شغف محرم - الفصل الثالث
شغف محرم - الفصل الثالث
بعد يومين، كان الجو هادي في قصر السلحدار، وفي قاعة الطعام قعد أيهم في مواجهة فوزي باشا. أيهم بيشرب قهوته وعينيه مش مهتمة بأي حاجة غير الساعة.قطع السكوت المرعب ده ليلى، قربت من فوزي وباست خده بحب، بعدها باست سعاد والدتها:_ صباحوو على سيد وسيدة السلحدار.سعاد بحب:_ صباح النور يا لولي، اقعدي افطري. فين زين منزلش لحد دلوقتي ليه؟قعدت ليلى جنب أيهم اللي بصلها بغضب بيحذرها متكلمهوش:_ زين نزل للجامعة بدري يا ماما. إنتِ مش كنتِ صاحية بدري ولا ملحقتهوش؟_ لا يا بنتي... بس غريبة ينزل من غير ما يرخم عليا.وقبل ما تكمل كلامها، بيدخل زين من بوابة القصر وهو بيصرخ:_ أنا سامع حد بيجيب في سيرتي...بيقف قدامهم، وبيقول بعد ما بيشوف وش أيهم وفوزي بيه غضبانين:_ أعوذ بالله! مش هتفكوا حواجبكم المقلوبة دي بقى؟ ده حتى أمي الله يرحمها ويمسيها بالخير، كل اللي كان على لسانها أيهم وأبوك، بوزهم شبرين، لما خلاص قرفت! الله!سعاد بغيظ:_ الله يرحمني يا حيوان! بتفول عليا وأنا لسه عايشة!بيقعد جنبها:_ الرحمة يا أماه، تجوز على الحي والميت، إلا إذا كنتِ إنتِ يا ست الحسن والجمال تكرهين أن يدعو لكي ولدك الصغير... وتذكري قول الله تعالى: «وولد صالح يدعو له».بيبصله أيهم ببرود وهو بينزل الفنجال على السفرة:_ إنت جي منين يا دكتور؟ ليلى بتقول إنك نزلت الجامعة...تنحنح زين:_ يا مصيبتي السودة! يا خرابي! شاهين السلحدار بيكلمني أنا...ضحكت ليلى ووقفت عشان تتعارك معاه زي عادتهم:_ إنت مش قلتلي رايح الجامعة؟ وأنا اللي صدقتك وقلت خلاص هتلتزم بمحاضراتك! كنت فين يا حيوان؟مسك زين شعرها:_ أنا حيوان يا صعلوقة يا بايرة؟ يا اللي هتحنطي جنب أبوكي!_ أنا بايرة يا قيحة؟ يا أبو الصايعة، يا ضايع، يا اللي مش لاقي اللي يلمك! على الأقل أنا اتخطبت، وكمان على ذوقي...زين بتهكم:_ اسم الله على ذوق، اسم الله على ذوق يا أختي.ضرب أيهم على السفرة عشان يوقفهم:_ ليلى، اقعدي كملي فطارك. عندك 25 سنة ولسه هبلة، مش ناوية تعقلي؟ خلصي يلا عشان ورانا شغل. وإنت يا أخ، حسابي معاك بعدين عشان أشوف إيه آخر مرقعتك.ابتسمت ليلى وحضنت أيهم من ظهره:_ أيهوم حبيبي، الأرصاد الجوية بتقول إن الدنيا ربيع والجو بديع، قفلي على كل المواضيع._ أيوه، عايزة إيه؟ أخلصي._ يعني حبيب أخته هيديها أجازة عشان هي مفرهده ومش ناوية تروح الشغل النهارده.بتنفخ أمها بغضب:_ لا لا، إنتِ هتقعدي هنا ليه؟ عشان توجعيلي راسي؟ روحي الشغل مع أخوكي، كفاية عليا زين.زين بيمثل الحزن:_ بقى كده يا ست الحسن؟ ابنك آخر عنقودك وفلذة كبدك ووجع دماغ؟ دانا حتى مسميني ملاك الدفعة.ليلى بغيظ:_ قصدك هلاك الدفعة...تابع زين بتمثيل:_ مكنش العشم! أمي هي اللي تعمل فيا كل ده؟ اللهم لا تحاسبنا بما فعل السفهاء منا... حسبي الله ونعم الوكيل.سعاد بغضب:_ بتدعي عليا يا حيوان؟ أقول إيه؟ ما إنت عفانة البطن، لازم تبقى مجرم وقليل التربية.بيحط زين إيده على كتف أمه:_ ربي عيالك يا ست، ربي عيالك بعيد عني...بيتنهد فوزي بغضب ومبيقدرش يتحمل الإزعاج ده أكتر:_ زين، أنا قاعد مش عاوز أسمع صوتك. وإنت يا كبير، الشغل يتأجل... النهارده في حاجة أهم. طيارة شغف هتوصل الساعة واحدة الظهر، وإنت اللي هتروح تستقبلها من المطار. خد ليلى معاك، لأنهم بنات زي بعض...ليلى بصت لباباها باستغراب:_ شغف مين دي يا بابا؟ هو إحنا لينا حد من قرايبنا اسمها شغف؟وقبل ما حد يرد، قال زين بولهان:_ شغف؟ آه، من شغف وحلاوة شغف وطعامة شغف! حتة بغاشة بسمسم! أبوكي قرر يعيشها معانا هنا. أحسن قرار اتخذته من ساعة ما شفتك والله يا حج!بيبص أيهم لفوزي بغضب وهو بيشاور على زين:_ شايف أهو اللي قلقان منه حصل قبل ما تنورنا الست زفتة! كل ده ولسه مشفهاش، وياااه بقى لو طلعت بنت بتاع حوارات... ألبس بقى.تجاهله فوزي ولف لليلى:_ دي بنت صاحبي الوحيد الله يرحمه، جاية تعيش معانا من النهارده. من اللحظة دي هي أختك وصاحبتك وأمانة في رقبتنا كلنا. عاوزك تجهزي ليها غرفة وتستقبليها باللي يليق ببنت الضبعي.هنا قام أيهم وزق كرسيه لورا بعنف، وعدل بدلته:_ أنا قلت رأيي. قصر السلحدار مش ملجأ، مش ليها أم تعيش معاها.سعاد بحزن عشان تهدي أيهم:_ دي مش أمها يا ابني، دي مرات أبوها، وخدت ورثها وكل ممتلكاتها، وكمان بتطردها بره.بياخد أيهم نفس طويل عشان يخرج فيه كل الغضب:_ أنا مش سواق خصوصي لمراهقة مش عارفة راسها من رجليها.زين بنهم:_ دانا اللي مراهق!أيهم بيصرخ:_ اخرس يا خول بدل ما أجي أقطعهولك!عيون فوزي اشتعلت بالغضب، ومسك عصاته عشان يضرب بيها الأرض وزعق بكل ضيق:_ أيهم! صوتك! إياك يعلى عليا! أنا مش بخيرك، ده أمر. الكلمة اللي أقولها هتتنفذ، يعني هتتنفذ. إنت فاهم؟ هتروح تجيبها إنت وليلى لحد القصر، بدل ما أقلب عليك، وإنت عارف قلبتي مش هتعجبك.أيهم بيقف قدامه وظهره مفرود وحاطط إيده في جيبه، وببرود قاله:_ إيه؟ هتعمل إيه يا فوزي باشا؟ أنا حابب أعرف.فوزي بصله بنفس العيون المشتعلة. الاتنين وقفوا قصاد بعض زي لقاء الجبابرة، وكل اللي بينهم حرب تحدي وكبرياء رجلين متشابهين في الطباع، وكل واحد فيهم بيقول: أنا سيد المكان.قاطعهم زين:_ لمؤاخذة يعني، مش عاوز أقطع عليكم لحظات الغضب دي، بس ينفع أروح معاهم؟بص ليه فوزي وشاور بعصاته:_ إنت تخرس خالص! البنت أكبر منك أصلًا، وإياك يا زين تضايقها أو حتى تبصلها ساعتها هفقعلك عنيك، ومش هيهمني إنك ابني.رجع فوزي بنظره لأيهم اللي محركش جفن واحد، وقرب منه عشان يهمس في ودنه بكلام محدش سمعه غير أيهم:_ اتلم يا ابن السلحدار، واسمع كلامي تكسب، وإلا هقلب الداخلية عليك وهخليك نملة متسواش حاجة. مفكرني نايم على وداني ومش عارف اللي إنت بتعمله؟ وأبسطهم سباق امبارح.مبيهتزش أيهم ولا بيهتم أصلًا، بس في قرارة نفسه بيحب التحدي ده جدًا، فبيضحك ضحكة عالية طويلة، لدرجة إن سعاد وليلى خافوا جدًا من منظره.بيسود صمت رهيب بعد ضحكته، ومفيش غير نظرات الأب والابن وفك أيهم المشدود اللي كأنه هيتمزق.قربت سعاد منهم ومسكت دراع أيهم العريض:_ أيهم حبيبي، متتعصبش، نفسم كده غلط عليك. معلش، روح هاتها المرة دي، بس حرام. البنت أكيد خايفة ومرعوبة وهي ملهاش حد. عشان خاطري أنا، هااا يا هيما؟توسلات سعاد وكلامها المريح خلاه يهدا. بص ليها وشاف قد إيه هي عظيمة. فهو مش ابنها، لكن دايمًا بتحاول تحطه هو فوق الجميع.بيتنهد، وبيرجع بنظره لفوزي اللي لسه بيبص عليه. بيبادله النظرة وبيقول بابتسامة جانبية:_ وماله، نتسلى شوية، مفيهاش حاجة. موافق يا فوزي باشا، بس متندمش على قرارك ده بعدين.بيلف وشه وبيشاور لليلى وهو خارج من باب القصر:_ جهزي نفسك وتعالي. مش عاوز أتأخر أكتر من كده._ حاضر يا أبيه، بس براحة. خلينا نوريها إننا عيلة لطيفة لتخاف منا.أيهم ببرود، وقف على باب القصر:_ عيلة لطيفة؟ ده عند أمك يا حلوة. أنا رايح أأدي واجب. أخلصي يلااا.خرج أيهم وليلى وراه، سايبين زين قاعد بسعادة غريبة لاحظتها سعاد. فقربت وقعدت جنبه:_ واد يا زيزو...زين بخوف:_ الدخلة دي أنا عارفها. نعم يا ست الكل؟ معيش أي معلومات أدهالك._ حبيب ماما الصغنن، أكيد معاه صورة لشغف.ابتسم زين:_ ياااه يا حجة! دانا منمتش الليل بسبب الصورة دي. عاوزة متناميش إنتي كمان؟ ثواااني.خرج تلفونه وقلب فيه شوية، بعدها قربه من سعاد وهو بيقول:_ يخربيت الحلاوة! حاجة تجزع النفس! دانا مش بشوف حريم، دانتو غُفر جنبها.بصت سعاد ليها وعنيها لمعت بسعادة من جمالها، وكل اللي حست بيه إن الفتنة دي هتقلب عالم السلحدار. بعدها بصت لزين بغضب:_ اتلم يا واد بقى! دي هتكون مرات أخوك._ مرات مين؟ ليه مش مراتي أنا؟فوزي بهدوء وبرود غريب، كأنه مكنش في حالة هيجان من شوية:_ زين، احترم نفسك بدل ما أعلمك الأدب من جديد.زين بينفخ وهو بيقوم يطلع لغرفته ويبرطم:_ والله البت دي صعبانة عليا، هتتبلى بعيلة فقر زيكم، عيلة تغم القلب. مش عارف أنا إيه اللي زرعني وسطكم.بيهز فوزي راسه بيأس:_ عيل مشفتش بربع جنيه تربية. ربيتي أيهم ونسيتي تربي ابنك يا سعاد.بتضحك سعاد:_ أيهم ده حتة من قلبي، بس متقساش إنت عليه. أيهم قلبه أبيض، بس محتاج اللي يحتويه ويدله. متكونش إنت ضلاله يا حج.زين من الدور الثاني بعد ما طلع على السلم بغضب:_ أيوه أيوه، وأنا ابن البطة العرجة! ماشي يا سعاد هانم، لما أنزلك هشوف شغلي معاكي.⸻بعد ساعة كانت صالة الوصول في مطار القاهرة مليانة بالحركة، بس شاهين كان واقف زي التمثال، لابس نظارته الشمسية، وعينيه رايحة جاية زي الرادار، وإيديه في جيوبه، وجنبه ليلى ماسكة يافطة بتلوح بيها مكتوب عليها: «شغف الضبعي».نفخ أيهم بضيق وهو بيبص في الساعة:_ كل ده تأخير من السنيورة؟ أنا عندي اجتماع مجلس إدارة بعد ساعة، مش فاضي للقرف ده... عيلة مراهقة! أنا شاهين أقف أستناها كل ده؟_ اهدى يا أيهم، وترتني بجزمتك اللي عمالة تخبط بيها في الأرض. اصبر بس، الطيارة لسه لاندينج، وبعدين مراهقة إيه؟ دي عندها 25 سنة، يعني آنسة ناضجة._ بلا آنسة بلا زفت، أنا عاوز أغور.رفع أيهم نظارته على راسه بغضب، وقبل ما يثور، فجأة... سكتت الأصوات في ودانه، وكان الكوكب وقف عن الدوران حوالين الشمس.من بين الحشود ظهرت هي زي النور، بتمشي بابتسامة هادية ناعمة فيها رقة وأنوثة أبعد من توقعاته وأحلامه، لابسة فستان أبيض لركبتها بيبرز رشاقة خصرها المنحوت، مع بشرة مرمرية مخمورة بنمش بحبات السكر البني، وشال على كتفها مغزول من الصوف بحبات الكرز، وفي حضنها قطة هادية بين أحضان صديقتها...بس اللي خطف أنفاسه هو شعرها الغجري المنصهر، اللي كان بيتلاعب بيه الهواء يمين وشمال زي اللهب.وقفت شغف تبص للوجوه، لحد ما شافت يافطة عليها اسمها. ابتسمت أكتر واتجهت ناحيتهم.وقفت قدام أيهم، بصت لطوله اللي غطاها وظهر فرق الطول الشاسع، ورغم هيبته وضخامته متهزتش ولا حست بالرعب. ابتسمت ليهم وقالت برقة:_ أنا شغف... شغف الضبعي.هنا سكتت الحياة.الكلمات انتهت، سابت للعيون مجال للبوح بكل حاجة. هي بعيونها المكرملة اللي بتسأل: مين إنت؟ وليه نظرتك هزتني كده؟ إنت سجيني الجديد ولا الروح اللي هتنقذني من العدم؟أما أيهم فكان بيبص ليها بضربات قلب خرجت منه زي قرع الطبول، بعينيه المحيطية إطلالت أمواج الخوف والذهول... والجمال. وفي نبرتها اللي لمست أوتار شهواته وعينين بتسأل:إنتِ مين؟ دي عنيكي معقولة؟ هل جمالك هيقلب حياتي جحيم، ولا إنتِ الخلاص من طغيان حياتي؟نظراتهم طالت جدًا، تصادموا زي الرمل والموج، وتشابكوا زي حرب هادية اختفت فيها ليلى والناس والمطار، ومبقاش غير زرقة عينيه وعسلي عينيها.أما ليلى، اللي كانت مصدومة ومبهورة منها، قطعت برزخ العيون وهي بتقول بفرح:_ أهلًا وسهلًا بيكي يا روحي، حمد لله على سلامتك... إنتِ شغف؟بتبتسم ليها شغف:_ أيوه أنا. أهلًا بيكي._ أنا ليلى السلحدار. مش ممكن! إنتي إزاي كده؟ أجمل مما تخيلت بكتير!شغف بود:_ شكرًا ليكي. مكنتش أعرف إن عمو فوزي عنده بنت جميلة زيك.ليلى بمزاح:_ أخص على الحج! بقى ميجبش سيرتي للحلاوة دي؟ بس بجد، نورتِ مصر يا حبيبتي. آه صح، ده أخويا الكبير، أيهم السلحدار.كل ده وأيهم لسه تايه فيها، ومن عينيها لثغرها لبشرتها وغمازاتها وابتسامتها، مكنش عارف يبدأ منين، لحد ما ملفت ليه وقالت بابتسامة:_ أهلًا بحضرتك.أيهم بعد عينيه بعد ما حس إن طاقته انتهت وحرارته ارتفعت. لف وشه عنها وقال وهو بيمشي:_ خلصنا سلامات فاضية. يلا نغور من هنا عشان الطريق زحمة ومش عايز أضيع وقت أكتر من كده.شغف بصت لملامحه فعرفت إنه سليط اللسان، فقالت بهدوء:_ أنا آسفة لو كنت أخرتك على مواعيدك، بس زي ما إنت شايف، مش أنا اللي كنت سايقة الطيارة.بيبص لها ببرود:_ خلصنا يا مدام، مش شرفتي بسلامة؟ يلا يا ليلى، هاتي شنط الأستاذة وتعالوا ورايا.صدمت شغف وليلى وبصوا لبعض، وبعدها بصت لظهره العريض وقالت:_ شكل كده أخوكي عنده عمى تفرقة بين المدامات والآنسات.بتعض ليلى على سنانها بغيظ من أخوها:_ سيبك منه. هو كده عيل عقدي بيدب وخلاص، عامل زي عشماوي بالظبط.ضحكت شغف برقة خلت قلب أيهم اللي ماشي قدامهم بجمود يرتعش:_ مع إني مش عارفة يعني إيه عشماوي، بس أكيد تشبيه وحش.ليلى بتشبك إيديها في دراع شغف:_ ده كده كده يا أختي. متقلقيش، هتتعودي وهتبقي بصي زي الفول، كأنك بنت بلد عايشة في حواري مصر. متقلقيش.شغف بهدوء:_ معنديش مشكلة أتعلم كل حاجة في مصر._ اتفقنا، وأنا معاكي. قطتك دي حلوة جدًا.بترفع شغف قطتها وبتقول بسعادة:_ آه، اسمها كاتي. أنا سبت أغلب حاجاتي هناك، بس مش هقدر أسيب كاتي._ ولا يهمك، فداكي. متقلقيش، بابا فوزي كل اللي محتاجاه هيجيبهولك.بتهز شغف راسها وهي حاسة براحة مع ليلى، بعدها بتبص لأيهم اللي ماشي قدامهم وبتتنهد، فهي دايمًا إحساسها صح، وهي حاسة دلوقت إنها هتتعب مع الراجل ده.........قبل ساعات كانت شغف بتستعد للرحيل... بتودع كل ركن في البيت بعينيها، اللي رغم السنين ملقتش غير البرود، ما شافتش غير الحزن والذكريات الفارغة.وفي غرفتها كانت واقفة قدام المراية بتستعد، والدادة كوثر وراها بتقفل آخر شنطة والدموع مش مفارقة عنيها.قربت منها شغف ومسكت إيديها بحنان:_ كفاية عياط يا ماما كوثر، والله قلبي بيتقطع عشان هسيبك. أنا مش عارفة من غيرك هعمل إيه... إنتِ كنتِ عيوني اللي بشوف بيها الدنيا.بصت ليها كوثر نظرة أمومة بتختصر 25 سنة من الرعاية والحب:_ يا ضنايا، أنا مش خليفة من الغربة... أنا خايفة عليكي إنتِ من قسوة القلوب. العيلة اللي إنتِ رايحة ليها دي كبيرة، والله أعلم هيكونوا عاملين إزاي... وإنتِ يا بنتي زي الفراشة، أقل نسمة هوا هتكسر جناحك._ صدقيني أنا مش بالضعف ده. أنا هكون كويسة وقوية عشان خاطرك. متقلقيش عليا._ خلي بالك من نفسك يا شغف الشغوفة، ومتخليش حد يكسر لمعة عيونك.حضنتها شغف:_ أنا مديونة ليكي بحياتي... شكرًا لأنك كنتي بتسهري وقت تعبي. شكرًا إنك سمعتي أوجاعي وداويتيها وقت ما كنت وحيدة وسط أهلي... شكرًا ليكي على كل الذكريات الحلوة اللي عشتها معاكي تحت سقف القصر ده.ضمتها كوثر واستنشقت ريحة الياسمين اللي بتفوح منها زي الفواحة:_ اشكريني لما نتقابل تاني... أكيد هاجي وهشوفك تاني يا بنتي. أنا مش هنساكي أبدًا، وهدعي ليكي في كل صلاة إن ربنا يسخر ليكي قلوب الناس زي ما سخر قلبي ليكي.بتبعد عنها شغف:_ هتوحشيني يا ماما كوثر. خلي بالك على صحتك._ وإنتِ يا نور عيوني هتوحشيني أكتر... يلا انطلقي لمستقبلك، وسيبي كل الأحزان في الغرفة دي، كأنك هتتولدي أول ما تخرجي منها. في رعاية الله يا بنتي.ابتسمت شغف وهي شايلة قطتها وخارجة من باب الغرفة. لفت لكوثر اللي واقفة بتراقبها في لحظة وداع. ابتسمت ليها شغف بحنان وخرجت للمجهول.بعد خروجها، راقبتها كوثر وهي بتركب والخدم بيساعدوها في شيل الشنط، لحد ما مشيت من أنظارها. وبإيد مرتعشة مدت إيدها عشان تخرج تلفون من جيبها، وبأصابعها المرتعشة كتبت رسالة لرقم غير مسجل:_ شغف تحركت دلوقتي خلاص، راجعة مصر... اطمني، خلال ساعات هتكون في قصر السلحدار زي ما خططنا.داست على زر إرسال، وأول ما شافت إن الرسالة اتقرت، قفلت التلفون ورجعته لجيبها، وهي بتكمل ترتيب الغرفة وهي بتهمس:_ سامحيني يا بنتي... ربنا يهون عليكي الطريق والأيام، ويزرع في قلبك الحب.يتبع في الفصل الرابع....
