LNCrawler

سبعة ايام او اقل - المهمة الاخيرة

سبعة ايام او اقل — www.novlay.com · All chapters

سبعة ايام او اقل - المهمة الاخيرة

إقناع مدير شركة بمنحك وظيفة شاغرة.استيقظ هاني في صباح اليوم التالي على صوت إشعار مألوف. مدّ يده بتثاقل نحو هاتفه، وهو يتوقع أن يرى شيئًا مأساويًا كالعادة. فتح الشاشة، وقبل أن تركز عيناه على الكلمات، تمتم بضيق:— لا تقل لي... مهمة جديدة؟ ما زلتُ حيًا إذًا في نظركم.ظهر النص على الشاشة بلونه الأزرق البارد المعتاد:"المهمة السابعة : المطلوب: عليك إقناع مدير شركة معقّد الشخصية بمنحك وظيفة شاغرة لديه.المهلة: 48 ساعات."تجمّدت ملامحه للحظة، وكأن أحدهم صبّ عليه دلوًا من الماء المثلج، ثم جلس في مكانه ينظر إلى الشاشة كأنها تستهزئ بوجوده وصرخ:"هل هذه مزحة؟ أنا الذي فشل في مهمة جمع أسرة، وفشل في طرد امرأة، وفشل في تربية طفلة، والآن يريدون مني أن أقنع شخصًا رسميًا، معقّدًا، أن يمنحني وظيفة؟ من التالي؟ هل عليّ أن أقنع الشيطان بالتوبة؟نهض متثاقلاً واتجه إلى المطبخ، فوجد مرام تحضّر الشاي بينما لبنى ترسم شيئًا بألوانها على طاولة الطعام. نظر إليهما ثم قال بتهكم مرير: — هل تعلمان ما هي المصيبة الجديدة؟ التطبيق يطلب مني أن أُقنع مدير شركة مجنونًا بتوظيفي!نظرت إليه مرام باستغراب وقالت: — وأين المشكلة في ذلك؟ أليس هذا ما يفعله البشر الطبيعيون كل يوم؟جلس هاني على الكرسي ورفع حاجبيه مستنكرًا:— المشكلة أنني بالكاد أقنعتُ نفسي بالاستيقاظ وعدم النوم مجددًا! أقنع مديرًا؟! أنا لم أقنع قطتي بالبقاء في البيت قط!قالت لبنى دون أن ترفع رأسها عن رسمتها:— لكن أنت ليس  لديك  قطة يا عمو.تنهد هاني بعمق ونظر إليها بأسى:— بالضبط... هذا هو ما أقصد بالتحديد!رمق الشاشة بنظرة استسلام نهائية وقال وهو ينهض:— حسنًا أيها التطبيق السخيف... فلنلعب لعبتكِ هذه حتى النهاية.وقف هاني أمام مبنى الشركة الشاهق، يحدّق فيه كما لو أنه وحش أسطوري من خرائط ألعاب الفيديو، ينتظر فارسًا يحاول هزيمته بسيف صدئ ودون دليل استخدام. أخذ نفسًا عميقًا وقال في نفسه:— عظيم... مهمة إقناع مدير معقّد؟ أنا  الذي لم أستطع إقناع نفسي بالحصول على وجبة فطور آدمية، والآن عليّ التفاوض مع روبوت بشري يرتدي بدلة رسمية!عند المدخل، استوقفه رجل مسن كان يحمل بعض الملفات، ويبدو أنه من موظفي الشركة القدامى. حدّق العجوز في وجه هاني المرهق وسأله:— أأنت قادم للمقابلة الشخصية؟أومأ هاني برأسه إيجابًا.فسال الرجل العجوز :— متزوج انت ؟زفر هاني وهو يتمتم سحقا ثم قال بضجر:—لاتنهد الرجل وقال بصوت خافت ونصوح:—  أنصحك ألّا تتعب نفسك يا بني. المدير الجديد لا يثق بالرجال غير المتزوجين؛ يرى أن العازب لا يملك في حياته ما يخسره، وبالتالي لا يستحق أن يُعتمد عليه في الأزمات.تجمد هاني في مكانه، وشعر كأن الزمن يسخر منه للمرة الألف:— وهل يجب أن أكون زوجاً مهزومًا لأحصل على وظيفة؟ هل أصبحت الحالة الاجتماعية معياراً للكفاءة المهنية؟!هز الرجل كتفيه وقال: — هكذا يرى الأمور... الموظف المتزوج أكثر التزاماً وخضوعًا، فلديه أسرة يعيلها، ولديه عذر دائم للركوع اليومي أمام قرارات الإدارة.ظل هاني صامتًا للحظة، ثم أخرج من جيبه صورة صغيرة كانت مرام قد التقطتها له مع لبنى؛ الطفلة التي تسللت إلى حياته دون موعد. نظر إلى الصورة وقال ساخرًا: — على الأقل أملك نصف المعادلة... فتاة صغيرة تناديني بعمي، ومنزل مليء بالفوضى الهدامة... هذا يشبه العائلة إلى حد كبير، أليس كذلك؟ثم رفع رأسه وتابع بصوتٍ هادئٍ فيه شيء من العناد الذي نبت فجأة: — سأدخل... فإن فشلتُ، فلن أكون قد خيّبتُ أملي لأول مرة في حياتي.ومضى نحو البوابة، وقد أدرك أن هذه المهمة، رغم غرابتها الشديدة، قد تكون مفترق طرق لا عودة منه. استوقفه العجوز مجددًا قبل أن يعبر البوابة الإلكترونية، وقال بنبرة جادّة:— صدقني يا بني، إن قُبلت في هذه الوظيفة، فإن حياتك ستتغير بالكامل.ابتسم هاني بسخرية مريرة: — وماذا عن هذا الشرط التعجيزي؟ من أين سأحصل على زوجة في دقائق؟ هل أقطفها من أقرب شجرة في الطريق؟هز العجوز رأسه بأسف وأضاف: — ولا حتى الادعاء أو الكذب سينفعانك هنا؛ فالمدير لا يقبل إلا بالوثائق القانونية المصدقة. لا مجال للخداع أمامه.تنهد هاني بعمق، كأن ثقل العالم كله قد هبط فوق صدره من جديد: — رائع... حتى الوظائف أصبحت تتطلب ملكية عائليةعاد إلى البيت مثقلاً بالهموم، وجلس على الطاولة يقلّب الورقة التي تحوي شروط القبول في الوظيفة، وعيناه علقتا على بند: "أن يكون الموظف متزوجًا ويعول أسرة".دخلت مرام بهدوء، وضعت كوب الشاي الساخن أمامه، ثم وقفت تراقب الورقة بصمت دون أن تسأل، كأنها تقرأ أفكاره المبعثرة. وفجأة، دوى صوت صراخ لبنى الحاد والمكتوم من الغرفة المجاورة، فركضا معًا بهلع. فتح هاني الباب ليجد الصغيرة ملقاة على الأرض وهي تضغط على بطنها وتبكي من شدة الألم.هتف بصوت مرتجف ذاب فيه بروده المعتاد: — مرام! اتصلي بالإسعاف فورًا! ردّت بملامح مخطوفة وهي تبحث عن هاتفها بيدين مرتعشتين:— حسنًا! أنا أفعل ذلك!***في المستشفى، خرج الطبيب بوجه جاد وصارم، وقال لهما مفسرًا: — الطفلة تعاني من التهاب حاد في الزائدة الدودية وتحتاج إلى عملية جراحية طارئة... لكننا لا يمكننا بدء أي إجراء طبي قبل دفع الدفعة المالية الأولى في الخزينة.جلس هاني في الرواق، بين ضجيج الممرات وصمت عجزه القاتل، يمسك رأسه بين يديه ضاغطًا على شعره. اقتربت مرام وجلست بجانبه، وقالت بصوت خافت متهدج:— هاني...نظر إليها بعيون نصف ميتة وقال مستبقًا لومها:— ماذا؟ نعم، أنا أدري... أنا رجل فاشل لا يستطيع الاعتناء بنفسه حتى، والآن أفشل في حماية وإطعام طفلة صغيرة...قالت مرام بثباتٍ غريب وقوي جمد الدموع في عينيها: — احصل على تلك الوظيفة .نظر إليها مذهولاً:— كيف؟! وأنتِ تعرفين الشرط!نظرت في عينيه مباشرة بثقة وتابعت: — فلنوقّع عقد زواج الآن.ارتفع حاجباه بدهشة صاعقة ممزوجة بالارتباك، وخرجت منه عبثيته في أسوأ وقت ممكن: — هه! أنا لستُ يائسًا أو مجنونًا إلى هذه الدرجة لأتزوج امرأة مطرودة... وعاقر!صمتت مرام لثانية واحدة، ثم هوت بصفعة قوية على وجهه أفقدته توازنه وجعلت وجنته تحمرّ. وقالت بنبرة حادة كالشفرة:— ليس من أجلك أيها الوغد الأناني والمجنون... بل من أجل لبنى! سنوقّع العقد، تحصل على الوظيفة لتدفع ثمن العملية، ثم ينطلق بعدها كلٌ منا في طريقه.لم يكن لديه أي طاقة للجدال أو الرد، فزمجر بنفَسٍ مرهق وهو يمسح وجهه: — آآآخ... حسنًا، هيا بنا.ذهبا إلى المحكمة الملحقة بالمشفى ووقّعا عقد الزواج بإجراءات مستعجلة. لم يكن المشهد رومانسيًا على الإطلاق، بل كان أقرب إلى اتفاق هدنة عسكري بين قلبين محترقين.بعدها بساعة، دخل هاني مبنى الشركة من جديد، ومعه أوراقه، وعقد زواجه، وكلّ ما تبقى له من أمل في رمقه الأخير كان المدير رجلًا مقعدًا على كرسي متحرك، متجهم الوجه بشكل مخيف، يصرخ على المتقدّمين ويطرد أصحاب الشهادات العليا واحدًا تلو الآخر.جلس هاني في المقابل أمامه بدأ المدير فورًا بإلقاء سيلٍ من الانتقادات اللاذعة دون مقدمات: — سيرتك الذاتية فارغة وضعيفة! ملابسك الرثة لا توحي بأي ثقة! من الذي سمح لك بالوصول إلى مكتبي أصلاً؟!لكن فجأة، وفي تلك اللحظة المشحونة، رنّ هاتف هاني في جيبه. كانت مرام ردّ رغماً عن نظرات المدير النارية وقال بقلق:— نعم مرام؟جاء صوتها عبر السماعة مختنقاً بالبكاء: — هاني... حالة لبنى تدهورت كثيراً... الأطباء يقولون إن الزائدة وشيكة الانفجار... يجب أن تدفع للمشفى الآن وإلا ضاعت الطفلة!أغلق الهاتف بسرعة بيد ترتجف، فرفع نظره ليجد المدير المقعد يحدّق في ملامحه المخطوفة بعينين صقريتين، بعد أن سمع شذرات من المكالمة. سأله المدير فجأة بنبرة متبدلة:— هل لديك طفل يصارع في المستشفى؟تردّد هاني، وابتلع ريقه ثم قال بثبات وانكسار: — ليس تمامًا... لكنها ابنتي، وهي كل ما أملك الآن في هذا العالم.— وتحتاج إلى عملية جراحية عاجلة؟— نعم... الآن، وهي مسألة حياة أو موت.نظر إليه المدير طويلاً بصمت مرعب جعل عقارب الساعة تبدو كأنها تتوقف، ثم فاجأ هاني تماماً حين حرّك كرسيه الآلي وقال بصوت جهوري حازم:— هيا بنا... ننطلق إلى المستشفى فوراً!خرج هاني برفقة المدير من المكتب، ولم يكن يصدق ما يحدث حوله. المدير الذي كان قبل دقائق معدودة يصرخ في وجهه ويتعامل معه كمتطفل رث، ها هو الآن يرافقه إلى المستشفى بنفسه، دون أن يوضح له السبب الكامن وراء هذا التحول المفاجئ.ركبا السيارة، وكانت الطريق صامتة تمامًا، لا يقطع سكونها الثقيل سوى أزيز المحرك ونظرات المدير الحادة التي تلاحق الطريق أكثر مما تلاحق هاني المشتت.عند الوصول، دخلا المستشفى بخطوات متسارعة، وكان في الاستقبال الطبيب المناوب ينتظرهم وعلامات القلق تكسو وجهه وهو يحمل ملفًا طبيًا في يده. قال الطبيب فور رؤيتهم:— حالة الطفلة غير مستقرة أبدًا، ونحتاج إلى قرار سريع وفوري لإجراء العملية الجراحية الآن.تمتم هاني وعيناه تدوران في المكان: — لكن... المال... الدفعة الأولى... قاطع المدير الطبيب بحزم وجدية: — كم تحتاجون كدفعة أولى للبدء فورًا؟قال الطبيب بدهشة من لهجة الرجل الواثقة:— دفعة مقدمة لا تقل عن ثلاثة آلاف دولار لتغطية تكاليف الجراحة والعناية المركزة.فتح المدير حقيبته الجلدية بسكون، وأخرج دفتر شيكات وقلمًا فاخرًا، ووقع شيكاً بالمبلغ المذكور ثم مده للطبيب قائلاً:— خذوا ما تحتاجونه من مبالغ، وابدأوا الإجراءات فورًا دون تأخير ثانية واحدة.نظر إليه هاني بذهول صاعق، ولم يعرف ماذا يقول أو كيف يعبر عن امتنانه؛ فلم يكن يتوقع هذا التحول الدرامي في شخصية هذا الرجل المتجهم. أخذ الطبيب الشيك وقال ممتنًا:— سنبدأ الآن، ادعوا لها.جلس هاني في غرفة الانتظار يحدق بالأرضية اللامعة، ثم التفت ونظر إلى الرجل المقعد الجالس بجانبه على كرسيه الآلي، وسأله بنبرة هادئة ومحملة بالفضول: — لماذا فعلت هذا معي؟ أنت لا تعرفني حتى.أجابه المدير وعيناه معلقتان بالفراغ أمامه دون أن ينظر إليه:— لأنني كنت يوماً ما في مكانك تمامًا... كنت رجلًا مرفوضًا من المجتمع، بلا عائلة، بلا فرصة عمل، وبلا سند يستند إليه في نوائب الدهر... حتى جاء رجل شهم ومدّ لي يده لينقذني، وقال لي الكلمة التي غيرت حياتي: "إن الإنسان لا يُقاس بعدد من يخدمونه، بل بعدد من رفض أن يتخلى عنهم في محنتهم".سكت المدير للحظة ليلتقط أنفاسه، ثم أردف قائلاً: — أنا لا أوظف المتزوجين لأنني أظنهم أفضل مهنيًا من غيرهم... بل لأنهم أشخاص أجبرتهم الحياة على تحمل المسؤولية. والآن، أنت أثبتّ لي عمليًا أن المسؤولية الحقيقية ليست حبرًا على ورق العقود، بل هي نبضٌ في عمق القلب.أدار وجهه نحو هاني، وتابع بابتسامة خفيفة وقورة: — اعتبر نفسك موظفًا لدينا من هذه اللحظة... ستكون مدير قسم المساعدات الاجتماعية في الشركة.كاد هاني أن يضحك بصوت عالٍ من هول المفاجأة وغرابة الأقدار، لكنه لم يفعل؛ فقد كان التعب النفسي والجسدي أقوى من أي فرح مباغت، فاكتفى بابتسامة باهتة هزت كيانه.مرّت ساعات ثقيلة كأنها دهور، سادها الترقب والدعاء الصامت، ثم انفتح باب غرفة العمليات وخرج الطبيب وعلامات الارتياح تكسو وجهه، وقال بابتسامة مطمئنة: — أبشروا، لقد نجحت العملية بالكامل. الطفلة لبنى بخير وتتلقى الرعاية الآن.نهض هاني من مقعده، وشعر في تلك اللحظة الفريدة أن العالم كله قد توقف عن الدوران لثانية واحدة... ثم عاد ليدور من جديد بوجه آخر، ولكن هذه المرة، لم يكن هاني يدور فيه وحيدًا.عندما عاد هاني إلى المنزل، اتجه مباشرة نحو الصندوق. فتحه ليجد بداخله ظرفًا صغيرًا. هاني (باستهزاء): "هه، كاذبون... لا أموال، رغم أنني نجحت في المهمة الأخيرة."فتح الظرف بلامبالاة، لكنه توقف حين قرأ ما فيه:"كانت هذه المهام من أجل سبعة أيام، خُصصت لتغيير مصيرك، ولتُدرك أن الأوان لم يفت بعد. لازال بإمكانك أن تبدأ، وأن تصل. لقد صار لديك الآن زوجة، وابنة، ووظيفة. لقد تغيرت حياتك، يا هاني."حدق في الورقة لحظة، ثم ضحك ساخرًا: "هاااان... كل هذا الكلام التافه؟ على العموم، لم تدفعوا لي فلسًا. حقراء."ثم صمت قليلاً، وانفرجت شفتاه بابتسامة هادئة."نعم... لقد تغيرت حياتي.مرّت ستة أشهر كاملة منذ ذلك اليوم المشهود.كان الصباح مشمسًا ودافئاً، والنسيم العليل يداعب الوجوه بخفة. وقف هاني أمام مقر الشركة الشاهق، يرتدي بذلة أنيقة تناسب مقامه الجديد، يحمل بيده ملفًا مرتباً من التقارير والمبادرات، وعلى وجهه ترتسم ملامح رجل واثق يعرف جيدًا ما يفعل، وأين تقع خطواته.في الداخل، كان الموظفون يحيّونه باحترام وتقدير، وبعضهم يمازحه بابتسامة ودية. لقد أصبح مدير قسم المساعدات الاجتماعية فعلياً، ونجح في تأسيس مبادرة ضخمة لدعم ورعاية الأطفال المهجورة عائلاتهم، بدعم مالي ومعنوي كبير من المدير المقعد نفسه، الذي تبدلت أحواله وأصبح أكثر لطفًا وإنسانية منذ تلك الحادثة التي جمعتهما.في المساء، عاد هاني إلى منزله الدافئ. بمجرد أن فتح الباب بمفتاحه، استقبلته ضحكات صغيرة عذبة تملأ الأرجاء؛ كانت لبنى تركض في الشقة النظيفة بثوبها الوردي الجديد بفرح حقيقي، بينما تجلس مرام على الأريكة تقرأ كتابًا بهدوء، التفتت نحوه فور دخوله، واتسعت ابتسامتها الطمأنينة.قال هاني وهو يخلع معطفه: — لبنى، لا تركضي كثيرًا أيتها المشاغبة، واضاف سائلا العشاء جاهز! ؟ ركضت الصغيرة نحوه وتشبثت بخصره بقوة: — أين كنت يا عمو؟ لقد تأخرت علينا كثيراً اليوم!ردّ هاني بحنان دافئ وهو يربت على شعرها:— إنه العمل يا صغيرة... لكنني دائمًا أعود إليكما، أليس كذلك؟تجمعوا الثلاثة حول مائدة الطعام وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة وثقيلة، شعر هاني في أعماقه أن كلمة "عائلة" لم تعد غريبة على مسمعه، ولم تعد مجرد حبر على ورق عقد زواج اضطراري.نظرت مرام في عينيه بنظرة ممتنة وهم يتناولون الطعام، وقالت بنبرة هادئة: — هاني... هل تعلم؟ كل ما فعلناه في البداية ربما بدأ كتمثيلية مجردة لإنقاذ موقف... لكنني لا أظنه كذلك بعد الآن.ابتسم هاني ابتسامة حقيقية نابعة من قلبه، ثم التفت بنظره إلى لبنى وهي تأكل بسعادة، وقال لمرام: — ولا أنا أظنه كذلك يا مرام... ليس بعد الآن.رفع بصره ببطء نحو سقف الغرفة، وكأنه يخترق الحجب ليحدث والده الراحل الذي مات يائساً: "أبي... لقد تأخرتُ كثيراً في فهم هذه الحياة، لكنني وصلتُ في النهاية. لم أكن بطلًا خارقاً كما تمنيتُ يوماً... بل كنتُ فقط مجرد رجل بسيط، رفض في اللحظة الأخيرة أن ينهزم".ارتفع صوت ضحكة لبنى البريئة لتقطع حبل أفكاره، وفي تلك اللحظة بالذات، أدرك هاني أن العالم لم يعد بائسًا أو أسود كما كان يراه دائمًا؛ لقد نبتت الزهور أخيرًا في جوف الكهف.النهاية.....