روايه شاطئك حين يفيض البحر | مجرد لقاء
روايه شاطئك حين يفيض البحر | مجرد لقاء
في احد المطاعم الراقية كانت تجلس مع صديقتها التي قامت بدعوتها لتناول الغداء بهذا المطعم على حسابها ، نظرت حولها بهدوء ترى المطعم ممتلئ بزبائنه من الطبقة المخملية قبل أن تقع عينيها على طاولة تبدو كغداء عمل و قد بدى أحد الرجال متوتراً بشكل يحاول إخفائه و هو يستأذن لإجراء مكالمة و سمعته يخبر مساعدته بتوتر:"مازن مش هيقدر يجي ... عايز مترجم يكون قاعد معانا ... أنا الصينية بتاعتي على قدي""مش هنقدر نلاقي حد بالوقت ده"ابتعدت عينيها عنهم عندما قالت لها صديقتها:"بتتفرجي على ايه مفيش داعي تبيني انك مبهورة إني جبتك مكان زي ده عمرك ما كنتي هتدخليه لولا فلوسي""نعم؟! ... انتي جيباني اتزليني ولا ايه""لأ بس ببين الفروقات بينا يا قلبي""يرحم امك لما كانت تديك مصروفك مرة بالسنة ... كملي مع الفروقات يا عيني"نهضت تلملم كتبها و حقيبتها تتحرك صوب إحدى الطاولات و التي كانت نفسها التي تراقبها لتقول بهدوء:"مسا الخير ... ممكن اتكلم معاكي يا آنسة؟!"أشارت بحديثها للمساعدة الشخصية بينما الرجل فكان ينظر لها باهتمام و هو يتأمل ملامحها يرى عيون بندقية مدموج لونهما بالعسلي و الاخضر و شعرها ذو لون القهوة معقود بضفيرة رخوة ترتاح على كتفها و ملابسها تعبر عن ذوق مميز رغم أنها ليست فاخرة ، أشار لمساعدته لتذهب لها لتقترب منها المساعدة قائلة بتردد:"اتفضلي عايزة إيه مني""سمعتكم بتقولو عايزين مترجم و تقريباً عايزينه بيفهم بالصينية كويس ... أنا بدرس ترجمة ... و انا ممتازة بالصينية و الايطاليه و الإنكليزية ... ممكن اساعدكم"نظرت لها بتردد ثم استدارت صوب مديرها تقول لها:"هستأذن فارس بيه الاول"أومأت لها تنتظرها جانباً بينما هي فهمست بما أخبرتها به لمديرها لينظر للفتاة قائلاً:"ماشي يا سالي ... خليها تيجي"أشارت لها لتقترب تعرفهم بنفسها باللغة الصينية بلهجة متمرسة:"مساء الخير يا سادة ... اعرفكم بنفسي ... ورد مروان ... سأكون المترجمة لكم اليوم"جلست بالمنتصف بين الفريقين و بدأ الإجتماع و كان فارس مبهور بمهارتها و أسلوبها المنمق ، بعد ساعتين غادر الوفد و وقف فارس يقول بهدوء:"شكراً لمساعدتك ... لولاكي كنت هخسر اهم تعاقد فتاريخ شركتي ... أنا مستعد اديكي أي حاجة شكر ليكي على مساعدتك"ابتسمت بهدوء تقول:"العفو يا بيه ... معملتش حاجة يا دوبي كنت بوضح وجهات النظر بينكم ... مش عايزة أي مقابل أنا عملت الحاجة اللي بحبها بس"وضع كفه بجيب بنطاله يقول باحترام:"بس انا مصر اشكرك بطريقة مناسبة ... انتي لسه طالبة قولتي مش كده""أيوة لسه قدامي سنتين على التخرج"فكر قليلاً يتذكر ما سمعه من صديقتها قبل قليل بعد أن بقيت تراقب مساعدتها لهم و قد تعمدت اهانتها لكن ورد تجاهلتها ، ليقول بتردد:"ينفع اتكفل بمصاريف دراستك كاملة ... و ليكي شغل مضمون في الشركة بتاعتي ... تقبلي؟!"نظرت له بصدمة لتقول بلهفة و هي تحرك رأسها نفياً:"لا لا لا ... مصاريف ايه و شغل إيه ... والله ما عملت حاجة لكل ده ... أنا استأذن منكم "هربت من أمامهم بسرعة بينما بقي هو يتابع أثرها بدهشة من رفضها و هروبهاــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبعد عامين و نصفوقفت بروب تخرجها و هي تبتسم بسعادة و فخر تتصور مع زملائها قبل أن تنتبه إلى من ساندها مادياً و معنوياً طوال السنتين الماضيتين ، لم يستسلم و بقي مصراً على شكرها بطريقته و مع ضغط عائلتها التي كانت بأمس الحاجة إلى تخفيف مصاريف دراستها و لضمان عمل لها ، لذا وافقت على عرضه بشرط أن تعمل معه في الشركة بعد دوامها و ايام العطل و بهذا اتفقا ، رفعت قبعة تخرجها تلوح له بها لينتبه للنقش على أعلاها و قد كان شعار شركته ليضحك من تصرفها ثم اقترب ليبارك لها و عندما أصبح أمامها وجدها تقول بمرح يحيطه امتنان:"و أخيراً جه أهم حد ذكرته باهداء مشروع التخرج""مبارك يا ورد ... و شكراً عشان الإهداء فاجئتيني بصراحة"ابتسمت بلطف تقول:"لولاك من بعد ربنا مكنتش واقفة هنا و أنا ضامنة مستقبلي بالترجمة ... مش هوفيك شكر والله""انتي ياللي مش مقدرة مهارتك و شطارتك بالمجال ده و أنا اللي لازم اشكرك انك قبلتي الفرصة دي عشان شركتي تكسب حد بشطارتك ... ع كل حال ... سيبينا من مين لازم يشكر التاني و خدي هدية التخرج"ناولها باقة ورد جميلة و منظمة بشكل ملفت كان قد أحضرها للتو أحد حراسه ليقول و هو يعطيها لها:"الورد للورد ... كنت واقف استنى عشان توصل صح المفروض إني اجيبها بنفسي بس كنت هتأخر و هيفوتني الإهداء"ضمت الباقة بإعجاب شديد تقول بامتنان:"ميرسي بجد ... مكنش له لزوم والله""هنبدا من تاني فقرة الشكر و الامتنان ولا ايه"ضحكت قبل أن تعود تتمايز الباقة بإعجاب شديد ليقول بهدوء:"هسيبك تكملي احتفال مع صحباتك ... مستنيكي بكرا عشان عندنا إجتماع مهم""مش هتأخر إن شاء الله ... و شكراً على كل حاجة عملتها"تمايز عينيها بشغف يقول بتوتر و هو يحاول السيطرة على مشاعره:"عن اذنك"ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــفي اليوم التالي وصلت للشركة حيث تعمل و هي ترتدي فستان بسيط و عملي كما اعتادت ، دخلت قسم يحوي ست مكاتب متوزعة يفصل بينها حوائط زجاجية للانعزال عن الضجيج و التركيز على الترجمة، إذ يقتصر عمل هذه الشركة على التعاقدات مع الدول الأخرى و العمل بها و نادراً ما يتم التعاقد مع شركة محلية ، جلست خلف مكتبها تبدأ عملها بشغف معتاد وصل بعدها بنصف ساعة ليقوم بجولته المعتادة لتفقد وصول كل الموظفين ، مر من أمام مكتب قسم الترجمة ليلمحها تجلس و هي تراجع أحد الأوراق بعد أن قامت بطباعتها ليقول و هو يطرق الباب:"صباح الورد""صباح النور ... اتفضل يا فارس بيه"ردوا المترجمين الستة و هي معهم ليقول بحماسه المعتاد:"خلصتو شغلكم ولا إيه يا شباب؟!""عقود و فاكسات الشركة الإيطالية بقت جاهزة يا بيه"رد أكبر المترجمين سناً و قد كان شاب في بداية الثلاثينات ليقول له فارس و هو يلقي نظرة على الأوراق:"هايل يا محمد ... و انت يا رامي أخبار الروسيات إيه معاك""هو في زي الروسيات و جمال الروسيات يا صاحبي"رد شاب بسن فارس بنهاية العشرينات و قد كان أحد أصدقائه ليقول له فارس بجدية:"بتكلم بجد عملت ايه باللقاء مع الوفد الروسي""متقلقش وقعنا العقود و هيسافر فريق المهندسين عشان يباشرو خلال أسبوع التنفيذ بروسيا""ممتاز ... و انت يا رائد""الحمدلله الشركة البريطانية راضية عن آخر مشروع و التواصل مستمر و في تخطيط لمشروع تاني"أومأ باستحسان يراقب نجاح فريقه، لم يختر مترجمين فقط بل جعلهم يديرون علاقاته مع كل دولة يجيدون لغتها و ينسجمون مع وفدها القادم ، و تقريباً كل مترجم منهم يتولى التواصل مع شركة كمدير علاقات عامة بنفسه ، و أكبر نجاحاته و أكثر علاقاته نجاحاً كانت مع الشركة الصينية حيث كان يعشق الأبنية الصينيةسواء كانت تقليدية أو متطورة و حديثة خاصةً أنه كان يزور الصين بكثرة و الفضل الأكبر بعد توفيق الله له هو تلك الموظفة الأصغر في شركته و التي كان لقاؤه بها صدفة ، و الآن هي أهم مترجم لديه و ذلك بمهارتها بالصينية و اندماجها مع الوفد الذي يرسل لهم كل بضعة أشهر ، أقترب منها يقول بحماس:"الصين اخبارها ايه يا حضرة الخريجة"ضحكت على جملته تقول بمرح:"عايزين ينزلو مصر كمان فترة عشان يحتفلو بمناسبة تخرجي و يشوفو آخر تصميماتك الهندسية""إيه رأيك تاخدي نص أسهم الشركة يا ورد ده انتي اللي مخلية الصينيين يعجبهم شغلنا"نظرت له تقول بجدية:"أنا عملت ايه؟! ... قولتلك أنا بس بوضحلهم افكارك و احلامك ... و مش بعمل حاجة غير اني بشرحلهم اللي فهمته من تصميماتك ... و بالمناسبة أنا هاخد مقابل بدل الشغل ده ... لازم تصمملي بيتي الخاص و ع حسابك متنساش"أنهت كلامها بمرح ليقول بهدوء:"من عيوني و اعملك قصر ع حسابي كمان ... نسقي معاهم و قوليلي هينزلو امتى" "حاضر"ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبعد عامينمر على اول مرة رآها بها ، أربعة أعوام ، لا يفوت يوم إلا و قد منا عينيه برؤيتها ، أربعة أعوام و هي لا تعي ما تفعل به عينيها ، لا يعلم إن كانت تتغابى عمداً ام أنها حقاً لا تعلم ما تعيث بقلبه خراباً ، حاول تسكين ألمه بأنه مجرد انبهار أو اعجاب ، لكن يوماً بعد يوم يواصل الغرق أكثر ، حاول التلميح لها كثيراً لكنها تتظاهر بالغباء في كل مرة و الآن ، يشعر كأن السماء انطبقت على صدره و هو يراها تجلس مع شاب في أحد المقاهي التي اعتادوا ارتيادها لاجتماعات العمل ، تتحدث معه براحة و بسمة ، و إن ظننتم أنه سينسحب و يتركها لما يريحها ، فلا فهو ليس بكرم الأخلاق هذا ، لذا دخل يتجه لتلك الطاولة و هو يحاول السيطرة على غضبه ، وقف أمام الطاولة يقول ببرود:"بتعملي إيه هنا يا ورد؟!"رفعت عينيها له بصدمة و ذهول سواء من وجوده أو كلماته ، أهكذا يبدأ أحدهم حديث؟! حمحمت قبل أن تقول بهدوء:"فارس بيه؟! ... اتفضل ... اعرفك على الباشمترجم طارق السيوفي ... بعثته الشركة الصينية عشان نتفق بعد ما اعتذروا عن قدومهم ... طارق بعرفك البشمهندس فارس الألفي ... مديري"نهض الشاب يمد يده بابتسامة لطيفة يقول:"غني عن التعريف طبعاً ... اتشرفت بمعرفتك يا بيه"صافحه و هو يشد على يده بغيظ بدفنه داخل صدره قائلاً:"الشرف ليا ... عن اذنك بس شكل ورد ناسية أنه عندنا غداء عمل كمان شوية"نظرت له ببسمة بلهاء تقول:"فعلاً نسيت أن عندنا شغل ... عن اذنك يا طارق اشوفك بعدين"أشار لها بعينيه نحو الطاولة التي تجلس فوقها سالي مساعدته و هو يقول بسخرية:"و هتفتكري الشغل ازاي و انتي بتدردشي مع جميل الملامح ده""قصدك ايه""انتو لسه بتتكلمو و الناس جاية"قاطعت حديثهما سالي لتقول ورد ببرود:"آه بنتكلم ... انتي اتاكدي من المطعم و قائمة الطعام عشان مش تكسفينا قدام الأجانب"مسح وجهه بيأس من لسانها بينما سالي رمقتها بقرف ثم اتجهت للنادل تؤكد قائمة الطعام التي طلبوهاــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــأوصلها معه للشركة بعدما عادا لتنزل من سيارته تغلق الباب بقوة و هي تعلم أن هذه الحركة تغيظه ، و بعد أن صدح صوت إغلاق الباب سمعت صراخه عليها و هو يقول:"اخر عمايلك دي هتتسبب برفدك يا باشمترجمة""انت الخسران يا هندسة''ردت ببرودها المستفز ليلحقها يسير أمامها و هو يقول بمكر:"عشان خفة الدم دي يا ورد خديلك إجازة اليومين دول و مش هتطلعي بسفرة الصين الجاية ... و خصم من مرتبك"نظرت له بغيظ تخبره ببرود مصطنع:"و ماله اهو اقعد يومين خفاف ... بس خد بالك خسارتك ببعدي عنك""بس يا مغرورة امشي من هنا قال خسارة قال ... هريح دماغي والله""طب لو اتشقلبت يا فارس منا طالعة معاك بالسفرية الجاية اياكش تخسر التعاقد و تقع المصايب فوق دماغك ... غرور الهندسة"قلب عينيه بسخرية بينما لحقها يدخل الشركة يفكر بأن ربما عليه التشجع و تحويل هذه الصداقة لعلاقة جادة و أن يعترف لها بمشاعره ، لكن هناك ما يمنعه و يزال متردداً و يحتاج لأن يتأكد من مشاعرها قبل ان يفسد كل شيء
