رواية "آسر" | 1: "لا شيء يستحق الأنتباه"
رواية "آسر" | 1: "لا شيء يستحق الأنتباه"
Hanaa✨.___
آسر:
لم أفهم يومًا لماذا يصرّ بعض المعلمين على جعل أبسط الأشياء تبدو معقدة إلى هذا الحد.
تأملت المسألة المكتوبة على اللوح، ثم نظرت إلى الساعة المعلقة فوق الباب. لم تمر سوى عشر دقائق منذ بداية الحصة، ومع ذلك شعرت بأنني أمضيت نصف يومي هنا.
كان الأستاذ يقف أمام اللوح، يشرح المسألة للمرة الثانية، فيما راحت أعين الطلاب تتنقل بين الأرقام ودفاترهم، بحثًا عن حل يبدو أنه اختبأ منهم في مكان ما بين السطور.
أما أنا، فقد كنت قد انتهيت من حلها قبل أن يكمل الأستاذ كتابة المعطيات.
أسندت ذقني إلى كفي، وأخذت أراقب ما يحدث بملل.
"حسنًا، من يريد أن يحاول حل المسألة؟"
ساد الصمت.
يا لها من مفاجأة.
تجول بصر الأستاذ بين المقاعد، حتى استقر على أحد الطلاب في الصف الأول.
"أنت، تفضل."
نهض الفتى ببطء، واتجه نحو اللوح. أخذ الطباشير، ثم وقف أمام المسألة طويلًا، كأنه ينتظر منها أن ترشده إلى الإجابة بنفسها.
راقبته وأنا أدير قلمي بين أصابعي.
كتب سطرًا، ثم توقف. محا ما كتبه، وأعاد المحاولة، قبل أن يلتفت إلى الأستاذ طالبًا المساعدة بنظرة بائسة.
أعاد الأستاذ شرح إحدى الخطوات، ثم سمح له بالعودة إلى مقعده.
لم يكد الفتى يجلس حتى استدعى الأستاذ طالبًا آخر.
ثم ثالثًا.
وبعده رابعًا.
بدأت أتساءل إن كان ينوي استدعاء الصف بأكمله قبل أن يقتنع بأن المسألة لا تحتاج إلى كل هذا العناء.
مررت يدي في شعري، وألقيت نظرة أخرى على الساعة.
تحرك عقرب الدقائق قليلًا.
أخيرًا، حدث شيء يستحق الاحتفال.
على الأقل، لم أكن مضطرًا إلى الوقوف هناك وشرح أمر واضح للجميع، أو هكذا يفترض.
أعدت بصري إلى اللوح، ثم إلى الطلاب الذين أخذوا يتبادلون الإجابات همسًا. كان أحدهم يكتب بسرعة، والآخر يمحو ما كتب، وثالث يحدق في دفتر زميله محاولًا الاستفادة من جهده دون أن يضطر إلى بذل أي جهد خاص به.
أمر مألوف.
في الواقع، كانت مراقبة الناس أكثر تسلية من المشاركة معهم في معظم الأوقات. لكل شخص طريقته الخاصة في التعامل مع الأشياء؛ منهم من يبالغ في التفكير، ومنهم من يتصرف قبل أن يفكر أصلًا، ومنهم من ينتظر أن يقوم الآخرون بكل شيء نيابة عنه.
ولسبب لا أفهمه، يجتمع هؤلاء جميعًا في صف واحد، ثم يتوقعون مني أن أجد في الأمر ما يستحق الحماس.
تنهدت، وأخذت أعبث بغطاء قلمي.
ثم وقعت عيناي عليها.
إيلارا.
كانت تجلس قرب النافذة، في الصف الذي يسبقني بصفين، وقد انحنت قليلًا فوق دفترها. تساقطت خصلات شعرها الأحمر على جانبي وجهها، بينما كانت تحاول إبعاد إحداها خلف أذنها دون أن تتوقف عن الكتابة.
انعكس ضوء الصباح على شعرها، فبدا أكثر إشراقًا مما كان عليه قبل لحظات. وخلفها، كانت النافذة مفتوحة قليلًا، تسمح لنسيم خفيف بتحريك الستارة البيضاء بين حين وآخر.
لم تكن إيلارا تحتاج إلى فعل الكثير حتى يلاحظها الآخرون.
كانت من أولئك الأشخاص الذين يجدون مكانًا لهم أينما ذهبوا، دون أن يضطروا إلى المحاولة. يعرفها معظم طلاب المدرسة، ويحبها كثيرون منهم، حتى إن بعضهم كان يجد أعذارًا سخيفة لمجرد التحدث إليها.
والأغرب أنها لم تكن تتصرف وكأنها تعرف ذلك.
كانت تبتسم حين يتحدث إليها أحد، وتساعد من يحتاج إلى المساعدة، وتشارك في النقاشات من دون أن تحاول إثبات أنها تعرف أكثر من الآخرين. وعندما لا تفهم شيئًا، تسأل عنه ببساطة، بدلًا من التظاهر بأنها تعرف الإجابة.
أما في الدراسة، فلم تكن أقل إزعاجًا من الأستاذ نفسه.
حسنًا، ليس إزعاجًا بالمعنى الحرفي.
لكنها كانت تجيب عن الأسئلة بسرعة، وتحصل على درجات جيدة، وتبدو مهتمة فعلًا بما يشرحه المعلمون.
لا أعرف كيف تفعل ذلك.
أعني، من يستيقظ صباحًا ويقرر بإرادته أن يقضي ساعات في دراسة أشياء يمكنه تأجيل التفكير فيها إلى وقت لاحق؟
أبعدت عيني عنها، ثم أعدتهما إليها بعد لحظات.
كانت تكتب شيئًا في هامش دفترها، وقد ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهها، كأنها تذكرت أمرًا مضحكًا.
تساءلت عما كتبته.
ثم أدركت أنني أحدق فيها منذ وقت أطول مما ينبغي.
حسنًا، لا بأس.
إنها مجرد زميلة في الصف، ولست بصدد كتابة بحث عنها.
أخفضت رأسي نحو دفتري، ورسمت خطًا عشوائيًا في زاويته.
"آسر."
لم أرفع رأسي.
كنت مشغولًا بمحاولة تحويل الخط العشوائي إلى شيء يشبه الرسم، وهي مهمة بدت لي أكثر أهمية من الحصة في تلك اللحظة.
"آسر."
حرّكت القلم بين أصابعي، ثم أضفت خطًا آخر.
ربما لو تجاهلت الصوت بما يكفي، فسوف يختفي من تلقاء نفسه.
"آسر!"
رفعت رأسي أخيرًا.
كان الأستاذ ينظر إليّ، وقد بدا من تعبيره أنه لم يبدأ بمناداتي الآن فحسب.
"هل تكرمت وأخبرتنا بما يشغلك إلى هذا الحد؟"
نظرت إليه، ثم إلى دفتري، حيث لم يكن هناك سوى رسم رديء لا أعرف حتى كيف انتهى بي الأمر إلى رسمه.
"لا شيء، أستاذ."
"رائع. بما أنك لا تنشغل بشيء، تعال وحل المسألة."
أغمضت عيني للحظة.
كان عليّ أن أتوقع ذلك.
نهضت من مكاني، فاصطدمت ركبتي بحافة الطاولة، وكدت أتعثر بحقيبة أحد الطلاب الموضوعة في الممر.
سمعت ضحكة خافتة خلفي.
تظاهرت بأنني لم أسمعها، وعدّلت قميصي قبل أن أتجه نحو اللوح.
لا شيء حدث.
لم أتعثر.
ولم أكن على وشك السقوط.
كل ما في الأمر أن الأرضية قررت أن تعترض طريقي، وهذا ليس خطئي بالطبع.
تناولت الطباشير، ووقفت أمام المسألة.
لم أحتج إلى أكثر من نظرة واحدة حتى استعدت الحل كاملًا في ذهني. كتبت الخطوات بسرعة، وانتقلت من سطر إلى آخر دون أن أتوقف إلا قليلًا للتأكد من ترتيب الأرقام.
لم تكن المسألة صعبة، ولم أفهم لماذا احتاجت إلى كل ذلك الوقت.
وضعت الطباشير جانبًا، ونفضت الغبار عن أصابعي، ثم التفت إلى الأستاذ.
"انتهيت."
تأمل الحل، ثم أومأ برأسه.
"صحيح. عد إلى مكانك."
أعدت الطباشير إلى مكانه، واتجهت نحو مقعدي. هذه المرة، انتبهت إلى الحقيبة في الممر، فتجاوزتها بحذر مبالغ فيه، الأمر الذي جعل الطالب الجالس بجوارها ينظر إليّ باستغراب.
لا بأس.
لن أمنحه فرصة للضحك مرتين في الحصة نفسها.
جلست، وأسندت ظهري إلى الكرسي، مستعدًا للعودة إلى نشاطي المفضل: انتظار انتهاء الدرس.
لكنني لاحظت شيئًا لم يكن موجودًا قبل أن أنهض.
كان أحد الطلاب في الصف المجاور ينظر إليّ.
لم يكن ذلك غريبًا في حد ذاته؛ فقد كنت قد خرجت للتو من موقف جعل نصف الصف يتابعني. الغريب أنه لم ينظر إلى دفتري أو إلى الأستاذ، بل انتقل ببصره بيني وبين إيلارا، قبل أن يعود إلى زميله ويهمس له بشيء.
تبعته بعيني للحظة، ثم صرفت نظري.
ما الذي يحدث الآن؟
هل أصبحت المسألة حدثًا يستحق التحليل؟
عدت إلى دفتري، محاولًا تجاهل الأمر، لكنني لمحت حركة في طرف مجال رؤيتي.
إيلارا كانت تلتفت نحوي.
التقت أعيننا لثانية واحدة، فابتسمت ابتسامة صغيرة قبل أن تعود إلى ما كانت تكتبه.
توقفت أصابعي عن تحريك القلم.
ثم نظرت إلى دفتري مرة أخرى، كأنني كنت أفعل شيئًا مهمًا طوال الوقت.
حسنًا.
على الأقل، هناك شخص واحد في هذا الصف يعرف كيف يبتسم دون أن يبدو وكأنه يستعد لطلب حل واجباته مني.
انتهت الحصة أخيرًا، وبدأ الطلاب يجمعون كتبهم ويتجهون نحو الباب. أغلقت دفتري، ووضعته في حقيبتي، ثم وقفت وأنا أبحث عن قلمي الذي اختفى بطريقة لا يمكن تفسيرها.
كان قبل لحظة في يدي.
فتشت بين الكتب، ثم داخل الحقيبة، ثم على الطاولة.
لا شيء.
نظرت إلى الأرض، فوجدته بجوار قدمي.
بالطبع.
انحنيت لالتقاطه، فاصطدمت رأسي بحافة الطاولة وأنا أنهض.
تجمدت في مكاني.
ثم نظرت حولي لأتأكد من أن أحدًا لم يرَ شيئًا.
كان أحدهم يضحك عند الباب.
تجاهلته، وخرجت من الصف بكرامة لم أكن متأكدًا من أنني ما زلت أمتلكها.
في الممر، كانت إيلارا تقف قرب النافذة، تتحدث إلى إحدى زميلاتها. مررت بجوارهما دون أن أتوقف، لكن صوتًا جاء من خلفي قبل أن أبتعد كثيرًا.
"آسر، انتظر."
التفت.
كان أحد الطلاب الذين جلسوا خلفي في الحصة، يقف على بعد خطوات، واضعًا يديه في جيبي بنطاله، وعلى وجهه ابتسامة لم أستبشر بها خيرًا.
عرفته جيدًا. لم يكن من النوع الذي يطلب منك الانتظار ليخبرك بأن يومك جميل.
"ماذا تريد؟"
اقترب مني قليلًا، ثم أشار برأسه نحو الصف الذي خرجنا منه.
"أعجبتني سرعتك في حل المسألة اليوم."
نظرت إليه بصمت.
تابع، وقد اتسعت ابتسامته قليلًا.
"بما أنك انتهيت منها بهذه السرعة، يمكنك أن تحل لي واجب الرياضيات أيضًا."
ها قد وصلنا إلى السبب الحقيقي.
كان يمكنه، على الأقل، أن يوفر علينا المقدمة الطويلة.
"حلّه بنفسك."
تغيرت ابتسامته إلى شيء أقرب إلى السخرية.
"لماذا؟ أليست مسألة تافهة بالنسبة إليك؟ لن تستغرق منك أكثر من دقيقة."
أملت رأسي قليلًا، ونظرت إليه.
"إن كانت تافهة إلى هذا الحد، فلن تواجه مشكلة في حلها بنفسك."
لم تعجبه الإجابة، وهذا واضح.
اقترب خطوة أخرى، وقال بصوت أخفض:
"لا تتصرف وكأنك أفضل من الجميع يا آسر. لا أحد يحب المتفلسفين."
كتمت تنهيدة.
كم مرة سمعت شيئًا مشابهًا؟
يبدو أن الناس لا يمانعون أن تكون ذكيًا، ما دمت لا تجعلهم يشعرون بأنهم أقل ذكاءً منك. والمشكلة أنني لم أطلب من أحد أن يقارن نفسه بي أصلًا.
كنت أريد فقط أن أنهي يومي دون أن يقرر أحدهم أن يجعلني مسؤولًا عن واجباته.
"حسنًا، سأحاول أن أتذكر ذلك في المرة القادمة التي أحتاج فيها إلى رأيك."
تجهم وجهه.
للحظة، ظننت أنه سيقول شيئًا آخر، لكنه اكتفى بإلقاء نظرة غاضبة عليّ، ثم ابتعد وهو يتمتم بكلمات لم أسمعها جيدًا.
راقبته حتى اختفى بين الطلاب، ثم أطلقت زفيرًا طويلًا.
يوم آخر في المدرسة.
مسألة رياضية واحدة، وعشرون محاولة فاشلة، وواجب إضافي حاول أحدهم إلقاءه على كتفي، وكدت أفقد رأسي بسبب طاولة.
إنه يوم مثالي، بلا شك.
استدرت لأكمل طريقي، فوجدت إيلارا تمر بالقرب مني، وقد كانت تحمل كتبها إلى صدرها.
نظرت إليّ للحظة.
"هل أنت بخير؟"
كان سؤالًا عاديًا، بنبرة عادية، وابتسامة هادئة.
ومع ذلك، لم أعرف لماذا احتجت إلى ثانية إضافية حتى أجيب.
"نعم. لماذا؟"
"لا شيء. رأيتكما تتحدثان فحسب."
ألقت نظرة عابرة نحو الممر الذي اختفى فيه الطالب، ثم عادت تنظر إليّ.
"أراك في الحصة القادمة."
"للأسف."
خرجت الكلمة من فمي قبل أن أفكر فيها.
توقفت إيلارا لحظة، ثم ضحكت بخفة.
"للأسف؟"
أدركت ما قلت، فتنحنحت وأشحت بنظري.
"أقصد الحصة. للأسف، هناك حصة أخرى."
"بالطبع، فهمت."
لم تبدُ مقتنعة تمامًا، لكنها لم تحاول إحراجي. اكتفت بابتسامة أخرى، ثم تابعت طريقها.
وقفت أراقبها وهي تبتعد لبضع ثوانٍ، قبل أن أنتبه إلى أنني ما زلت في منتصف الممر، وأن الطلاب يمرون من حولي.
رائع.
الآن صرت أقف في الممر بلا سبب أيضًا.
عدّلت حقيبتي على كتفي، ومضيت نحو السلالم.
كان عليّ أن أجد طريقة أجعل بها الأيام أقل مللًا.
أو أن أتعلم، على الأقل، كيف أمر بيوم كامل دون أن أبدو أحمق.
---
لم أكن أتوقع أن تتحسن بقية الحصة، ولم يحدث ما يدعو إلى تغيير رأيي.
مرّت الساعات التالية ببطء، بين شروحات طويلة، وأسئلة لم أجد سببًا مقنعًا للإجابة عنها، ومحاولات متكررة مني لإيجاد شيء يستحق اهتمامي أكثر من الساعة المعلقة فوق الباب.
وفي إحدى الحصص، وجدت نفسي أرسم مربعات صغيرة في طرف دفتري، ثم أحولها إلى أشكال عشوائية، قبل أن أكتشف أنني لم أعد أتذكر ما الذي كنت أحاول رسمه أصلًا.
يبدو أنني أمتلك موهبة نادرة في إضاعة الوقت.
وحين رنّ الجرس أخيرًا، شعرت بأنني استعدت حريتي بعد سنوات طويلة من الأسر.
حسنًا، ربما أبالغ قليلًا.
لكن من وضع نظامًا يجعل الإنسان يجلس ساعات متواصلة على كرسي خشبي، يستمع إلى أشياء لا يرغب في سماعها، ثم يتوقع منه أن يكون ممتنًا في النهاية، لا بد أنه لم يجرّب الدراسة يومًا.
أغلقت دفتري، وجمعت كتبي على عجل، ثم دسستها في حقيبتي. كان الصف قد امتلأ بأصوات الطلاب الذين يتحدثون عن واجباتهم وخططهم لبقية اليوم، بينما انشغل آخرون بترتيب أغراضهم استعدادًا للخروج.
أما أنا، فكنت أفكر في شيء واحد.
الطعام.
لم أتناول فطوري جيدًا هذا الصباح، وكان بطني يذكّرني بذلك منذ الحصة السابقة، لكنني كنت أتجاهله بمهارة. لم يكن لديّ ما يكفي من الصبر للتعامل مع الجوع، فضلًا عن التعامل مع البشر.
علّقت حقيبتي على كتفي، وخرجت من الصف.
كان الممر مزدحمًا على غير العادة، أو ربما كنت أنا من فقد القدرة على احتمال الضوضاء بعد يوم دراسي طويل. مررت بين مجموعات الطلاب، متجنبًا الاصطدام بأحدهم، وهو إنجاز يستحق التقدير بالنظر إلى سجلي الحافل بالكوارث الصغيرة منذ الصباح.
عند الدرج، لمحت إيلارا تقف مع صديقاتها.
كانت تضحك على شيء قالته إحداهن، وقد بدت سعيدة على نحو جعلني أتساءل كيف يمكن لشخص أن يحتفظ بهذا القدر من النشاط بعد ست حصص دراسية.
أيعقل أنها لا تشعر بالملل مثل بقية البشر؟
أبطأت خطواتي قليلًا دون أن أقصد، ثم انتبهت إلى ما أفعله، فأسرعت في النزول.
لا داعي لأن أقف هنا وأحلل طبيعة ابتسامتها.
لديّ أمور أكثر أهمية.
مثل العثور على شيء آكله، مثلًا.
خرجت من بوابة المدرسة، واستقبلني هواء الظهيرة الدافئ. كان ضوء الشمس يميل إلى الاصفرار، وقد امتدت ظلال المباني على الرصيف، فيما تحركت السيارات في الشارع القريب، واختلطت أصواتها بأحاديث المارة.
توقفت لحظة لأعيد ترتيب حزام حقيبتي، ثم بدأت السير.
لم تكن دار الأيتام بعيدة جدًا عن المدرسة، لكن الطريق إليها كان يبدو أطول حين أكون متعبًا. مررت بالمحال الصغيرة التي اعتدت رؤيتها كل يوم، وبالبقالة التي يقف أمامها رجل مسن يضع كرسيًا خشبيًا عند الباب، ثم انعطفت إلى الشارع الأقل ازدحامًا.
كان هذا الجزء من الطريق أكثر هدوءًا.
أشجار متفرقة على جانبي الرصيف، وبيوت متقاربة تختلف أبوابها وألوان نوافذها، وقط ينام فوق جدار منخفض غير عابئ بما يحدث حوله.
توقفت لألقي عليه نظرة.
كان مستلقيًا تحت الشمس، وقد وضع رأسه بين قائمتيه، وكأنه لا يعرف بوجود شيء اسمه مدرسة أو واجبات أو أشخاص يطلبون منك حل مسائلهم الرياضية.
يا له من كائن محظوظ.
تابعت طريقي، وأنا أفكر جديًا في مزايا أن تكون قطًا.
لا امتحانات، لا استيقاظ مبكر، ولا حاجة إلى تفسير سبب تأخرك عن أي شيء.
كل ما تحتاج إليه هو مكان دافئ وقليل من الطعام، وربما شخص أحمق يقرر الاعتناء بك.
يبدو أن الحياة ليست معقدة إلى هذا الحد بعد كل شيء.
لم أكن أعرف لماذا خطرت لي هذه الفكرة، لكنني سرعان ما نسيتها حين وصلت إلى البوابة الحديدية الكبيرة التي اعتدت رؤيتها كل يوم.
دار الأيتام.
كان المبنى قديمًا، بواجهته الباهتة ونوافذه الطويلة التي تحتاج إلى بعض الإصلاح. امتد سور قصير حول الفناء الأمامي، وارتفعت فوقه شجرتان ألقتا بظلالهما على جزء من الممر المؤدي إلى الباب.
لم يكن المكان جميلًا على نحو خاص، لكنه كان مألوفًا.
وربما كان هذا كافيًا.
دفعت البوابة، فصدر عنها صوت معدني مزعج، ثم دخلت وأغلقتها خلفي.
كان بعض الأطفال يلعبون في الفناء، بينما جلس آخرون على الدرج يتحدثون. وما إن رآني أحد الصغار حتى ركض نحوي.
"آسر! لقد عدت!"
كدت أتعثر به حين توقف أمامي فجأة.
"أجل، كما ترى."
رفع رأسه نحوي، ثم نظر إلى الحقيبة على كتفي.
"هل أحضرت شيئًا؟"
نظرت إلى حقيبتي، ثم إليه.
"ماذا تتوقع أن أحضر؟ فيلًا؟"
ضحك، وهز رأسه بسرعة.
"لا! حلوى!"
أطلقت تنهيدة متعمدة، ثم مررت يدي فوق شعره.
"للأسف، لم أجد متجرًا يبيع الحلوى في الطريق."
كان ذلك كذبًا واضحًا؛ فقد مررت بثلاثة متاجر على الأقل.
لكنه لم يكن بحاجة إلى معرفة هذه التفاصيل.
"أنت تكذب!"
"اتهام خطير. هل لديك دليل؟"
قهقه الصغير، ثم ركض عائدًا إلى أصدقائه قبل أن أضطر إلى الدفاع عن نفسي أمام محكمة من الأطفال.
ابتسمت رغمًا عني، وتابعت السير نحو الباب.
كان هذا أحد الأمور القليلة التي لم أجدها مزعجة في المكان. الأطفال الصغار لا يطلبون منك أن تكون شخصًا مختلفًا، ولا يهتمون كثيرًا بما إذا كنت متفوقًا في الرياضيات أو سيئ الحظ في الاصطدام بالطاولات.
يكفي أن تجلس معهم قليلًا، أو تجيب عن أسئلتهم الغريبة، أو تتظاهر بأنك لا تعرف أين أخفوا الكرة التي يبحثون عنها منذ عشر دقائق.
أحيانًا، أتمنى لو أن الكبار يتعلمون منهم شيئًا.
فتحت الباب ودخلت.
استقبلتني رائحة الطعام القادمة من المطبخ، فشعرت بأنني مستعد لمسامحة العالم كله، بشرط أن أحصل على وجبة قبل أن يبرد الطعام.
وضعت حقيبتي قرب الدرج، وخلعت حذائي عند المدخل، ثم اتجهت نحو غرفة الطعام.
كانت الطاولات مرتبة في صفوف، والكراسي موزعة حولها، وقد جلس بعض الأطفال بالفعل ينتظرون الغداء. في الطرف الآخر، كانت إحدى المشرفات تضع الأطباق على الطاولة، بينما تتحدث مع طفل صغير يحاول إقناعها بأنه لم يأكل شيئًا منذ ولادته.
بالغ قليلًا، على ما أظن.
اقتربت من الطاولة، فألقت المشرفة نظرة نحوي.
"تأخرت اليوم يا آسر."
سحبت الكرسي وجلست.
"كان الطريق طويلًا."
نظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط، ثم عادت تنظر إليّ.
"الطريق نفسه الذي تسلكه كل يوم؟"
وضعت حقيبتي الصغيرة بجوار الكرسي، وقلت بجدية:
"يبدو أنه قرر أن يختبر صبري اليوم."
هزت رأسها وهي تكتم ابتسامة.
"اغسل يديك أولًا، ثم تعال لتناول الطعام."
نهضت مجددًا.
بالطبع.
كان ينبغي أن أعرف أن الطريق إلى الطعام لن يكون بهذه السهولة.
غسلت يدي، ثم عدت إلى مكاني وبدأت أتناول الغداء. كان الأطفال يتحدثون حولي بصوت مرتفع، يتجادلون بشأن لعبة، ويضحكون على أمر لم أسمعه جيدًا، فيما حاول أحدهم إقناع الآخر بأن معلمه يكرهه لأنه طلب منه إعادة كتابة واجبه.
كدت أقول له إن معلمه ربما يكرهه فعلًا، لكنني قررت الاحتفاظ برأيي لنفسي.
لا داعي لأن أفسد عليه يومه.
أنهيت طعامي، وحملت طبقي إلى المطبخ، ثم عدت لأستعيد حقيبتي.
كان عليّ إنجاز واجباتي قبل المساء، وهو أمر لم أكن متحمسًا له على الإطلاق، لكنني لم أجد في تأجيلها حتى اللحظة الأخيرة خطة ناجحة في أي مرة سابقة.
حسنًا، نجحت مرة واحدة.
لكنني لا أعتقد أن ذلك يُحسب.
صعدت الدرج إلى الطابق العلوي، حيث الغرف التي يقيم فيها الأطفال. كان الممر هادئًا مقارنة بالطابق السفلي، ولم يُسمع فيه سوى أصوات بعيدة قادمة من الفناء.
دخلت غرفتي، ووضعت الحقيبة بجوار السرير.
لم تكن الغرفة واسعة، لكنها كانت تتسع لما أحتاج إليه. سريران، وخزانة خشبية قديمة، ومكتب صغير قرب النافذة، تراكمت فوقه بعض الكتب والأوراق التي وعدت نفسي بترتيبها منذ أسابيع.
أغلقت الباب خلفي، ثم بقيت واقفًا للحظة أتأمل الفوضى على المكتب.
يبدو أنني وعدت نفسي بأشياء كثيرة لم أنفذها.
اقتربت من النافذة وفتحتها قليلًا. تسلل الهواء إلى الغرفة، محركًا طرف الستارة، ووصلتني أصوات الأطفال من الفناء.
كان اليوم عاديًا.
حصة رياضيات مملة، وأستاذ يكرر اسمي حتى كاد يحفظه الصف كله، وطالب يريد أن أؤدي واجباته نيابة عنه، ثم رحلة قصيرة إلى المنزل الذي أعود إليه كل يوم.
لا شيء يستحق الانتباه حقًا.
هكذا ظننت، على الأقل.
سحبت الكرسي وجلست أمام المكتب، ثم أخرجت كتبي من الحقيبة ورتبتها أمامي. فتحت دفتر الرياضيات، ووقعت عيناي على المسألة التي قضينا الحصة كلها نحاول حلها.
حدقت فيها للحظة.
ثم أغلقت الدفتر.
يمكنها الانتظار خمس دقائق أخرى.
أسندت رأسي إلى حافة الكرسي، وأغمضت عيني، عازمًا على أخذ استراحة قصيرة قبل البدء بواجباتي.
خمس دقائق فقط.
أو عشرًا.
حسنًا، سأقرر حين أستيقظ من هذه الاستراحة.