رواية 𝑨𝒔𝒊𝒓 | 2|| "يوم ماطر"
رواية 𝑨𝒔𝒊𝒓 | 2|| "يوم ماطر"
.
.
كانت الغابة هادئة، لا يُسمع فيها سوى حفيف الأوراق وصوت الريح وهي تمر بين الأشجار.
وقفت بين الجذوع المتشابكة، أمسك قوسًا خشبيًا بيدي، وأثبت سهمًا على وتره. أمامي، تحرك غزال بين الأعشاب، متوقفًا بين حين وآخر ليرفع رأسه ويتفقد ما حوله.
سحبت الوتر إلى الخلف.
شددت كتفيّ، وثبتُّ قدميّ على الأرض، محاولًا الحفاظ على توازني رغم الريح التي أخذت تدفع الأغصان من حولي. كان عليّ أن أختار اللحظة المناسبة، وأن أحسب المسافة بدقة، وألا أسمح لحركة الهواء بأن تفسد تصويبي.
رفعت القوس قليلًا، ثم أعدت توجيهه.
تحرك الغزال خطوة أخرى.
"ركّز."
جاءني الصوت من جواري.
لم ألتفت. بقيت عيناي مثبتتين على هدفي، وأرخيت كتفيّ قليلًا، ثم حبست أنفاسي.
أطلقت السهم.
اندفع في الهواء، واخترق المسافة بيننا قبل أن يصيب الغزال.
لم أتحرك للحظة، أراقب ما حدث، حتى سمعت ضحكة خافتة إلى جانبي.
"أحسنت."
استرخى جسدي أخيرًا، وبدأت أخفض القوس حين شعرت بيد تستقر على كتفي.
"أرأيت؟ لم يكن الأمر صعبًا."
كدت أجيبه، لكن المشهد بدأ يتلاشى من حولي، وامتدت الأصوات بعيدًا، كأن أحدهم يسحبني من مكان لا أريد مغادرته.
ثم اهتز كتفي تحت يد أخرى.
"آسر."
تململت في مكاني، محاولًا الابتعاد عن الصوت.
"آسر، استيقظ."
فتحت عينيّ بصعوبة، فوجدت ثيو واقفًا بجوار المكتب، يحدق فيّ بابتسامته المعتادة.
كانت خصلات شعره البنية الفوضوية تتناثر فوق جبينه، وعيناه العسليتان تعكسان ضوء الغروب المتسلل من النافذة. بدا عليه أنه جاء مسرعًا من الخارج، ولا يزال يحمل شيئًا من حيوية اللعب في الملعب.
اعتدلت في جلستي، وفركت عينيّ محاولًا التخلص من بقايا النعاس.
"هل أنهيت واجباتك كلها؟"
حدقت فيه قليلًا، محاولًا استيعاب السؤال، ثم نظرت إلى الكتب المكدسة أمامي.
"لم أبدأ أصلًا."
اتسعت عيناه.
"ماذا؟!"
"لم أبدأ."
"آسر، كم الساعة الآن؟"
التفتُّ نحو النافذة، ثم عدت أنظر إليه.
"لا أعرف."
رفع ثيو يديه إلى رأسه، وأطلق تنهيدة طويلة.
"يا إلهي، وماذا كنت تفعل طوال الوقت؟"
"نائمًا."
ظل ينظر إليّ لثوانٍ، وكأنه ينتظر مني أن أضيف شيئًا يخفف وقع الإجابة، لكنني لم أجد ما أقوله.
هز رأسه، ثم ابتسم من جديد.
"حسنًا، أسرع إذن. لا أريد أن أقضي المساء كله في انتظارك."
ابتعد عني واتجه نحو خزانته ليبدل ملابسه، بينما سحبت كتابي من فوق المكتب وفتحته على الصفحة التي تركتها في اليوم السابق.
حاولت أن أتذكر ما كنت أحلم به، لكن التفاصيل أخذت تتلاشى بسرعة. بقيت صورة الأشجار، وصوت الريح، وشعور القوس بين يديّ.
أما الشخص الذي كان يقف إلى جواري، فلم أستطع تذكر وجهه.
هززت رأسي، وأجبرت نفسي على التركيز في واجباتي.
لم تكن تلك المرة الأولى التي أرى فيها حلمًا غريبًا، على ما أظن، لكنها كانت أول مرة أستيقظ فيها وأنا أشعر بأن شيئًا ما أفلت مني قبل أن أتمكن من فهمه.
لم أشغل نفسي بالأمر طويلًا. كانت لديّ مسائل رياضيات تنتظر الحل، وثيو الذي بدأ يبدل ملابسه لم يكن معروفًا بصبره حين يتعلق الأمر بانتظار الآخرين.
---
لم أحتج إلى وقت طويل لإنهاء واجباتي. كانت المسائل واضحة، ولم يكن ينقصني سوى الجلوس إليها بدلًا من النوم فوق مكتبي.
حين أغلقت الكتاب، كان ثيو قد انتهى من تبديل ملابسه، وراح يفتش في حقيبته عن شيء ما.
"انتهيت؟"
"نعم."
التفت إليّ بسرعة، ثم ألقى حقيبته فوق سريره.
"أخيرًا. هيا، لننزل."
نهضت، وأعدت الكتب إلى مكانها، ثم تبعته خارج الغرفة.
كان الممر هادئًا، باستثناء أصوات الأطفال القادمة من الطابق السفلي. كلما اقتربنا من الدرج، ازدادت الأصوات وضوحًا؛ ضحكات متقطعة، وخطوات سريعة، وصوت إحدى المشرفات وهي تطلب من طفل أن يعيد ما أسقطه إلى مكانه.
لم تكن دار الأيتام مكانًا هادئًا في معظم الأوقات، خصوصًا قبل حلول الليل. كان لكل طفل طريقته الخاصة في ملء المكان بالضجيج، حتى إنني كنت أظن أحيانًا أن الجدران نفسها حفظت أصواتنا.
ما إن وصلنا إلى الصالة حتى رأيت بعض الأطفال يجلسون حول الطاولة الطويلة، يفرزون الملابس النظيفة، بينما كان آخرون يساعدون في ترتيب الأواني. قرب النافذة، جلست إحدى المشرفات تصلح قطعة قماش ممزقة، وقد وضعت سلة صغيرة إلى جوارها.
كانت جينيفير، المشرفة التي أحبها معظم الأطفال، وربما لم يكن ذلك مستغربًا. كانت بشرتها سمراء، وملامحها تحمل لطفًا واضحًا، حتى إن ابتسامتها وحدها كانت كافية لتخفيف أجواء المكان. لم تكن ترفع صوتها إلا نادرًا، وكانت تعرف كيف تتعامل مع كل طفل بحسب طبعه، دون أن تشعر أحدًا بأنه عبء عليها.
وكانت لها عادة يعرفها الأطفال جيدًا، وإن لم تعترف بها أمام بقية المشرفات؛ فقد كانت تهرّب إليهم الطعام بين حين وآخر، خصوصًا حين تلاحظ أن أحدهم لم يأكل ما يكفيه. وكانت تتصرف في كل مرة كما لو أنها لم تفعل شيئًا، بينما يصعب عليها إخفاء ابتسامتها حين نكتشف الأمر.
أما ماريان، فكانت تقف قرب رفوف الكتب، تراقب الأطفال بنظراتها الحادة.
كان شعرها الأسود مرتبًا بعناية، لا تخرج منه خصلة عن مكانها، بينما زادت التجاعيد التي حفرت وجهها من صرامة ملامحها. كانت تبدو وكأنها اعتادت العبوس حتى صار جزءًا ثابتًا من وجهها، ولم تكن بحاجة إلى رفع صوتها كثيرًا حتى تجعل الأطفال يتوقفون عما يفعلونه.
كانت كلماتها قصيرة وحادة، لا تعرف المجاملة طريقًا إليها حين يتعلق الأمر بالنظام.
"أعد الكتب إلى أماكنها الصحيحة. لستُ مضطرة إلى تذكيرك بالأمر مرتين."
قالتها لأحد الصغار، فتراجع مسرعًا نحو الرفوف، يحمل الكتب التي تركها فوق الطاولة.
لم تكن ماريان تتساهل مع الإهمال، وكانت تتوقع من الجميع تنفيذ ما تطلبه دون جدال. لذلك كان معظم الأطفال يحرصون على الابتعاد عن طريقها حين تبدو منزعجة، حتى لو لم يكن لهم ذنب في شيء.
مرر ثيو يده في شعره، ثم نظر إليّ.
"سأساعد في ترتيب المكتبة."
أومأت له، واتجهت نحو الطاولة لأرى إن كان هناك ما يمكنني فعله.
"آسر."
توقفت والتفتُّ نحو جينيفير الجالسة قرب النافذة.
"هل يمكنك مساعدتي قليلًا؟"
اقتربت منها، فرفعت قطعة القماش أمامي.
"انظر إلى هذا التمزق. حاولت إصلاحه، لكن الخيط يستمر في الانفلات."
انحنيت قليلًا لأتفحصه. كان التمزق عند طرف الكم، ولم يكن كبيرًا، لكنه يحتاج إلى غرز متقاربة حتى لا يتسع من جديد.
مددت يدي نحو الإبرة والخيط الموضوعين في السلة.
"هل تسمحين لي؟"
ناولَتني القطعة، ثم تنحت قليلًا لتفسح لي مكانًا.
جلست على الكرسي المقابل، وأمسكت القماش بين أصابعي. مررت الخيط في الإبرة، وثبتُّ طرفه، ثم بدأت العمل.
لم أفكر كثيرًا فيما أفعله. كانت يداي تتحركان بثبات، والغرز تتتابع بانتظام، كأنني أصلح شيئًا فعلته مرات عديدة من قبل.
وحين انتهيت، عقدت الخيط وقصصت طرفه، ثم أعدت القطعة إليها.
تفحصتها جينيفير بدهشة خفيفة.
"هذا جيد جدًا. أين تعلمت إصلاح الملابس بهذه الطريقة؟"
توقفت يدي في منتصف الطريق وأنا أعيد الإبرة إلى السلة.
"أنا..."
نظرت إلى الغرز مرة أخرى، محاولًا تذكر آخر مرة أمسكت فيها بإبرة. لم أستطع استحضار أي ذكرى واضحة. لم أكن أذكر أن أحدًا علمني ذلك، ولا أنني جلست يومًا أصلح ملابس بمفردي.
"لا أعرف. ربما رأيت أحدًا يفعل ذلك من قبل."
"ربما، لكنك أتقنتها بسرعة."
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وشعرت بشيء من الحرج.
"أتعلم بسرعة أحيانًا."
لم تكن إجابة مقنعة تمامًا، حتى بالنسبة إليّ، لكن جينيفير لم تضغط عليّ. اكتفت بشكري، ثم عادت إلى عملها.
نهضت، ومسحت يديّ في بنطالي دون أن أشعر، قبل أن أنتبه إلى ما فعلته وأتوقف.
لم يكن الأمر يستحق التفكير. لا بد أنني رأيت الطريقة في مكان ما، أو أنني أصلحت شيئًا مشابهًا من قبل ونسيت الأمر. لم تكن الذاكرة تحتفظ بكل شيء، على أي حال.
في الجهة الأخرى من الصالة، كان ثيو يقف أمام رف الكتب، يحمل كومة صغيرة بين ذراعيه، بينما يحاول طفل أصغر منه انتزاع أحد الكتب من أعلى الكومة.
"تمهل، ستسقطها كلها!"
ضحك الطفل، ثم ابتعد راكضًا.
تنهد ثيو، وأعاد ترتيب الكتب التي كادت تنزلق، قبل أن يرفع رأسه ويلمحني.
"آسر، تعال وساعدني هنا!"
ذهبت إليه، وأخذت نصف الكتب من بين ذراعيه.
"لماذا تحمل كل هذه دفعة واحدة؟"
"لأنني كنت أظن أنني أستطيع."
"وما الذي جعلك تغير رأيك؟"
نظر إلى الكتب التي كادت تسقط، ثم إليّ.
"لأنني اكتشفت أنني كنت مخطئًا."
لم أتمالك ابتسامتي، فابتسم هو أيضًا، وبدأنا نعيد الكتب إلى أماكنها.
لم تمضِ سوى دقائق حتى انتهينا، لكننا لم نكد نبتعد عن الرفوف حتى جاءنا صوت ماريان من الطرف الآخر للصالة.
"آسر، أريدك للحظة."
تبادلنا نظرة سريعة، ثم اتجهت نحوها.
كانت تحمل ورقة صغيرة كتبت عليها بعض الأغراض، وإلى جوارها سلة فارغة.
"أحتاج إلى بعض الأشياء من متجر القرية. هل يمكنك إحضارها قبل أن يحل الظلام؟"
أخذت الورقة منها.
"بالطبع."
نظرت إلى النافذة، ثم عادت بعينيها إليّ.
"خذ السلة معك، ولا تتأخر. الطقس يتغير، ولا أريدك أن تعود بعد حلول الظلام. هل فهمت؟"
"نعم."
"إذن لا تقف هنا. اذهب الآن، وأنجز ما طلبته منك دون أن تنسى نصف القائمة في المتجر."
أومأت، وحملت السلة.
كان ثيو قد اقترب منا، فمال قليلًا لينظر إلى الورقة في يدي.
"ماذا ستشتري؟"
"أشياء طلبتها ماريان."
"هذا واضح، كنت أسأل عن الأشياء نفسها."
أدرت الورقة نحوه، فقرأها سريعًا.
"دقيق، وحليب، وخيط، وصابون..."
رفع حاجبيه.
"رحلة مثيرة فعلًا."
"يمكنك مرافقتي إن أردت."
"أفضّل أن أبقى هنا. لقد وعدت الصغار بأن ألعب معهم لاحقًا."
لم أكن أتوقع منه أن يأتي أصلًا، لذلك اكتفيت بإيماءة قصيرة.
"إذن، سأعود قريبًا."
"لا تنسَ أن تنظر إلى الطريق بدلًا من التفكير في شيء آخر."
نظرت إليه.
"أنا أنظر إلى الطريق عادة."
"أعرف، لكنك أحيانًا تكون هنا بجسدك فقط."
لم أجد ردًا مناسبًا، فغادرت قبل أن يمنحني فرصة أخرى لإثبات صحة كلامه.
---
ما إن خرجت من دار الأيتام حتى استقبلني هواء بارد، حمل معه رائحة التراب المبتل.
كانت السماء ملبدة بالغيوم، والضباب الخفيف ينساب بين الأشجار المحيطة بالقرية. لم يكن المطر قد بدأ بعد، لكن الرطوبة كانت عالقة في الهواء، والأرض تحت قدميّ بدت داكنة بفعل مطر الصباح.
سلكت الطريق المؤدي إلى المتجر، مارًا بالبيوت الخشبية المتراصة على جانبيه. كانت النوافذ مضاءة هنا وهناك، وتتصاعد من بعض المداخن خيوط رفيعة من الدخان. عند أحد الأبواب، كانت امرأة تنفض سجادة صغيرة، بينما يحاول طفل مساعدتها دون أن يفعل سوى إثارة المزيد من الغبار.
على مقربة من الطريق، كانت مجموعة من الأطفال يلعبون بكرة قديمة. تدحرجت الكرة بعيدًا عنهم، واصطدمت بحذائي قبل أن تتوقف.
انحنيت والتقطتها، ثم رفعت رأسي لأعيدها إليهم.
ركض أحدهم نحوي، لكنه توقف على بعد خطوات، ونظر إلى الكرة في يدي.
"أعطنا إياها يا آسر."
مددت يدي إليه.
"تفضل."
أخذها، لكنه لم يعد إلى اللعب مباشرة. نظر إلى رفيقيه، ثم عاد ينظر إليّ بابتسامة جانبية.
"هل انتهيت من حل مسائل المدرسة كلها؟ أم أنك ستذهب إلى المكتبة لتدرس حتى في أحلامك؟"
ضحك أحد الطفلين خلفه.
لم أحب الطريقة التي قال بها ذلك، لكنني لم أعرف ما الذي ينبغي أن أقوله. كان يمكنني تجاهله ومتابعة طريقي، وهذا ما كان عليّ فعله على الأرجح.
لكنني وجدت نفسي أجيب:
"على الأقل، لن أحتاج إلى أن أسأل المعلم عن الإجابة غدًا."
اختفت ابتسامته قليلًا، وسمعت أحد رفيقيه يضحك، هذه المرة عليه.
شعرت بالحرج فورًا. لم أقصد أن أجعل الأمر أسوأ، ولم أكن أعرف لماذا قلت ذلك أصلًا.
شد الطفل قبضته حول الكرة.
"لم أقل إنني لا أعرف الإجابة."
"أعرف، أنا فقط..."
توقفت. لم تكن لديّ فكرة عن كيفية إنهاء الجملة دون أن أجعلها أكثر سوءًا.
هز رأسه، ثم عاد إلى رفيقيه.
"انسَ الأمر. هيا، لنكمل اللعب."
ابتعدوا، وبقيت واقفًا للحظة قبل أن أتابع طريقي.
كان ينبغي أن أتعلم متى أصمت.
لم يكن ذلك يعني أنني لا أعرف كيف أتحدث مع الآخرين، لكن الكلمات كانت تخذلني أحيانًا في اللحظات التي أحتاج فيها إلى استخدامها، فتخرج بطريقة مختلفة عما أردت.
تابعت السير، محاولًا ألا أفكر في الأمر أكثر من اللازم.
عند المنعطف التالي، مررت بمنزل خشبي تحيط به شجيرات منخفضة. كان بابه مفتوحًا، وخرجت منه فتاة ذات شعر أحمر، ترتدي معطفًا داكنًا.
عرفتها قبل أن ترفع رأسها.
إيلارا.
كانت تحمل حقيبة صغيرة، وأغلقت الباب خلفها قبل أن تنزل الدرجات الخشبية المؤدية إلى الطريق.
لم أكن أعرفها معرفة حقيقية. تبادلنا بعض الكلمات في المدرسة، ورأيتها مرات كثيرة بين زملائنا، لكنها كانت دائمًا محاطة بأشخاص يجدون ما يقولونه لها بسهولة أكبر مما أجده أنا.
كانت محبوبة، ويبدو أنها تعرف كيف تجعل الحديث معها أمرًا بسيطًا. أما أنا، فكنت أحتاج أحيانًا إلى التفكير في جملة عادية كما لو أنها مسألة رياضيات معقدة.
خفضت بصري إلى الورقة التي أحملها، وتابعت السير.
لم يكن في الأمر شيء يستحق الانزعاج، ومع ذلك وجدتني أفكر في المنزل الذي خرجت منه.
كنت أحيانًا أتساءل كيف سيكون شعور المرء حين يعود إلى مكان ينتظره فيه أحد. بيت له بابه الخاص، وغرفة يعرف أنها ستبقى له، وأشخاص لا يحتاج إلى تذكيرهم بوجوده.
ثم ضايقني أنني أفكر بهذه الطريقة، فأسرعت خطاي قليلًا.
لم أكن أعرف شيئًا عن حياة إيلارا، وربما لم يكن منزلي الذي لا أملكه سببًا كافيًا لأشعر بالغيرة من حياة لا أعرفها أصلًا.
وصلت إلى المتجر قبل أن أجد إجابة ترضيني.
---
كان المتجر صغيرًا، بواجهة خشبية وجرس معلق فوق الباب. ما إن دفعته حتى رن الجرس، معلنًا دخولي.
استقبلتني رائحة الخبز الطازج والتوابل، واختلطت بها رائحة الخشب القديم. كانت الرفوف ممتلئة بعلب الطعام والأقمشة والأدوات المنزلية، وفي الزاوية القريبة من النافذة تراكمت أكياس الدقيق والحبوب.
وقفت خلف المنضدة رجل مسن كان يرتب بعض القطع النقدية. رفع رأسه حين سمع الجرس.
"مساء الخير يا آسر."
"مساء الخير."
ناولته الورقة.
"أحتاج إلى هذه الأشياء، من فضلك."
أخذها وراح يقرأ القائمة، بينما بدأت أجمع ما أستطيع الوصول إليه من الرفوف القريبة. وضعت علبة الصابون والخيط في السلة، ثم حملت كيسًا صغيرًا من الدقيق إلى المنضدة.
وبينما كنت أبحث عن الحليب، دخل رجل آخر إلى المتجر.
لم ألتفت إليه في البداية. سمعت رنين الجرس، ثم خطوات هادئة تتحرك بين الرفوف. كان يرتدي معطفًا داكنًا، وقد علّق على ذراعه حقيبة جلدية صغيرة.
سمعت صاحب المتجر يرحب به.
"مساء الخير، سيد أرخميدس."
"مساء الخير."
كان صوته هادئًا، يحمل ألفة شخص اعتاد المكان وأصحابه.
التفتُّ قليلًا حين مر الرجل بالقرب مني، ثم عدت إلى الرف الذي أبحث فيه.
كان أرخميدس اسمًا أعرفه، حتى وإن لم ألتقِ بصاحبه من قبل. لم يكن هناك أحد في إيفرديل لم يسمع به؛ فقد كان المعالج الذي يقصده أهل القرية حين يمرضون، أو حين يعجزون عن تفسير علة أصابت أحد أفراد أسرهم. وكان بعض الناس يذهبون إليه حتى في الأمور التي لا تحتاج إلى علاج، لمجرد أنه يعرف الكثير عن الأعشاب وطرق استخدامها.
أخذت علبة من أحد الرفوف، ووضعتها في السلة دون أن أفحصها جيدًا.
"هذه تحتوي على فول سوداني."
توقفت يدي.
كان الرجل يقف على بعد خطوات مني، وقد أشار إلى العلبة التي وضعتها في السلة.
نظرت إلى الملصق، ثم شعرت بانقباض خفيف في معدتي.
فول سوداني.
أعدت قراءة الكلمات للتأكد، رغم أنني كنت أعرف ما تعنيه.
كنت أعاني من حساسية تجاهه، وكان من المفترض أن أتحقق من مكونات كل ما أشتريه، خصوصًا الأشياء التي لا أعرفها جيدًا.
"أوه، لم أنتبه."
أخرجت العلبة من السلة، وأعدتها إلى الرف.
"شكرًا."
أومأ الرجل ببساطة.
"لا بأس. من الأفضل أن تتفقد المكونات قبل الشراء."
"نعم، سأفعل."
لم يكن في صوته ما يدعو إلى الاستغراب. بدا كأي شخص لاحظ خطأ صغيرًا ونبّهني إليه، لذلك لم أفكر في الأمر أكثر.
عدت إلى المنضدة، حيث كان صاحب المتجر قد جمع بقية الأغراض.
"هل وجدت كل ما تحتاج إليه؟"
راجعت القائمة، ثم أومأت.
"أظن ذلك."
بدأ يحسب المبلغ، بينما انشغل أرخميدس باختيار بعض الأعشاب الموضوعة في أوعية صغيرة خلف المنضدة. كان يتحدث مع صاحب المتجر عن نبات نبت قرب الغابة، وعن موعد جمعه، كما لو أنهما يتحدثان عن الطقس.
دفعت ثمن الأغراض، وأعدت الباقي إلى جيبي، ثم حملت السلة.
"إلى اللقاء."
"اعتنِ بنفسك يا آسر."
جاءني صوت أرخميدس من جوار المنضدة.
التفت إليه، فوجدته يرفع عينيه عن الأعشاب التي كان يفحصها.
"وأنت أيضًا."
خرجت من المتجر، وأغلق الباب خلفي، فعاد الجرس إلى الرنين.
كان المطر قد بدأ أخيرًا، قطرات صغيرة تتساقط على الطريق وتترك بقعًا داكنة فوق التراب. رفعت السلة قليلًا لأحمي ما بداخلها، ثم أسرعت في طريقي إلى دار الأيتام.
لم يكن في لقائي بأرخميدس ما يستحق التفكير فيه. لقد نبّهني إلى علبة لم أنتبه إلى مكوناتها، وهذا كل ما في الأمر.
ومع ذلك، حين ابتعدت عن المتجر، وجدتني أتذكر صوته الهادئ وهو يقول إن عليّ تفقد المكونات قبل الشراء.
كانت نصيحة عادية، لا أكثر.
هكذا أقنعت نفسي، ثم انشغلت بتجنب البرك الصغيرة التي بدأت تتشكل على الطريق.
لم أكن أعرف أن بعض اللقاءات التي تبدو عابرة في بدايتها، قد تصبح مع الوقت أكثر أهمية مما نتصور.
أما في ذلك المساء، فلم يكن كل ما يشغلني سوى العودة قبل أن يشتد المطر، وإيجاد طريقة أقنع بها ثيو أنني لم أتعمد تركه ينتظرني طويلًا.
---
يتبع...
رأيكم في الفصل؟!
https://t.me/Al_balhaa_heno
قناتي على التيلي تنوروني ✨