LNCrawler

المهمة السادسة | سبعة ايام او اقل

سبعة ايام او اقل — www.novlay.com · All chapters

المهمة السادسة | سبعة ايام او اقل

منع شخص  يائسً من الإقدام على الانتحاروصل إشعارٌ جديد على هاتف هاني، وصوت التنبيه بات مألوفًا لديه كألم الظهر المزمن فتحه ببطء شديد ليقرأ:"المهمة السابعة: المطلوب: أن تمنع شخصًا يائسًا من الإقدام على الانتحار المهلة: 4 ساعات."قرأ العبارة ثلاث مرات متتالية، ثم نظر إلى السقف كأنه ينتظر أن يسقط عليه تفسيرٌ منطقي من السماء، وراح يتمتم بسخط:— رائع... والآن صرتُ خط نجدة ودعم نفسي! مَن التالي في قائمتكم؟ محقّق جنائي؟ طبيب جراحة قلب؟ أم ساحر سيرك؟!نهض عن الأريكة، ومرّ بجانب مرام والطفلة اللتين كانتا منهمكتين في تنظيف طاولة الطعام. سألته مرام دون أن ترفع رأسها:— إشعار جديد؟أجابها هاني وهو يرتدي حذاءه المهترئ بتثاقل:— نوعًا ما... مهمة اليوم تتطلب مني أن أمنع شخصًا من الانتحار.رفعت الطفلة رأسها ببراءة وسألت:— ما معنى انتحار يا عمو؟جفّ حلق هاني قليلاً، ثم ردّ وهو يتلعثم محاولاً تلطيف الكلمة:— يعني... أحدهم يشعر بحزن شديد للغاية، ويريد أن... يختفي من العالم.نظرت إليه مرام بنظرة قلق حقيقية وقالت: — وهل أنت مؤهل أصلاً للتعامل مع شخص يائس إلى هذه الدرجة؟ضحك هاني بسخرية مريرة:— أنا؟ أنا نفسي مرشح مثالي للانتحار منذ عام 2015! يمكنني حرفيًا إعطاء دروس خصوصية في الكآبة واليأس المزمن.غادر المنزل وهو يشعر أن كل خطوة يخطوها تقوده إلى فوضى أعمق وجديدة. لم يكن يعرف من سيواجه، أو كيف سيتصرف، أو لماذا اختاره هذا التطبيق بالذات من بين سبعة مليارات بشر على هذا الكوكب. لكن شيئًا ما في داخله، ربما غريزة بقاء بدائية، أو حنين خفيّ لأن يكون له دور حقيقي وأثر في هذا العالم، جعله يستمر في السير.اقترب من العنوان الذي ظهر له على خارطة التطبيق... وعيناه لا تزالان تطرحان سؤالًا واحدًا يتردد في أعماقه:"مَن سينقذ المنقِذ؟"***وصل هاني إلى العنوان المحدد في الإشعار. كانت الشقة الصغيرة تقع في حي قديم ومظلم بعض الشيء، ويبدو من مظهر الباب الخارجي أنه لم يُفتح منذ وقت طويل جداً. طرق الباب بخفة، وقلبه ينبض بسرعة، بينما عقله مشغول بسؤال واحد: "كيف لي أن أساعد شخصًا فقد الرغبة في كل شيء؟"فُتح الباب ببطء، ونظر إليه رجل بعينين غارقتين في الحزن واليأس كان يبدو في الأربعينيات من عمره، وجهه شاحب للغاية، ويرتدي ثوبًا منزليًا رثًا. لم يكن هناك سوى أشياء مبعثرة وفوضى عارمة في أرجاء الشقة، وكأن الحياة نفسها قد هجرت هذا المكان.نظر إليه الرجل وقال بصوت منخفض ومحمل بالاستفهام:— ماذا تريد؟ ابتسم هاني :-مساء الخير؟ نظر اليه الرجل : عن أي خير تسأل؟ردّ هاني بنبرته الساخرة المعتادة:— حسناً... أعتقد أنني أنا الآخر لا أعرف أين يكمن الخير في هذا العالم، لكنني هنا للمساعدة على أي حال.تأمله الرجل برهة، ثم تنهد بمرارة وتحرك مقترباً من النافذة المفتوحة وهو يقول: — لا أحد يمكنه مساعدتي، حتى لو كنت تملك جميع أموال العالم، فلن تنقذك أو تنقذني.عقّب هاني بسخريته السوداء: — طمئن نفسك، لو كنتُ أملك مالاً فعلاً لما رأيت وجهي هنا، كنت سأنشغل بإنفاقه هاهاها!لكن الرجل ظل صامتًا تمامًا، في حالة يرثى لها وعيناه معلقتان بالفراغ خارج النافذة. شعر هاني بشيء من التعاطف الصادق الذي اخترق دروعه، وكان يعلم أن الكلمات التقليدية لن تكون كافية لإيقاف شخصٍ يقف حرفياً على شفا الهاوية. فجأة، تذكر المعلومات التي قرأها في التطبيق عن الشخصية، فقال بصوت هادئ ورصين: — ولكن... لديك طفل، وطفلك بحاجة ماسة إليك الآن.ارتجف جسد الرجل وقال بصوت مكسور:— زوجتي رحلت، وأخذته معها لأنني لا أستطيع أن أقدم لهما ما يريدان أنا مجرد شخص فقير... عاجز... وغير قادر على تغيير أي شيء في هذا الواقع القاسي.شعر هاني بوخزة ألم في قلبه؛ فهذا الرجل يعيش تفاصيل اللحظة ذاتها التي عاشها هاني في طفولته حين تخلى عنه الجميع. اقترب منه خطوة أخرى وقال: — أنا لا أملك المال أنا الآخر كما ترى... لكنني أستطيع أن أكون هنا بجانبك، وأن أساعدك على رؤية الأشياء من زاوية أخرى.نظر إليه الرجل بتردد، ثم أنزل رأسه مرة أخرى وقال وعيناه تفيضان بالدموع: — أنت لا تفهم... لا أحد يفهم لا أحد يعرف ماذا يعني أن تكون في هذا المكان المظلم.حاول هاني أن يمد يده بثبات، متجاوزاً مرارته الخاصة:— بل أنا أعرف هذا المكان جيداً، وأنا هنا لأقول لك: ليس كل شيء قد انتهى بعد. أنت لست وحدك في القاع، وأنا هنا لمساعدتك. لا تفكر في إنهاء حياتك، فهناك دائماً طريقة أخرى لإصلاح ما انكسر.وقف الرجل صامتًا لفترة، والدموع تنهمر على وجنتيه الشاحبتين، ثم سأل بنبرة ضائعة: — لكن كيف؟ كيف يمكنني أن أغير ما حدث وأستعيده؟ تنهد هاني بعمق وأجاب بصوت ثابت وقوي:— لن تجد الحل بانتظار أن يتغير العالم من أجلك، لكن يمكنك أن تبدأ بحماية ما تبقى ، لديك طفل، وهو يحتاج إلى أب يحارب لأجله، حان الوقت لتكون البطل الوحيد في حياته بدلاً من أن تتركه لليأس.ساد الصمت الشقة لفترة طويلة، لكن كلمات هاني الحارة بدأت تلمس أعماقه وتزيح غشاوة الموت عن عينيه. بعد دقائق من التفكير، مسح الرجل دموعه وقال أخيرًا: — سأحاول... سأحاول من أجل طفلي.ابتسم هاني ابتسامة باهتة، لكنه لم يشعر بلذة الانتصار بعد؛ فالطريق لا يزال طويلاً، والمعارك المستمرة تنتظره خلف كل زاوية، وقال للرجل مودعاً: — فقط تذكر، الأمر لا يتعلق بالمال أو بالقدرة على تقديم كل شيء الأمر يتعلق بالبقاء، والقتال، وألا تستسلم أبداً.ثم تحرك  راجعاً وخرج من الشقة. وبينما كان يهبط درجات السلم المظلمة، شعر بشيء جديد ودافئ ينمو بداخل صدره. لم يكن قد حل مشاكل العالم، ولا مشاكله الشخصية، ولكنه شعر لأول مرة منذ سنوات طويلة بأنه قام بشيء هام... شيء حقيقي.ما إن وصل هاني إلى الشارع حتى أضاءت شاشة هاتفه فجأة بنغمة رنين التطبيق... هل تمت  المهمة السادسة بنجاح، أم أن هناك التواءً جديداً في الأحداث ينتظره؟اخذ  يمشي في الشارع بخطى وئيدة، يراقب الأرصفة التي كأنها قيدت خطواته بذكريات ماضٍ سحيق. كانت عيناه ضبابيتين كأن الماضي يعيده قسرًا إلى حيث بدأ، لكنه في هذه المرة لا يملك أحدًا يخفف عنه ألم الذاكرة.تمتم بخفوت: — تخيل أنني فشلتُ في مهمتي الأولى تمامًا، ثم تأتي الأقدار بمهمة إنقاذ مَن يوشكون على الانتحار؟ يبدو أن هذا العالم لا يحترم أحدًا، ولا حتى أولئك الذين يحاولون بصعوبة أن يكونوا أبطالًا.حاول أن يستحضر فلسفته المعتادة في التفوق على هذا العالم القاسي، لكنه عجز تمامًا عن الهروب من حقيقة أنه جزء من المعضلة ذاتها التي يحاربها طيلة حياته.وقف على ناصية الشارع وهمس لنفسه بمرارة:— والدي انتحر، وأمي تركتني ورحلت... ترى لو كان بيدي شيء أفعله في ذلك الوقت، هل كنت سأتمكن من تغيير أي شيء؟كان يشعر وكأن الجروح الداخلية لن تشفى أبدًا، وأن أي عابر يمر بجواره يمكنه أن يلمح بوضوح أن هذا الرجل قد نسي نفسه تمامًا وسط الركام.عندما وصل إلى البيت، توجه نحو الصندوق وفتحه كعادته، لكن المبلغ لم يزدد كما كان يأمل؛ لقد بقي كما هو دون أي مكافأة جديدة من التطبيق. زفر بحنق وقال: — عظيم... يبدو أنني فشلتُ في نظر التطبيق حتى في الحصول على مكافأة لهذا العمل الإنساني الثقيلتنهد بعمق، ثم أخذ عشرين دولارًا مما تبقى في الصندوق، وخرج مجددًا ليشتري فستانًا بسيطًا لمرام ولعبة صغيرة للطفلة. بدا كأنه يحتاج إلى إثبات شيء ما لنفسه، ربما أراد التأكيد على أنه لا يزال حيًا ومؤثرًا. همس للبائع بسخرية: — على الأقل سأشتري شيئًا جيدًا، فالحياة هكذا دائمًا؛ تمنحك أفضل الأشياء بأقل الأسعار حين لا تكلفك شيئًا.عاد إلى المنزل ودخل متأففًا وهو يحمل الكيس في يده.استقبلته مرام بابتسامة مبتهجة وقالت:— مرحبًا بعودتك!رد هاني بصوت خافت وخاوٍ:— مرحبًا.نظر حوله في أرجاء الصالة النظيفة ثم سأل:— أين الطفلة؟قالت مرام بابتسامة صغيرة مصححة:— اسمها لبنى، وليس 'الطفلة' كما تحب أن تسميها دائمًا.أطرق هاني رأسه مفكرًا لثوانٍ ثم قال:— اه، حسنًا... هل لبنى نائمة الآن؟هزت مرام رأسها بابتسامة هادئة:— نعم، لقد نامت منذ قليل.مد هاني يده بالكيس نحوها وقال بمواربة:— خذي... هذه هدية بسيطة، هي لا شيء حقيقي في الواقع... وأعني هذا حرفيًا وليس من باب التواضع، لقد صادفتُ عليها عرضًا مخفضًا أو شيء من هذا القبيلضحكت مرام بخفة وقالت وهي تأخذ الكيس:— هه، لا يهم إن كان عرضًا مخفضًا أم لا. شكرًا لك على أي حال.قال هاني بابتسامة مهزوزة يحاول بها تلطيف الأجواء: — عمتِ مساءً يا سيدة مرام.ردت بابتسامة مطمئنة التقت بعينيه لأول مرة بسلام:— وعمتَ مساءً يا سيد هاني.تمدد هاني على الأريكة الفسيحة، وأدرك في تلك اللحظة أنه حتى في عالمه القاسي المظلم، كانت هناك بعض الأمور الصغيرة التي تستحق العناء والمحاولة. لكن في الوقت نفسه، لم تفارقه تلك الفكرة المزعجة التي تهمس في عقله: "أنت مثل الجميع تمامًا، مجرد ترس صغير في لعبة عبثية لا منطق فيها".ابتسم بهدوء وأغلق عينيه، وهو يعلم أنه حتى في أشد لحظاته بؤسًا، كان هناك نوع من الكوميديا السوداء الفريدة التي تتشكل حول تفاصيل حياته.