المهم الثالثة
المهم الثالثة
أعد الطفلة الضائعة إلى والدتهافي صباح اليوم الرابع، استيقظ هاني وهو يئن من كل جزء في جسده. فتح عينه بصعوبة، كأن الجفن أصبح ثقيلاً مثل ديونه.رنّ الهاتف، تنهد وقال دون أن يلمسه: — دعوني وشأني!لكن حين قرأ الإشعار، تغيرت نبرة صوته:"المهمة الثالثة: أعد الطفلة الضائعة إلى والدتها.الموقع: الحديقة العامة، الساعة 10 صباحًا."حدّق في الشاشة ثم قال: — أهذا كل شيء؟ طفلة ضائعة؟ لا تنمّر؟ لا عنف؟ لا عصابات مراهقين يسحقون الكرامة قبل الأجسادثم ابتسم لأول مرة منذ أيام: — هذه... قد تكون فرصتي الذهبية. طفلة؟ بسيطة. أمها؟ بسيطة. أنا؟ عبقري في الضياع... لا بأس، سأجيد عكس الاتجاه.في تمام العاشرة، وصل هاني إلى الحديقة العامة، مرتديًا نظارة شمسية مكسورة من طرف واحد، وقبعة مستعارة من زمن لم يعد موجودًا ، أخذ يتلفّت حتى لمحها: طفلة صغيرة، في السابعة من عمرها —كما وصفها التطبيق— تجلس على الأرجوحة بصمت، تمسك بدميتها بإحكام وتحدق في الأرض.اقترب منها وقال بنبرة حاول أن يجعلها لطيفة: — مرحبًا، هل أنتِ تائهة؟ رفعت الطفلة عينيها نحوه... ثم تجاهلته.قال مجددًا: — أنا هنا لأساعدكِ، أعدكِ ألا أبيعكِ على "الدارك ويب" أو شيئًا كهذا.رفعت حاجبًا... ثم قالت:— ماما قالت لي ألا أتحدث مع الغرباءقال هاني ساخرًا:— وأنا غريب الأطوار، الفرق بسيط.ثم جلس بجوارها على الأرجوحة الأخرى وقال:— اسمعي، أعدكِ بإعادتكِ إلى والدتكِ، فقط أخبريني: ما اسمها؟ أو كيف تبدو؟قالت ببرود طفولي:— اسمها ماما.نظر هاني إلى السماء وقال:— مفاجأة القرن!ثم اضاف:— أين رأيتِها آخر مرة؟فردت:— هناك عند الأشجار... ثم اختفت.— هل والدتكِ... شبح؟ — لا، لكنها قالت لي انتظريني، وأنا انتظرت.نهض هاني وتمتم: — طبعًا... المهمة البسيطة لا بد أن تحمل عنصرًا خارقًا أو عبثيًا، هذه هي قوانين الكون بدأ يتجول مع الطفلة في الحديقة، يسأل كل امرأة: "هل هذه ابنتكِ؟" حتى بدأ الناس ينظرون إليه بريبة.اقترب منه أحدهم وسأله: — لماذا تمشي مع طفلة لا تعرفها وتسأل الغرباء؟رد هاني: — إنها مهمة سماوية... أعني، تطبيقية!بدأ الرجل يتصل بالشرطة، فذعر هاني وقال مستعطفًا:— صدقني يا سيدي، لستُ خاطفًا أو ما شابه! بل أحاول مساعدة هذه الطفلة المرفوضة... أعني الضائعة، لتجد أمها.الرجل بريبة: — ولماذا أصدقك؟في تلك اللحظة، تدخلت الطفلة وقالت ببراءة: — إن العمّ محق.أنزل الرجل الهاتف، ونظر إليهما بشك، ثم انصرف وتركهما.تنفّس هاني الصعداء، والتفت إلى الصغيرة قائلاً:— يا إلهي... لدينا رحلة طويلة!وبدأ بالبحث والسؤال في أرجاء المنطقة لعدة ساعات، حتى غابت الشمس وأسدل الليل ستاره. أخيرًا، وبعد جهد جهيد، تمكن من تحديد منزل الأم.عند وصولهما، جلس هاني أرضًا لتصبح عيناه بمستوى عيني الطفلة، وقال لها: — انتظريني هنا، سوف أعود حالاً، حسناً؟أومأت الطفلة برأسها بصمت.وقف هاني أمام الباب، وقلبه ينبض ببصيص أمل:"أخيرًا... مهمة قد أنجح بها، وربما —فقط ربما— لن أعود بكدمة أو طعنة في الكرامة".ضغط زر الجرس.فتحت الباب امرأة تبدو وكأنها خرجت لتوّها من حفلة صاخبة في مرآب مهجور على يدها وشوم، وفي فمها سيجارة تتدلّى كأنها على وشك السقوط من فرط اللامبالاة.قال هاني محاولًا التماس الاحترام: — مساء الخير... أبحث عن السيدة إيلا؟ ، رفعت حاجبًا، ونفثت دخان السيجارة مباشرة نحوه: — أنا إيلا، من يسأل؟حدّق فيها لحظة، ثم قال بشبه همس: — لماذا... تبدين كمشردة هاربة من فيلم وثائقي عن المراهقين في أمريكا؟نظرت إليه طويلاً... ثم قالت ببرود:— أنتَ مريب.ردّ وهو يضع يده على صدره: — أنا هاني.تنهّدت وقالت: — على العموم، ماذا تريد؟تنفّس هاني بعمق، كمن يقدّم شيئًا مقدسًا، وقال:— وجدتُ ابنتكِ الصغيرة، كانت تائهة وأحضرتها إلى هنا ، أعلم أنكِ كنتِ قلقة، أو على الأقل... كان يُفترض أن تكوني كذلك.نظرت إليه لحظة، ثم قالت: — تلك الطفلة؟ إنها قمامة، تخلّصتُ منها. يمكنك الاحتفاظ بها ثم... أغلقت الباب.ظل هاني واقفًا مكانه، فمه نصف مفتوح، ودمه نصف مجمّد. قال بصوت مكسور: — ماذا... ماذا قلتِ؟لكن الباب لم يُفتح مجددًا، وبقي هو واقفًا، يحدق في بابٍ أُغلق في وجه الطفولة.استدار ببطء، والتقت عيناه بعيني الطفلة التي كانت تجلس بهدوء عند الرصيف، تلوّح بدميتها المهترئة اقترب منها، وجلس إلى جوارها، ثم قال بصوت منخفض: — قالت... إنها لا تريدكِ. اعني ... قالت إنه يمكنكِ البقاء معيهزّت الطفلة رأسها، وكأنها قد سمعت هذا الكلام من قبل نظر هاني إلى الأرض، ثم همس: — تعرفين... أنا أيضًا تمّ التخلي عني. كنت صغيرًا... وانتظرت أمّي لسنوات، لكنها لم تأتِ.سكت لحظة، ثم ضحك ضحكة حزينة: — على الأقل أنتِ لم تنتظري طويلًا. ثم قال وهو ينظر إليها: — هل ترغبين في بيت... فاشل، لكنه دافئ قليلاً؟ مليء بالكآبة، لكنه بدون دخان سجائر؟أومأت الطفلة برأسها موافِقة.نهض هاني وقال: — حسنًا... لن أقول إنني أنقذتكِ، بل أنتِ من أنقذتني؛ لأنني توقعت أن تكون المهمة أسوأ من هذا بكثير طبعا أذآ تجاهلت وجه أمّكِ.وما إن دخل هاني المنزل، وجلس على الأريكة كعادته ، حتى صدر من هاتفه ذلك الصوت المزعج للتطبيق المشؤوم . أمسكه بتكاسل، ونظر إلى الشاشة ليقرأ: "لقد فشلت في المهمة الثالثة.السبب: لم يُلمّ شمل الأسرة."صاح هاني وهو يلوّح بالهاتف كمن يتهمه بالخيانة العظمى:— أاااااااااع! لكنها هي من رفضتها! ماذا كنتم تظنون؟ أنني مصباح علاء الدين؟ أحقّق المستحيلات برمشة عين؟!ثم ألقى الهاتف على الأريكة، وراح يتمتم بضيق: — لا يهم... لم أفشل في مهمّتكم السخيفة فحسب، بل صرت الآن أملك فتاة صغيرة عليّ الاعتناء بهانظر إلى الطفلة، التي كانت قد بدأت تتفحّص أرجاء المنزل بنظرات تائهة، وقال وهو ينفخ خديه بيأس: — ممتاز... المهمة أنقذت طفلة، وفشلت لأنني لم أجعل أمّها تحبّها! ما التالي؟ أن أرجع بالزمن ليولد والدها من جديد ويحبّ أمها قبل أن يطلقها؟!سكت لحظة، ثم قال موجهًا حديثه للطفلة: — اسمعي يا صغيرة... لا أعرف كيف سننجو من هذا التطبيق اللعين، لكن طالما أنكِ هنا، سنحاول ألا نموت... من الجوع أولاً.رفعت الطفلة دميتها وقالت ببراءة: — دبدوبتي تحب المعكرونة.تنهد هاني بعمق وقال: — عظيم... حتى دبدوبتكِ تملك آراءً ومتطلبات أكثر منيدخل هاني المطبخ كمن يدخل ساحة حرب... فتح الخزائن، قلب العلب، قلب الصمت، ثم صرخ: — يا للروعة... آخر علبة إندومي في المجرة! ، أمسك بها ونظر إليها كما لو كانت كنزًا أثريًا، ثم تمتم: — كم أكره أن أضطر لأن أكون طيبًا...خرج من المطبخ، وتقدّم نحو الطفلة الجالسة على طرف الأريكة، ومدّ لها العلبة قائلاً: — خذي هذه أيتها الصغيرة، يمكنكِ اعتبارها "معكرونة فاخرة بنكهة البؤس".لكنها نظرت إليه بعينين بريئتين وقالت بهدوء: — " هذا غير صحي، أمي تقول ذلك دائمًا" تجمّد هاني في مكانه، حدّق بها ثم قال بسخرية: — أمكِ؟ هاهاها... أمكِ بالكاد تعرف كيف تتهجّى كلمة "صحي"!ثم ألقى العلبة بجانبها وقال وهو يستدير: — كليها إن أردتِ... وإن لم تريدي فابقي جائعة، لستُ مسؤولًا عن ذوق دبدوبتكِ الغذائي.جلست الطفلة تحدّق فيه بعينين واسعتين، فيهما من البراءة ما قد يذيب الحديد... لكنه لم يكن حديدًا، كان مجرّد إنسان محطّم.قال بنبرة يائسة وهو يلوّح بيده: — لا تنظري إليّ هكذا، لن يجدي هذا الأمر معي... أنا محصّن ضد الدراما العائلية.ثم سار بخطوات ثقيلة إلى الأريكة، وألقى جسده فوقها، ثم وضع يده على وجهه وأغمض عينيه.