رواية سر في عقد زواجنا | الرجل الذي قال «المرة دي»
رواية سر في عقد زواجنا | الرجل الذي قال «المرة دي»
لم تكن ليلى أحمد تؤمن بأن بعض القرارات تستطيع أن تغيّر حياة الإنسان في لحظة واحدة.كانت تعتقد أن الحياة تتغير ببطء؛ بخيبات صغيرة، وأبواب تُغلق في وجهك، وأشخاص يرحلون دون أن يلتفتوا خلفهم.لكنها، في تلك اللحظة تحديدًا، كانت على وشك اكتشاف أن توقيعًا واحدًا قد يكون كافيًا ليضعها داخل حياة لم تخترها، مع رجل لا تعرف عنه سوى اسمه.«موافقة يا آنسة ليلى؟»رفعت عينيها عن الورقة.كان المأذون ينظر إليها منتظرًا إجابتها، بينما جلست والدتها إلى جوارها تمسك بمنديل ورقي بين أصابع مرتعشة. وعلى الجانب الآخر من الطاولة، جلس الرجل الذي سيصبح زوجها بعد ثوانٍ.أدهم السيوفي.اسم سمعته كثيرًا خلال الأيام الماضية، وصورة رأتها في الصحف، ورجل لم تتخيل يومًا أن تجلس أمامه في مناسبة كهذه.كان يرتدي بدلة سوداء بسيطة، وساعة فضية في معصمه، وشعره الأسود مصفف بعناية. ملامحه هادئة إلى درجة مستفزة، وعيناه الداكنتان لا تكشفان شيئًا مما يدور في رأسه.لم يبدُ سعيدًا.ولم يبدُ متوترًا.في الحقيقة، لم يبدُ كأنه يتزوج أصلًا.ابتلعت ليلى ريقها، ثم نظرت إلى والدتها.كانت تعرف أن بإمكانها الرفض. لم يمسك أحد بيدها ليجبرها على التوقيع، ولم يهددها أدهم صراحةً. لكنه كان قد سدد ديونًا لم تعد عائلتها قادرة على تحملها، ومنع البنك من اتخاذ إجراءات كانت ستجعلهم يخسرون منزلهم.وكل ما طلبه في المقابل كان الزواج منها.طلب غريب، حتى بمعاييرها.«موافقة.»خرج صوتها أهدأ مما توقعت.أومأ المأذون، وبدأ في استكمال الإجراءات.أما أدهم، فلم ينظر إليها إلا عندما دفع الورقة باتجاهه.مد يده إلى القلم، ثم توقف.كانت عيناه مثبتتين على أصابعها.لاحظت ليلى أنه ينظر إلى يدها المرتجفة، لا إلى وجهها، فقبضت أصابعها على بعضها محاولةً إخفاء توترها.عندها فقط رفع عينيه إليها.وللمرة الأولى، رأت شيئًا مختلفًا في ملامحه.لم يكن فرحًا.كان خوفًا.خوفًا خاطفًا اختفى قبل أن تتمكن من التأكد من وجوده أصلًا.وقّع اسمه.ثم قال المأذون مبتسمًا:«بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.»بدأت التهاني من الأشخاص القلائل الموجودين في الغرفة، بينما بقي أدهم جالسًا في مكانه، كأن الكلمات لم تكن موجهة إليه.مالت ليلى نحوه قليلًا وهمست:«هو أنت مش مبسوط إنك اتجوزت؟»التفت إليها ببطء.«المفروض أبقى مبسوط؟»اتسعت عيناها من وقاحته.«على الأقل تمثل إنك إنسان طبيعي.»لأول مرة، تحرك شيء يشبه الابتسامة عند طرف فمه، لكنه اختفى سريعًا.«خليكي حريصة يا ليلى.»«حريصة من إيه؟»نهض، وأغلق أزرار سترته.«من إنك تسألي أسئلة إجابتها مش هتعجبك.»ثم تركها واقفة أمام الطاولة، ومشى دون أن ينتظر ردها.---كانت ليلى تحدق من نافذة السيارة في الشوارع التي تمر بها، وتحاول إقناع نفسها بأن حياتها لم تنتهِ لمجرد أنها تزوجت رجلًا لا تطيقه.جلست في المقعد الخلفي إلى جواره، وبينهما مسافة كافية لتجلس امرأة أخرى.لم يتحدث منذ غادرا منزل عائلتها.أما هو، فكان يتفقد هاتفه بين الحين والآخر، ويجيب عن مكالمات قصيرة بصوت منخفض. لم تسمعه يضحك مرة واحدة، ولم يبدُ مهتمًا بأن زوجته الجديدة تجلس بجانبه وكأنها تنتظر حكمًا بالإعدام.في النهاية، نفد صبرها.«ممكن أسألك سؤال؟»«سألتي بالفعل.»أغمضت عينيها للحظة.يا إلهي، كيف يستطيع شخص أن يكون مستفزًا إلى هذه الدرجة دون أن يبذل أي مجهود؟«أنا بتكلم بجد.»وضع هاتفه جانبًا.«اتفضلي.»«ليه أنا؟»لم يجب.فاستطردت:«أنت تقدر تساعد عيلتي من غير ما تتجوزني. تقدر تدفع الديون، تشتري البيت، تعمل اللي أنت عايزه. ليه مصمم على الجواز تحديدًا؟»ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة.ثم قال:«لأن الفلوس مش هتحل المشكلة.»«أنهي مشكلة؟»عاد ينظر إلى النافذة.«لما أعرف إنك بقيتي في أمان، هقولك.»ضحكت ضحكة قصيرة خالية من المرح.«في أمان من مين؟»هذه المرة، التفت إليها بالكامل.«من الناس اللي ممكن يأذوكي.»«وإنت منهم؟»ساد الصمت.لم تتوقع أن يجيبها بوضوح، لكنها لم تتوقع أيضًا أن يقول:«ممكن.»تجمدت ابتسامتها.نظر أمامه مجددًا، وكأن الاعتراف لم يعنه شيئًا.«بس مش هسمح لحد يقرب منك.»حدقت فيه طويلًا، ثم أشاحت بوجهها نحو النافذة.لم تعرف لماذا شعرت بالخوف من كلماته، ولا لماذا، رغم كل شيء، لم تستطع منع نفسها من ملاحظة الطريقة التي كان يتابع بها انعكاسها في زجاج السيارة.كأنه يتأكد من أنها ما زالت هناك.كأنه يخشى أن تختفي.---وصلت السيارة إلى قصر السيوفي بعد غروب الشمس بقليل.كان المنزل ضخمًا، تحيط به حديقة واسعة وأشجار عالية تحجب جزءًا من واجهته. أضاءت المصابيح الخارجية الممر الحجري المؤدي إلى الباب الرئيسي، فبدا المكان جميلًا وفخمًا، لكنه بارد على نحو غريب.نزل أدهم أولًا، ثم فتح لها الباب.مد يده ليساعدها على النزول.نظرت إلى يده، ثم إليه.«أقدر أنزل لوحدي.»سحب يده دون تعليق.«براحتك.»دخلت خلفه وهي تحاول ألا تُظهر انبهارها بالمكان. لم تكن معتادة على هذا النوع من الفخامة، لكنها رفضت أن تمنح أدهم فرصة ليشعر بأنها صغيرة أمامه.استقبلتهما امرأة في منتصف الخمسينيات، أنيقة المظهر، ترتدي ثوبًا بلون داكن وتتزين بمجوهرات بسيطة.ابتسمت لليلى.«أهلًا يا حبيبتي. أخيرًا نورتي بيتنا.»كانت تلك نادية السيوفي، والدة أدهم.اقتربت منها وقبلت وجنتها، ثم أمسكت بيديها تتأملهما بابتسامة واسعة.«أدهم قال لي عنك كتير.»التفتت ليلى إلى زوجها.«بجد؟»لم ينظر إليها.قالت نادية بسرعة:«طبعًا يا حبيبتي! هو بس مش بتاع كلام، من وهو صغير وهو كده.»ثم التفتت إلى ابنها.«خد مراتك ارتاحوا. أكيد اليوم كان متعب.»أومأ أدهم، وأشار إلى السلم.صعدت ليلى خلفه، حتى وصلا إلى جناح واسع في الطابق الثاني.كان مرتبًا بعناية، تتوسطه غرفة نوم كبيرة، وإلى جوارها غرفة جلوس خاصة وشرفة تطل على الحديقة.وقفت ليلى عند الباب، ثم التفتت إليه.«فين أوضتي؟»عقد حاجبيه.«دي أوضتك.»«أقصد أوضتي أنا. مش المفروض يبقى لكل واحد فينا أوضته؟»نظر إليها للحظة، ثم قال:«لو ده اللي يريحك، فيه غرفة تانية في الجناح.»لم تتوقع أن يوافق بهذه السهولة.«تمام. أنا هاخدها.»«زي ما تحبي.»تحرك نحو الباب، لكنه توقف قبل أن يخرج.«ليلى.»التفتت إليه.«إيه؟»«ما تدخليش المكتب اللي آخر الطرقة.»رفعت حاجبها.«ليه؟»«عشان مش عايزك تدخليه.»«وأنا المفروض أطيع الأوامر من أول يوم جواز؟»نظر إليها نظرة طويلة، ثم قال:«مش كل حاجة هتلاقيها هنا هتكون مستعدة تشوفيها.»خرج وأغلق الباب خلفه.ظلت ليلى واقفة مكانها، تحدق في الباب المغلق.«مجنون رسمي.»قالتها لنفسها، ثم اتجهت إلى الغرفة الأخرى لتضع حقيبتها.كانت تنوي النوم مبكرًا، وتجنب أي احتكاك جديد بزوجها الغامض، لكن شيئًا في كلامه ظل يزعجها.ما الذي يمكن أن يكون في مكتبه حتى يحذرها من الاقتراب منه؟ولماذا بدا وكأنه يعرفها منذ زمن؟---بعد نحو ساعة، خرجت ليلى من غرفتها بحثًا عن شاحن هاتفها.كانت قد فتشت حقيبتها مرتين دون أن تجده، وتذكرت أنها ربما تركته في غرفة الجلوس.الممر هادئ، والأضواء خافتة، ولم يكن هناك أي صوت سوى خطواتها.عندما مرت أمام المكتب الذي حذرها أدهم منه، لاحظت أن الباب لم يكن مغلقًا بالكامل.ترددت.كان بإمكانها العودة إلى غرفتها.وكان بإمكانها، بكل بساطة، أن تحترم طلبه.لكنها تذكرت طريقته في الحديث، وكأنه يملك حق إخفاء أي شيء عنها لمجرد أنه دفع ديون عائلتها.دفعت الباب قليلًا.«أنا هدخل آخد الشاحن وأخرج. مش هسرق البنك يعني.»لم تكن تتوقع أن تجد الشاحن، لكن مكتب أدهم كان مرتبًا على نحو مبالغ فيه. أوراق مصطفة، وكتب موضوعة بعناية، وخزانة ملفات مغلقة.وعلى سطح المكتب، بجوار مصباح صغير، كان هناك إطار صورة.توقفت.لم تكن الصورة لرجل أو امرأة مجهولين.كانت صورتها هي.ليلى.بدت أصغر بسنوات، بشعرها الطويل وابتسامتها العفوية، واقفة أمام مبنى قديم لم تتعرف إليه من النظرة الأولى.اقتربت ببطء، ثم حملت الإطار.قلبها بدأ يدق بعنف.هي تتذكر الصورة.كانت قد التُقطت قبل سنوات طويلة، في يوم خرجت فيه مع والدها إلى مكان لم تزره منذ ذلك الحين.لكن كيف وصلت إلى مكتب أدهم السيوفي؟ولماذا يحتفظ بها؟قلبت الإطار، فوجدت ورقة صغيرة مثبتة خلفه.خط رجل.خط أدهم.وكان مكتوبًا عليها:«لو رجعت ليلى، ممنوع تعرف الحقيقة. حتى لو كرهتني.»شعرت ببرودة تسري في أطرافها.رجعت؟ماذا يقصد بأنها رجعت؟ومتى رآها أصلًا؟سمعت صوت خطوات في الممر، فالتفتت بسرعة.كان أدهم واقفًا عند الباب.لم يصرخ.لم يسألها ماذا تفعل في مكتبه.اكتفى بالنظر إلى الصورة في يدها، ثم أغلق الباب خلفه بهدوء.للمرة الأولى منذ رأته، اختفى البرود من عينيه تمامًا.«حطي الصورة مكانها يا ليلى.»قبضت على الإطار بقوة.«إنت تعرفني من إمتى؟»لم يجب.تقدمت خطوة نحوه.«أنا بسألك! الصورة دي عندك من إمتى؟ وإيه معنى الكلام المكتوب وراها؟»مد يده إليها.«هاتي الصورة.»تراجعت.«لأ.»تغيرت ملامحه.«ليلى، أنا مش بهزر.»«وأنا كمان مش بهزر! إنت اتجوزتني ليه؟ وكنت تعرفني قبل ما نتقابل؟»ظل ينظر إليها، وكأنه يحاول أن يقرر أي جزء من الحقيقة يمكنه أن يقوله دون أن يخسر كل شيء.ثم أطلق زفيرًا بطيئًا وقال:«أنا عرفتك قبل ما إنتِ تعرفيني بسنين.»شعرت بأن قلبها توقف للحظة.«إزاي؟»لم يجبها.بدلًا من ذلك، اتجه إلى مكتبه، وفتح الدرج السفلي، وأخرج ملفًا بنيًا قديمًا.وضعه أمامها.كان اسم والدها مكتوبًا على غلافه.أحمد محمود أحمد.تراجعت ليلى خطوة، وحدقت في الملف.«إيه ده؟»رفع أدهم عينيه إليها.«الحقيقة اللي كان المفروض تعرفيها من زمان.»مدت يدها نحو الملف، لكنه وضع كفه فوقه مانعًا إياها من فتحه.«بس قبل ما تقريه، لازم تعرفي إن جوازنا ماكانش صدفة.»نظرت إليه بصدمة.«يعني إيه؟»اقترب منها خطوة، وصوته انخفض حتى صار أقرب إلى الهمس.«يعني إن فيه شخصًا، لو عرف إنك بقيتي مراتي، هيعمل المستحيل عشان يوصلك.»«مين الشخص ده؟»صمت أدهم للحظة، ثم قال:«الشخص اللي أنا اتجوزتك عشان أوصله ليكي قبل ما يوصل لك.»تجمدت ليلى في مكانها.لأول مرة منذ بداية اليوم، لم تجد ردًا ساخرًا تقوله.ولم تستطع حتى أن تقنع نفسها بأنه يكذب.لأن أدهم، الرجل الذي لم تتجاوز معرفتها به ساعات قليلة، كان ينظر إليها الآن كما لو أنه يخشى عليها من شيء يعرفه جيدًا.شيء لم يخبرها به أحد.شيء ربما كان سببًا في كل ما حدث لعائلتها.وقبل أن تتمكن من سؤاله، رن هاتفه.نظر إلى الشاشة، فتبدلت ملامحه.رفض المكالمة.لكن الهاتف رن مرة أخرى.هذه المرة، أجاب.لم يتكلم الطرف الآخر طويلًا، ومع ذلك اختفى اللون من وجه أدهم.ثم قال بصوت جامد:«إنت متأكد إنها وصلت؟»صمت ليستمع.«لا. محدش يقرب منها.»أنهى المكالمة، والتفت إلى ليلى.كان قد عاد إلى بروده المعتاد، لكن عينيه فضحتاه.«اسمعيني كويس. من اللحظة دي، ممنوع تخرجي من القصر لوحدك.»شهقت غاضبة.«إنت بتتكلم بجد؟ إنت فاكرني إيه؟»اقترب منها، وقال بنبرة لم تسمعها منه من قبل:«أنا مش بطلب منك يا ليلى.»ثم نظر إلى باب المكتب.«هو وصل.»وفي اللحظة نفسها، دوّى جرس القصر.