شغف محرم - الفصل الثاني
شغف محرم - الفصل الثاني
في وقت انهيارنا مش بنقع بسبب عاصفة ولا دفعة حد قاصد يوجعنا بيها...بس شعورنا بالحاجة هي السبب. إحنا مش بنقع عشان إحنا ضعاف، بس جوعنا للمشاعر في وقت قلبنا كان فيه جاف خلانا نفتكر إن أي كلمة جميلة ممكن تكون الأمان اللي بنحلم بيه...الاحتياج لما بيعمي عينينا بيبقى هو الباب اللي بيدخل منه الخذلان.⸻بعد ما سكنت شغف في حضنه، استسلمت للنوم تاني، وإيدها لسه ماسكة في طرف كمه. سحب أيهم نفسه من بين كفوفها، واتنهد وهو شايفها نايمة والدموع على خدودها. لف لليلى اللي ماسكة دموعها، وعمر اللي واقف جنبها مذهول من اللي شافه، وهمس ليهم وهو بيتحرك عشان يلحق آخر شوية قوة باقية منه:_ خلو بالكم منها طول ما أنا بره... فاهمين؟ليلى، وهي شايفاه بيخرج بسرعة وفي الحالة دي:_ رايح فين يا أيهم؟بيمسك عمر إيدها قبل ما تخرج ورا أيهم، وقال لها بصوت هادي عشان يطمنها:_ سيبيه يا ليلى، هو شاف الويل في سنتين... سيبيه يريح أعصابه شوية.ليلى بخوف:_ عمر، روح وراه... أيهم مضغوط وخايفة ميتحملش كل ده. أنا خايفة عليه ليعمل في نفسه حاجة يا عمر، متروح وراه.غمض عمر عينه من سخافات زوجته، وقال وهو بيسحبها تقعد على الكرسي:_ يا حبيبتي، إيه اللي بتقوليه ده؟ تعالي بس اقعدي عشان متتعبيش... أيهم آه مضغوط وشايف الويل، بس مستحيل يموت كافر. اهدي بقى وبطلي جنان، الله يسترك، مش ناقصين.⸻ساق سيارته بسرعة هايلة، وكل الذكريات بتخبط في راسه زي الأعاصير... طار على الطريق لحد ما وصل لمنحدر جبلي.نزل من سيارته وضرب بابها لدرجة إن الصوت صدّى في الخلاء. وقف على حافة الجبل، والرياح الباردة بتضرب وشه بقسوة، زي ما يكون بتوبخه على صموده المزيف. نزل بعينه لنهاية التل عشان يلاقي المية بتضرب الصخور بهيجان، أضعف من هيجان قلبه. حس بالأرض بتلين تحته، وهنا... انهار الشاهين.هنا بس استسلم أيهم السلحدار لآهات مزقت أشلائه، ومبقاش فيه غير أنسال لحم داخله...ركع بركبته على الأرض وصرخ صرخة خلت الطيور تطير مفزوعة من مخابئها.صرخة فيها نشيج راجل شايف نفسه أسير لظلم صنعه القدر.انحنى بجسمه كله على الأرض في وضع السجود، وهو بيقبض بإيده على التراب والحصى، وصاح بوجع:_ يااااااااااارب! ليه المرة دي؟ مش هقدر أتحمل! المرة دي كبيرة عليا، أنا مش قاادر... ليه بيحصلي كل ده؟ ليه يا حبيبتي سبتي لمين؟أنا مش هقدر أعيش من غيرك، ليه تعملي فيا كده؟سبتيني لمين يداوي جروحي؟في اللحظة دي مكنش شاهين السلحدار... كان مجرد طفل ضاعت بوصلته في البحر، وحس إن النجاة أصعب من الغرق. صرخ بصوت أعلى:_ سبتيني لمين وهعيش إزاي؟ هعمل إيه من غيرك بعد ما علمتيني حبك؟ نسيتي تعلميني أعيش من غيرك؟ أرجوكي ساعديني...فضل يصرخ ويشتكي، ومفيش أي حد بيرد عليه غير الرياح، وهو على الأرض... اتفتح قدامه شريط الماضي عشان يوديه لبعييييد، وقت ما كان كل حاجة جميلة ومثالية زيهاا....(فلاش باك طوييييييل من 3 سنين)في الساعة الخامسة صباحًا.المكان هادي في كل أركان قصر السلحدار، إلا في جناحه الخاص، كان أيهم قاعد بأريحية على كرسي، وصوت الأغاني عالي جدًا جوه غرفته الخاصة...وهو مبتسم ابتسامة خبيثة مفهاش أي حياء، وقدامه بنت بتتمايل بخلخالها وشعرها الأسمر، بتميل عليه مرة وتشاور بالعصا على قلبه مرة. مع كل حركة من خصرها كان بيطير هو من سعادة مروعة، لحد ما بدأت تتمايل بخصرها لتحت، خلته يقوم من مكانه عشان يرفعها بين إيديه.وهو بيقول بأمر:_ كفاية كده، أنا خلاااص شبعت.بتضحك ياقوت بصوت عالي، أنثوي مغري، خلى حرارة جسده تزيد أكتر. رماها على السرير وهي بتقوله:_ أيهم، الوقت اتأخر ولازم أمشي، هاااااا...بيقرب منها وهو مغيب:_ وماله، ساعتين وتمشي.وبعد 3 ساعات، بيكون واقف أيهم قدام المراية بيظبط كرافتته بعد ما خد دش دافي يريح بيه أعصابه...نزل من على سلم القصر الرخامي بكل هيبته عشان يقعد على رأس السفرة. أول ما شافته زوجة أبوه سعاد، قالت بسعادة:_ صباح الخير يا أيهم، اتأخرت النهاردة في النوم.هز راسه:_ صباح النور، سعاد هانم...ليلى بتنزل من على السلم بسعادة:_ صباح الخير يا عائلتي الجميلة.بعدها بتبص لأيهم اللي قاعد مش عاطي لأي حد اهتمام:_ مش معقول! شاهين باشا بنفسه قاعد بيفطر معانا؟ مش معقول!أيهم ببرود:_ صباح الإزعاج._ أنا إزعاج؟ دانا روح البيت يا حبيبي، من غيري هتعيشوا في نكد وكآبة.أيهم ببرود:_ اقعدي افطري وانتي مخروسة، لاقوم أخرسك بطريقتي._ وعلى إيه يا سيدي؟ أنا ماشية. هسبقك أنا على الشغل عشان عندي عملاء مهمين النهارده. يلا سلام عليكم.سعاد باستغراب سألتها:_ مش هتفطري يا مصيبة؟_ لا يا ماما، مشغولة. هاجي على الغدا. خلي الخدم يعملوا طَقّة... دسمة، ماشي يا ست الكل، اتوصي.سعاد بغيظ:_ غوري يا آخرة صبري من وشي.بتخرج ليلى وهي بتبرطم بإزعاج. بعد خروجها رجع الجو هادي تاني، مفيش غير أصوات الملاعق وهي بتضرب في الأطباق...كان أيهم قاعد بيفطر بأرستقراطية فخمة، وفوزي السلحدار، والده، جنبه بيقرأ في الجرنال، وسعاد جنبهم بيأس من كتلتين البرود، الأب وابنه... أو زي ما هي بتسميهم: توأم الرزانة والتقل.حط فوزي الجرنال على الطاولة وبص لأيهم بنظرة فيها قرار مفيش تراجع فيه:_ أيهم، فيه موضوع لازم تعرفه...أيهم مكلفش نفسه يرفع راسه:_ خير يا فوزي بيه؟_ فاكر صديقي الضبعي، باشا الله يرحمه، اللي توفى من شهر؟أيهم ببرود:_ أيوه، ماله الأخ؟ إنت مش سافرت تحضر جنازته وخلصنا؟ لا وكمان قبل ما يموت سافرت ليه مخصوص.تنهد فوزي من غطرسة ابنه:_ بنته شغف جاية تعيش هنا في القصر من الأسبوع الجاي.وقف أيهم عن الأكل وهو بيحاول ميبينش تغير ملامحه الباردة:_ أمممم... بنت الضبعي؟ وحضرتك قررت القرار ده بناءً على إيه يا فوزي باشا؟فوزي ببرود:_ هو أنا لازم لما أتخذ قرارات في بيتي، آخد رأي حد ولا إيه يا أيهم بيه؟بصوت حاد غاضب نسبيًا:_ قصر السلحدار مش ملجأ للأشكال دي يا فوزي باشا، وياريت تنقي تصرفاتك عشان الإعلام والصحافة مستنيين لمجموعة السلحدار غلطة.رد فوزي بحدة:_ الضبعي صاحبي الوحيد يا أيهم... الراجل مات وساب بنته الوحيدة أمانة عندي...حط أيهم الشوكة على السفرة بعنف:_ وأنا مالي ومال كل ده؟ قصر السلحدار ليه نظام محدد، ووجود بنت غريبة وسطنا هيقيد حريتي وهيغير طبيعة حياتي، وأنا مش موافق. وغير كده، إزاي بنت محترمة تسكن في مكان غريب مع ناس متعرفهمش وتعيش وسطهم كده عادي؟فوزي بحدة أكبر:_ وإنت مش عاوزها تيجي ليه؟ مش واثق في نفسك ولا في أخوك ولا السنيورة اللي داير معاها؟ هتنكد عليك؟ قول إن ده السبب الرئيسي، هو الوسخة اللي إنت ماشي معاها...أيهم، بعد ما سمع إهانته، قام بحدة من مكانه وهو بيزعق:_ أنا مسمحلكش تجيب سيرتي على لسانك، ولا حتى ياقوت! دي أشرف منك أنت شخصيًا يا سلحدار.فوزي وسعاد بيقوموا هما كمان من على السفرة، بس قبل ما تتكلم سعاد، بيصرخ فوزي:_ أشرف مين يا ابن الكلب؟ إنت بتشبهنا بالزبالة اللي إنت عايش معاها في الحرام وساكتين عشان الفضايح وسمعتي اللي هتمرمطها بوساختك.أيهم فكه بيتشنج من الغضب، وبيقبض على إيده، ومرة واحدة بيمسك المزهرية اللي على السفرة وبيرميها عشان تتكسر ميت حتة. بتصرخ سعاد من الخوف، وأيهم بيصرخ في والده:_ أنا واثق في نفسي كويس جدًا، وعندي ثقة إن زين مش هيدايقها، بس يا ترى اللي إنت هتجيبها تعيش وسطينا دي هتكون مستعملة كام مرة قبلنا؟بتشهق سعاد، وقبل ما بيصرخ فوزي، بتقول سعاد عشان تهديهم:_ اهدى يا أيهم يا حبيبي. بابا مش قصده اللي إنت بتقوله ده. غلط، البنت يتيمة وملهاش حد، وخصوصًا إن مرات أبوها تخلت عنها عشان تجوز اللي بتحبه. دي أمانة يا ابني، وقذف للمحصنات، خلي بالك اللي إنت قلته ده غلط.بيصرخ فيها أيهم:_ مرات أبوها مش طيقاها ورمتها! هتيجي تعيش معانا إحنا بناءً على إيه؟فوزي بحدة:_ بناءً على إنها وصية صاحبي، وكده كده موافقتك مش هتمنع مجيئها. فخلي رفضك لنفسك واطلع شوف شغلك يلا.بيستنشق أيهم الهواء بغضب وهو مغمض عينه، فبتقرب منه سعاد وبتمسك دراعه وهي بتقوله بحنان:_ أيهم حبيبي، عشان خاطري اهدى وهدي أعصابك. الموضوع مش مستاهل. وروح شغلك دلوقتي، ولما ترجع نتكلم سوا.بيبصلها أيهم بغضب:_ إنتي موافقة على الهطل ده؟ابتسمت ليه:_ أي حاجة يقولها الحج تبقى سيف على رقبتي يا واد.صرخ زين، ابنها وأخو ليلى من الأم والأب، وهو نازل من على السلم بعد ما كان متابع المشهد من الأول، بس قرر يكون متفرج:_ أيوه باه يا حجوح، والله وطلعت جامد آخر حاجة...بص ليه أيهم بغضب ومشي بخطوات واثقة للخارج، وهو بيقفل زرار بدلته وبيلبس نظارته من غير ما يهتم بيهم. ركب عربيته وشاور للسواق يتحرك.بعد شوي...وصل الشركة ونزل بعد ما فتح له السواق، والمساعد كان مستنيه على الباب. مشي لجوه والمساعد وراه بيجاري خطواته السريعة وهو بيملي عليه جدوله.وصل مكتبه تحت تحيات الموظفين. دخل لجوه عشان يقف في مكتبه الفخم قدام الشباك المطل على نيل القاهرة. شاور للمساعد بإيده لمكان، فهم المساعد ومشي ينفذ أمره. رجع بكاس وزجاجة، مد إيده بالكاس وسأل:_ تامر، في حاجة تانية يا باشا؟شاور له إنه يخرج.فضل أيهم ساعات يبص للنيل واليخوت الصغيرة والناس اللي بتتحرك تحت زي النمل، لحد ما دخل عليه عمر ووراه طارق اللي تكلم:_ يا مساء الخير على شاهين الجراح...ملفش ليهم أيهم، فقعدوا الاتنين وهما بيخلعوا بدلهم. رما طارق نفسه على الكنبة، وعمر قعد قصاده، وهو بيبص على أيهم اللي بيشرب في أول النهار:_ إيه ده يا أيهم؟ إنت بتشرب بدري بدري النهارده؟بيلف له أيهم:_ مش فايقلك يا عمر، حل عن نفوخ أهلي.عمر بغيظ:_ وشك مقلوب ليه على الصبح؟ ده إحنا لسه بنقول يا حلو صبح يحلو طَل، مش كده يا طروق؟طارق بيحط إيده على عينه:_ اهدوا وسيبوني أنام شوية...عمر بيحط رجل على رجل وبيسأله:_ إنت مش بتفتكر النوم غير هنا؟ هي المدام هرياااك إزعاج في البيت ولا إيه؟ الله يبشرك بالخير، دانا داخل على جواز...طارق بيبصله بعيون حمرا من قلة النوم:_ الناس بترجع البيت عشان تريح من الشغل، وأنا برجع أغير حفاضات وأسهر على التوأم لحد ما خلاص فاض بيا.أيهم بيمشي يقعد قدامهم وهو بيقول بغيظ:_ وإيه اللي جابرك على القرف ده؟ طلقها وريح دماغك وهات للعيال شغالة.طارق بينتفض من مكانه:_ أيهم، فكرت إنك تكون أب مسؤول عن بيت وأسرة مش بسهولة دي؟ وبنت الناس معملتش حاجة غلط عشان أطلقها وأرميها هي وعيالي. إمتى هتفهم بقى إنك لما تكون أب وزوج، بتحب أولادك ومراتك؟ حاجة جميلة ومش بالسوء اللي إنت معتقده...أيهم بيسند ضهره على الكرسي:_ خلاص قعدها من التعليم. هي هتعمل إيه بالشهادات والقرف؟ أخرتها المطبخ...عمر بيبص ليه ولطارق اللي قاعد ومعالم الضيق باينة على وشه من أيهم:_ البنت بتحتاج تحس إن ليها مكان وحياة غير البيت وتربية الأولاد، وده كمان حقها.بيغمض أيهم عينه وبيقلهم بغضب:_ كلهم زي بعض، عاملين زي حفاضات الأطفال: استعمال مرة واحدة، ولو ركنتها هتنتن.عمر بيضرب كف بكف، وطارق بيقله بضحك:_ يخرب بيت ألفاظك يا شاهين! بجد إنت محتاج واحدة تربيك...عمر بيشاركه:_ شكل المزموزيل مدلعتهوش كويس امبارح، واخد بااالك إنت.بينفخ أيهم منهم وبيتكلم بغضب:_ أففف... إيه؟ هتعملوا حفلة عليا؟ أخلص يا عمر، هات اللي عندك في الشغل.طارق بيقوم من مكانه عشان يخرج:_ أمشي أنا أشوف شغلي، بس قبل ما أنسى... فوزي بيه طلب حراسة أكتر على القصر. هو حصل حاجة عندكم؟أيهم بيبصله بصدمة:_ حراسة زيادة؟ مقلكش السبب؟_ لا، لسه. لما أعرف هبلغك، بس حبيت أعرفك مبدئيًا.بيخرج طارق، وعمر بيبص لأيهم اللي حواجبه اتعقدت بغضب:_ الشغل مش هيطير. حصل إيه؟ ومالك كده؟ مش عوايدك. ياقوت لما بتكون عندك بتيجي تاني يوم فرش الفرفيش...مبيردش أيهم، فمرة واحدة عمر بيقول بصراخ:_ ليلى حصلها حاجة؟بيغمض أيهم عينه وبيتنهد تنهيدة كلها غضب:_ ليلى مين وزفت مين على دماغك؟ ما هي هناك مرزوعه في مكتبها._ أمال فيه إيه؟ قلبي وقف! فكرت حصلها حاجة عشان كده فوزي باشا زود الحراسة.أيهم فرد دراعه على أيادي الكرسي وسند راسه لورا وهو بيحاول يهدى:_ المحروس سلحدار الباشا قرر يقلب القصر ملجأ مغتربات.عمر باستغراب:_ يعني إيه؟ مش فاهم، مغتربات لمين؟بينفخ أيهم:_ يعني هيجيب بنت صاحبه تعيش معانا... بنت الضبعي، أكيد إنت عارفه. كان شريك في الشركة لفترة قبل ما يموت.عمر بقه بيتفتح بصدمة وحاجبه اترفع لا إراديًا منه. أيهم بص له لقاه بالمنظر ده، فنفخ بغيظ وقال:_ إيه يا زفت؟ تنحت كده ليه؟عمر بيبلع ريقه وبيسأله:_ إنت قصدك بنت الضبعي مين؟ هو ملوش غير بنت واحدة اسمها شغف، اللي عايشة في لوس أنجلوس؟أيهم باستغراب:_ إنت تعرفها منين دي؟عمر بيضحك ضحكة عالية لدرجة إن بطنه بتوجعه:_ بجد مش قادر! دانت أمك دعتلك في ليلة القدر يا ابن المحظوظة! أنا لو مكانك أبوس إيد ورأس ورجل أبوك... على النعمة اللي داخلة عليكم.بيقوم من مكانه وبيرجع يقف قدام النيل تاني وهو بيقله بغيظ:_ مالك فرحان أوي ليه كده؟ إنت تعرفها منين دي؟_ سمعت عنها كتير، بذات إن الضبعي في مجاله التوب، وهي بنته الوحيدة. كان بيتفاخر بيها في كل مكان بسبب إنجازاتها في البحوث العلمية، وبيقولوا عليها نابغة...أيهم بيطلع عليه سيجارة:_ نابغة؟ عيلة عندها 25 سنة نابغة إزاي معلش؟ دي تلاقيها لسه بتتعلم الرضاعة من أمها._ يخرب بيت لسانك يا شاهين! إيه ده؟ نقي ملافظك بقى، دانت حتى من عيلة نبيلة...بيبصله أيهم بغيظ:_ بقولك إيه؟ أنا مش ناقص وجع دماغ. والبنت دي لو دخلت القصر وعملت حركات المراهقين، والله لطردها._ استهدى بالله يا جراح، مش كده... أنا كنت بقرأ عنها في المجلات.انتفض أيهم وبصله بحدة:_ إنت سايب الشغل وقاعد تقرالي في مجلات إباحية للأندر إيدج؟_ يخرب بيتك! هتوديني في داهية! دي مجلات شغل عالمية.أيهم بيرمي السيجارة:_ إنت أصلًا مالك شاغل دماغك بيها كده؟ تحب أعرف ليلى باللي سمعته ده؟وسعت عين عمر أول ما سمع اسم خطيبته، وصرخ برجاء:_ لا لا، كله إلا ليلى! كده هتغدر بصاحبك عشان بديك تقرير مفصل للي إنت داخل عليه..._ مش مهتم أعرف حاجة عن عيلة زيها.هز عمر راسه بيأس وهو بيتمتم بصوت حاول ميوصلوش لأيهم:_ بكرة نشوف يا شاهين، وعلى رأي المثل: بكرة نقف على الحيطة ونسمع الزيطة.عين أيهم الزرقة غارت بغضب أكتر، لدرجة إنه كان خلاص هيثور وهو بيصرخ في عمر:_ إنت بتستعبط يا عمر؟ القصر مملكتي اللي بريح فيها بعد القرف، ويا عالم الزفتة اللي جاية دي عاملة إزاي، ولا هتيجي كاملة مضحوك عليها من عيل ابن كلب في بلاد بره...سند عمر على المكتب:_ وإنت مالك ومال كل ده؟ حياتها وهي حرة فيها. أنا سمعت إنها عاملة قلق في جامعتها بسبب جمالها وذكائها، بس مهما كان أكيد مش هتكون بالبشاعة دي. إنت ناسي إن ضبعي باشا صعيدي ومش هيسمح ليها بالتجاوزات، بذات إن الإعلام أكيد مكنش سايبه. وغير كده يا أيهم، إنت مش متعصب عشان السبب ده، إنت خايف ياقوت تزعل لو بنت غريبة جت عاشت معاكم.أيهم بيرجع على مكتبه وهو بيقول بأمر:_ عمر، اطلع بره شوف شغلك عشان أنا مش ناقص عته.عمر بص له بحزن وقلة حيلة، بس قبل ما يخرج قاله:_ تعرف يا شاهين؟ إنت خايف البنت دي تكسر روتين حياتك البشع. خايف روحها تغلب برودك. إنت حابس نفسك في قصر وشغل وبدلة ومكتب، وناسي إنك لسه شاب وعندك قلب وليك احتياجات. نسيت إزاي تعيش يا أيهم.بص له أيهم بنظرة زي السهم مفهاش أي مشاعر، وقلبه اللي ماليه الجفاء والبرود قال:_ القلب هو اللي بيغلط الإنسان يا عمر، وأنا مستحيل أقع في الغلط. الشغل اللي قدامك ده يخلص قبل الساعة 4 عشان عندنا اجتماع مع الموردين، ومش عاوز أسمع سيرة البنت دي تاني.عمر بيعدل بدلته وهو بيتحرك للباب:_ ماشي يا شاهين، بس بكرة لما تيجي وتشوفها خليك فاكر كلام المعلم عمر...مسك أيهم استند الأقلام على المكتب وقال وهو بيرفعه:_ اطلع بره بدل ما وربي آخد فيك مأبد._ طالع يا خويه، أنا غلطان لك يا شاهين عصرك.خرج عمر سايب أيهم في دوامة من الأفكار اللي بتسحبه بعيد عن حياته، بس اسمها تردد على مسامعه زي حفيف الريح، همس له بنبرة غريبة على قلبه.في الجانب الثاني من العالم، في لوس أنجلوس، الشمس كانت بتدخل من النوافذ الزجاجية بنعومة. فتحت شغف الضبعي عينيها على هدير عصافير الحديقة اللي بتنقر بمناقيرها على الشباك الكبير، زي ما يكون بتصبح عليها.فتحت عينيها المتكرملة، أزعجتها الشمس لدرجة إنها فركتهم بأناملها الرقيقة، وشعرها الغجري اللي بلون الجمر المنثور على وسادتها وحواليها، كأنه بيغطيها.مكنتش محتاجة لمراية عشان تتأكد من جمالها، فطرتها كانت هي السائدة على واقعها.قامت من سريرها وبخطوات متمايلة فتحت الشباك على مصراعيه. بصت للسماء الصافية ومسكت طبق من الحبوب ونثرت الثمار على حافة شباكها. اتجمعت الطيور حواليها كأنها أميرة. ضحكت برقة وهي شايفة الطيور بتقف على راسها وكتفها:_ صباح النور، هدهودي... كلوا براحتكم، مفيش حد بيجري وراكم.حست بلمسات ناعمة في قدمها. لفت ليها عشان تلاقي قطتها مستنية دورها. شالتها بحب وهي بتدخل لجوه، سايبة العصافير...بعد شوية نزلت شغف من على سلم القصر الهادي كالعادة. دخلت المطبخ لقت مربيتها واقفة، فقالت:_ صباح الخير، ماما كوثر.لفت ليها كوثر بملامح حزينة وهي بتهمس:_ شغف، صحيتي؟ صباح النور يا حبيبتي... كنت لسه هطلع أصحيكي.قعدت شغف عشان تاكل فطارها على الرخامة وهي بتسألها:_ نمتي كويس يا ماما كوثر؟ شكلك كنتي سهرانة، واضح على ملامحك التعب.بتقعد جنبها وبتبصلها بعيون مليها الوجع:_ هيجيلي نوم إزاي وشغف الشغوفة هتسيبني خلاص؟بتتنهد شغف وبتتغير ملامحها المشرقة لملامح حزينة على كل اللي عاشته، فبتكمل كوثر:_ أنا كلمت عمك فوزي السلحدار خلاص، وهو قال هيخلص الترتيبات كلها. بس خليكي مستعدة يا بنتي، لأن الطيارة كمان يومين.قربت شغف من راسها عشان تبوسها بحب:_ متشيليش همي يا دادة... كفاية عليكي إنك شلتيني 25 سنة وكنتي لي الأم. أنا بجد مدينة ليكي بالكتير، بشكرك على كل لحظة حنينة عشتها معاكي...بكت كوثر ورفعت إيديها عشان تمسح على شعرها بحنان:_ متقوليش كده يا عيوني. إنتي بنتي، مش طفلة ربيتها. كان على عيني أسيبك، بس إنتي عارفة الظروف... الأم اللي بتربي يا حبيبتي، مش اللي بتخلف._ صح يا ماما كوثر، وإنتي في نظري الاتنين._ أهم حاجة يا بنتي تكوني قوية دايمًا زي ما علمتك، ومتسمحيش لحد يزعلك مهما كان. خليكي دايمًا زي نباتاتك وورودك، انشري الحب للكل، ومتستنيش حد يسقيكي. حبي نفسك واعرفي إنك الأجمل والأحسن، واعرفي دايمًا إنك جوه قلبي وفبالي...ابتسمت شغف ليها وهزت راسها بطاعة، والدموع رافضة تنزل من عينيها. كملت فطارها بهدوء، بعدها طلعت لسطح القصر.فتحت الباب الزجاجي ودخلت، وقفت في النص وهي بتبص لكل ركن بنته، وكل ذكرى عاشتها مع كل نبتة.شجر العنب والفراولة والتوت البري وزهور الياسمين وورد الجوري... بدأ شريط حياتها يتعاد كله قدام عينيها، زي ما يكون فيلم حزين.افتكرت جفاء أيامها في بيت بارد المشاعر، مع أب مجرد اسم في شهادة ميلادها، وكل اللي على لسانه صفقاته وأعماله وتفاخره بإنجازها، كأنها سلعة هو اشتراها بمبلغ عالي.ورغم حزنها عليه بعد وفاته، إلا إن سؤال واحد بس هو اللي جه في بالها:ليه محبهاش؟ليه سابها مع زوجة أب مشافتش منها غير الحقد والسواد؟ست خدت حقها الميراثي، ودلوقتي بتطردها منه.سندت شغف راسها على حافة السور وهمست وهي بتبص للسماء:_ كل إنسان ليه نصيب من اسمه، وأنا النهارده عرفت ليه اسمي شغف... عشان أعيش طول عمري أدور على شغف حقيقي يعوضني... يا ترى يا شغف، العالم اللي رايحة له هيكون سجن جديد لشغفك، ولا فيه روح هتحس بيا؟***في مكان تاني، وسط هدوء الليل، كان أيهم بينزل من عربيته لابس بنطلون أسود مريح وفوقه جاكيت جلد أسود. مشي شوية عشان يلاقي شلة متجمعة وحواليهم عربيات سبورت. أول ما شافوه هللوا بمرح وهما بيلفوا حواليه. فتح إيديه وهو بيقول بمرح:_ يلا بينااا!بيصرخ الشباب والبنات اللي حواليه بسعادة. بيقرب منه واحد منهم اسمه مروان، وهو بيرمي له قفازات سمراء وخوذة بنفس اللون:_ هغلبك يا شاهين المرة دي.بيضحك أيهم وهو بيلبس قفازاته:_ تغلبني مين يا قلب أمك؟ ريح واستريح على جنب عشان إنت لو ركبت نفاثة وأنا حمار مش هتشوف برضه غير قفاي.مروان بيصرخ وهو بيركب عربيته السبورت الزرقا:_ هنشوف يا شاهين! لو كسبتك هتسيبلي عربيتك الجديدة، إيه رأيك؟أيهم ببرود:_ إنت فاكرني جمعية رسالة بس؟ وماله، ولو أنا بقى اللي كسبتك، وده أكيد، هتروح بيتك بالكلوت... ها؟ لسه قلبك جايبك؟_ اتفقنا يا شاهين.بيركب أيهم ورا الدركسيون، وبتقف بنت قدامهم رافعة علم أحمر، وأول ما بتنزل العلم بينطلقوا الاتنين بسرعة هايلة وسط الشوارع.أيهم مكنش مهتم بالفوز أو الخسارة قد ما هو سعيد، فبالنسبة له السباق الحر هو أمتع حاجة بيعملها. بيفضلوا ساعات يجروا بين العربيات بسرعات هايلة ومتهورة، وفي النهاية بيقرر أيهم يهدي السرعة شوية، لأنه كده كده فايز.هدى السرعة فعلًا، بس وهو بيهدي مخدش باله من راجل بيعدي الطريق بتهور. أول ما شافه أيهم، فرمل بكل قوته، وفجأة...بيصدم الراجل، وبيخبط أيهم في سور الطريق، ودماغه بتترنح لقدام بعد ما بيتفتح الإيرباج يحميه من الصدمة.بعد شوية بيتلموا الناس على العربية، والإسعاف والشرطة. بيخرج أيهم من العربية بدوخة، وهو شايف الناس متكومة على الراجل اللي مات في نص الطريق.بيتصدم أيهم في الأول، بس بكل برود بيقرب من الجثة والناس وهو بيقول:_ ليه منقلتوش على المستشفى؟ واقفين تتفرجوا؟ ابعدوا كده.بيشاور للإسعاف اللي وصلت، بس مفيش فايدة. الراجل فارق الحياة.الظابط بيقرب من أيهم اللي لسه واقف ببرود وبيقول:_ إنت كنت ماشي على سرعة 240...أيهم ببرود وهو حاطط إيده في جيبه:_ احسب صح يا حضرة الضابط، كانت سرعة 250.الظابط بانفعال:_ وبتقولها في وشي؟ إنت موجه لك تهمة القتل عن طريق الخطأ الناجمة عن القيادة بسرعة مجنونة تحت سياق سباق غير مشروع. إيه هي أقاويلك؟بيبتسم أيهم ببرود:_ أقاويلي؟ أولًا، إنت رغاي وصدعتني وأنا مش ناقص وجع دماغ. ثانيًا... هو اللي طلع قدامي مصيره يموت. اترحم عليه بدل ما إنت واقف بترغي.بيصرخ الظابط:_ إنت أكيد اتجننت! إزاي تتكلم معايا كده؟ يا عسكري، تعالى خده على البوكس!هنا أيهم بيبص للكلبشات وبيضحك ضحكة خفيفة في الأول، بعدها بصوت عالي خلى الكل يبص له، مفكرينه مجنون:_ إنت بتضحك على إيه يا ابني؟ إنت اتهبلت ولا إيه؟بيسكت أيهم مرة واحدة:_ حلو البوكس، عجبني. ماشي يا باشا، هاجي معاك، بس وحياة بدلتك الميري، لو جيت معاك أوعى تندم. هااا... فكر كويس قبل ما تحرك من مكاني، عشان بمكالمة مني هتقعد تلف حوالين نفسك وهتتمنى إنك ما شوفتش وشي النهارده._ إنت بتهددني يا ابني؟ هتكون ابن مين يعني عشان أخاف منك؟ القانون بيمشي على الكل.بيبتسم أيهم وبيطلع من جيبه الكارنيه وبيرفعه قدام الظابط.الظابط أول ما بيشوف الكارنيه بيتلجلج، وبسرعة بيشاور للعسكري يبعد:_ نزل... نزل إيدك عن الباشا السلحدار.بيبص لأيهم وهو بيقول:_ أأنا... آسف يا باشا. اللي يعرفك ميجهلكش، والله مكنت أعرف ... بستسمح حضرتك، إنت عارف إني بأدي شغلي وبأمن الطرق والمحاضر...بيشاور له أيهم وهو بيلف وشه عشان يرجع لعربيته:_ لم الليلة يا حضرة الضابط، وأدي تعويض محترم على حسابي لأهل المتوفي، واعتذاري ليهم.بيؤدي الضابط التحية وهو بيقول:_ حاضر يا باشا، تحت أمرك.بيركب أيهم عربيته وهو غضبان لأنه خسر السباق، ومش هيخلي مروان يرجع بالكلوت.(بجد إيه الجنان ده؟ الراجل مات وهو غضبان على السباق اللي خسره... يخرب بيتك! معلش، كلمتين محشورين.)بعد ساعة وقف أيهم قدام النيل ونزل من عربيته اللي فانوسها اتكسر، بص عليه:_ فدايا خمسمية زيك.وهو واقف سمع صوت أنثوي بينادي عليه بدلال:_ يويوو... حياااتي! جيت أخيرًا؟بيلف أيهم ليها بسعادة، أول ما سمع صوتها نسي غضبه. فتح دراعه الاتنين، فجريت عليه ياقوت وتشعلقت في رقبته وهي بتبوس خدوده، ضمها هو بقوة:_ وحشتيني يا مهلّبية._ إنت كمان كتيير اشتقتلك! وينك من صباح الله عني؟بيبعدها عنه بس لسه محاوط خصرها:_ مكنتش فاضي ليكي يا ختي.بتلف إيدها حوالين رقبته:_ كتير زعلاني أنا... ليه ما تبقى وقت لي؟بيمشي بيها أيهم لجوه وهو لسه محاوطها.دخل جوه الكازينو اللي هو عامله مخصوص لسهراته مع شلته. أول ما دخل الكل هلل وقرب منه مروان، وهو ماسك كاسين بيقدم واحد لأيهم وهو سعيد بنصره:_ ها يا جراح، خسرت! فين اتفاقنا؟بيبتسم أيهم وبيطلع المفتاح من جيبه، وقبل ما يرميه في وشه بيرفع إيده، وبيدي مروان بالقلم، لدرجة إن القلم بيغطي على صوت الأغاني العالي.ومروان بيقع على الأرض. بيصدم الكل. مروان بيحط إيده على مكان الضربة وهو بيصرخ:_ بتمد إيدك عليا يا شاااهين؟أيهم مش بيهتم، وبيرمي له مفتاح العربية وهو بيقول:_ وأمد رجلي كمان لو عايز، طول ما إنت تحت أمري وطوعي... القلم ده بس عشان تعرف تتكلم حلو مع شاهين الجراح. مبروك عليك زبالتي، ويبقى ادهن مرهم مكان القلم عشان علم.بيمشي أيهم عشان يقعد في نص القعدة، وياقوت جنبه بتحاول تبان مش خايفة من غضبه الحالي.بعد شوية بيمسك أيهم إيديها بعنف، وبيسحبها لجناحه في المكان. بيدخل بيها وهي بتقوله بخوف من عيونه الغضبانة:_ يويو، اهدى. إنت ليه مضايق كده؟ أنا ياقوت.أيهم بيبصلها بغضب:_ عارف إنك زفت. غوري يلا، شوفي هتروقيني إزاي عشان أنا مش شايف قدامي.بتمد إيديها ليه بكاس:_ اهدى إنت بس وخد دي مني، وأنا هروقلك دماغك.وفعلًا، من نظرة واحدة من عيونها بيغوص معاها أيهم لعالم تاني، عالم مفيهوش سقف ولا خطوط حمراء، عالم ملهوش قوانين ولا مشاعر، لحظات طايشة مفيش ليها أي مبرر غير الفساد العقلي والبعد الديني...يتبع في الفصل الثالث...