.وفجأة، وجد الشاب نفسه جالسًا في مطعم يغصّ بالعناصر الغريبة، وأمامهما عشاء في مكان يفتقر للنظافة. اختار هاني أفضل ما في قائمة الطعام —بالطبع بناءً على سعره الرخيص— وأمامه جلس الشاب الذي أصبح متوترًا أكثر مع كل لحظة تمر.كان هاني يناقش النادل بحماس شديد حول كيفية ترتيب الطبق بشكل "رومانسي"، وسط فوضى غير متوقعة على الطاولة، بينما يحمل بهاتفه في يده اليمنى لتوثيق اللحظة، ليُظهر للتطبيق أنه "يخوض تجربة حب حقيقية".— اسمعني، إذا أردت فعلاً إيقاع شخص في الحب، عليك أن تدمج اللحظات الكوميدية، فالحب الحقيقي لا يكون جادًا دائمًا. مثل هذه اللحظات العبثية هي ما تجعلنا نضحكوبينما كان هاني يعرض نظرياته حول الحب كما لو كان بروفيسورًا في العلاقات العاطفية، بدأ الشاب يتلاشى في حالة من اللامبالاة، وأصابته نوبة ضحك متوترة من هذا العرض المسرحي غير المتوقع.ومع كل حركة عشوائية يقوم بها هاني، كان يظن نفسه يحقق تقدمًا باهرًا في المهمة، ولكن على الطرف الآخر من الطاولة... كان الشاب يحاول فقط البقاء على قيد الحياة عقليًا، متمنيًا أن ينتهي هذا الكابوس بأسرع وقت.وفي الجهة الأخرى بدأ الصندوق في منزله ينبض بضوء خافت، وظهر إشعار جديد على شاشة هاتفه:"التغيير في المصير تم جزئيًا. سيتم الإيداع قريبًا."ابتسم هاني بفخر كأنه في بداية طريق النجاح العالمي، ثم تمتم:— هيا، تشجع يا هاني.. الفاتورة القادمة على حساب الحب!ثم التفت إلى الشاب الذي كان يبتسم ابتسامة محيرة من هول الصدمةبينما كان هاني يواصل محاولاته العبثية لإيقاع الشاب في الحب، قاطعه الشاب فجأة بنظرة جادة للغاية وقال: — هل أنت متزوج؟نظر إليه هاني بملل وأجاب: — لا، بالطبع لا. من يحتاج إلى الزواج في هذا الزمن؟الشاب، الذي بدأ يبدو أكثر جدية، سأل مجددًا: — هل لديك حبيبة؟— لا، لا يوجد شيء من هذا القبيل.رفع الشاب حاجبًا، ثم سأل بصوت هادئ: — هل اعترفت لك امرأة بحبها في حياتك، ولو لمرة واحدة؟بدأ هاني يشعر بشيء من الإحراج، فرد بعصبية:— لا، لم يحصل شيء من هذا القبيل! ولمَا تسال  أصلاً؟وفجأة، ودون أي مقدمات، وقف الشاب ببطء، ووجّه لهاني صفعة قوية على وجهه جعلته يترنح قليلاً. نظر هاني إلى الشاب بصدمة وهو يهمس بصوت منخفض: — ماذا تفعل؟!لكن الشاب لم يلتفت إليه، بل أخذ خطوة نحو الباب، ثم التفت قبل أن يخرج وقال: — إذا لحقتني، فسوف يُقضى عليك.وقف هاني يتنفس بصعوبة، وعيناه تتابعان الشاب الذي يبتعد، ثم صرخ بأعلى صوته: — لاااااااا.. دولارررررررررراتييييي!!بينما كان الشاب يختفي في الظلام، ظل هاني واقفًا في مكانه، ممسكًا بخده المصفوع، دون أن يشغله شيء سوى دولاراته الضائعة. ثم تذكر فجأة رسالة التطبيق: *"الثمن سيكون حياتك"*.تمتم هاني وهو ينظر إلى الفراغ: — حسنًا، يبدو أنني قد دخلت فعلاً في شيء أكبر مما توقعت. ثم بدأ يضحك ضحكة خفيفة، وكأن كل ما يحدث في العالم قد أصبح مجرد مزحة سخيفة.عاد هاني إلى منزله وهو يصرخ ويبعثر شعره بعصبية، فهو لم يفشل في المهمة فحسب، بل إن مصيره بات مجهولاً بالكامل.رمى جسده على الأريكة كمن هُزم في معركة خاسرة ضد كائن لا مرئي، وتمتم بضيق وهو يحدّق في السقف: — تبًا له! كان عليه أن يكون ممتنًا؛ أحاول مساعدته، أغيّر مصيره، أنقذه من وحدته... هااااااع!ثم رنّ إشعار على هاتفه. فتحه دون اهتمام، فظهر أمامه إشعار من التطبيق: انتهى اليوم الثاني.فشلتَ في المهمة.استعد للمهمة التالية غدًا."قرأها هاني، ثم ضحك ضحكة ساخرة وقال بصوت مرتفع:— فشلتُ؟ حقًا؟ ما هذا التقييم المدرسي؟!ثم صرخ وهو يلوّح بالهاتف في أرجاء الشقة:— ولماذا لا تقومون بها أنتم، أيها السّفلة؟! أنتم من فتح هذا الصندوق، أنتم من أوهمني بالدولارات، والآن تقولون لي فشلت؟!وقف فجأة وهو يتحدث إلى الفراغ: — تريدون مني أن أجعل شابًا... يرتبط؟! هاهاها، يا لسخرية القدر! أنا نفسي لم أجد من تقبلني منذ خروجي من الرحم!ثم جلس فجأة، وكأن التعب العاطفي قد نزل على صدره دفعة واحدة، وأخرج تنهيدة طويلة: — أنا لا أملك سجلًا عاطفيًا... بل سجلًا فارغًا، مثل حسابي البنكي.. هذا إن كنت أمتلك حساباً من الأساس!نظر إلى الصندوق الذي ظل ساكنًا في الزاوية، وقال بهمس:— هل هذه هي "اللعبة"؟ تجرّوننا من حياتنا التافهة نحو مهام عبثية، وتطلبون منا أن نصنع المعجزات...؟ حسنًا، سنلعبثم تمدد بكامل كسله المعتاد وتمتم: — عمومًا، يبدو أنني لن أموت حتى موعد المهمة التالية، وهذا في حد ذاته أمر مبشر...