سر في عقد زواجنا - الرجل الذي لا يجب أن تراه
سر في عقد زواجنا - الرجل الذي لا يجب أن تراه
تجمّدت ليلى في مكانها.«هو مين اللي وصل يا أدهم؟»لم يجبها.كان واقفًا أمامها، والهاتف لا يزال في يده، يحدق في الباب كأنه ينتظر أن يحدث شيء كان يخشاه منذ وقت طويل.عادت ليلى تنظر إلى باب المكتب، ثم إليه.«أنا بكلمك! مين اللي وصل؟»أغلق أدهم الملف البني ووضعه داخل الدرج، ثم استدار إليها.«ادخلي أوضتك، واقفلي الباب بالمفتاح.»ضحكت بذهول.«إنت بتهزر؟»«شكلي بهزر؟»«أيوه، لأنك من ساعة ما اتجوزنا وإنت بتكلمني كأني طفلة عندك عشر سنين! أنا مش هتحرك من هنا غير لما أعرف إيه اللي بيحصل.»اقترب منها، وأخذ الصورة من يدها بهدوء، ثم وضعها على المكتب.«ليلى، اسمعيني كويس. أنا مش بطلب منك تثقي فيا، ولا حتى تصدقيني. كل اللي محتاجه منك دلوقتي إنك تعملي اللي بقولك عليه.»«وليه؟»«لأن المرة دي مش هقدر أضمن إنك هتخرجي من الموضوع من غير أذى.»توقفت عن الكلام للحظة.كانت نبرة صوته مختلفة. لم يكن غاضبًا، ولم يكن يحاول إخافتها لمجرد السيطرة عليها.كان خائفًا بالفعل.لكنها لم تكن تعرف إن كان خوفه عليها أم على السر الذي يخفيه.«أنت بتخبي إيه عني؟»نظر إليها طويلًا.«حاجات كتير.»«على الأقل صريح في حاجة.»استدارت لتخرج من المكتب، لكنها ما إن فتحت الباب حتى وجدت رجلًا غريبًا يقف في الممر.كان في أواخر الثلاثينيات، يرتدي قميصًا داكنًا وسترة رسمية، وفي يده حقيبة جلدية صغيرة. لم يكن يبدو كأحد العاملين في القصر، ولم تكن ملامحه توحي بأنه جاء لزيارة ودية.ابتسم لليلى ابتسامة خفيفة.«مساء الخير.»لم ترد فورًا.ظهر أدهم خلفها، وما إن رأى الرجل حتى اختفت آخر ذرة هدوء من وجهه.«إنت بتعمل إيه هنا؟»رفع الرجل حاجبيه.«دي طريقة تستقبل بيها ضيوفك؟»«أنا سألتك سؤال.»نظر الرجل إلى ليلى، ثم أعاد عينيه إلى أدهم.«واضح إنك اتجوزتها فعلًا.»شعرت ليلى بأن الهواء أصبح أثقل.«إنت تعرفني؟»لم يجب الرجل، بل ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يتأمل وجهها.«أكتر مما تتخيلي.»أمسك أدهم بذراع ليلى وأبعدها خطوة عن الرجل، ثم وقف بينهما.«امشي يا مروان.»اختفت ابتسامة الرجل.«لسه زي ما إنت يا أدهم. فاكر إنك تقدر تقفل أي باب مش عاجبك وتفتكر إن المشكلة اختفت؟»«قلتلك امشي.»أخرج مروان ظرفًا أبيض من حقيبته، ومده نحوه.«أنا مش جاي أعمل مشكلة. جاي أديك حاجة كان لازم توصلك من زمان.»لم يأخذ أدهم الظرف.«مش عايز حاجة منك.»«حتى لو الحاجة دي تخص ليلى؟»ساد الصمت.شعرت ليلى بأن قلبها يدق بسرعة، ونظرت إلى أدهم تنتظر أن ينفي كلامه أو يطلب من الرجل تفسيرًا.لكنه لم يفعل.كان ينظر إلى الظرف كما لو أنه يعرف محتواه بالفعل.أخذ مروان خطوة إلى الأمام ووضع الظرف على الطاولة الصغيرة الموجودة في الممر.«افتحه لما تبقى لوحدك. ولو قررت إنك لسه هتخبي عنها، افتكر إنك مش الوحيد اللي عنده أسرار.»ثم التفت إلى ليلى.«مبروك يا مدام أدهم.»قالها وغادر.لم يمر سوى بضع ثوانٍ حتى دوّى صوت باب القصر الرئيسي وهو يُغلق.ظلت ليلى تحدق في المكان الذي اختفى فيه الرجل، ثم استدارت إلى زوجها.«مين ده؟»أجابها أدهم ببرود:«مروان.»«شكرًا، أنا عرفت اسمه من حضرتك. بسأل مين هو!»لم يرد.أشارت إلى الظرف.«وإيه اللي جابه؟»«مش موضوعك.»تراجعت خطوة، وكأن كلماته صفعتها.«مش موضوعي؟ ده جاي يتكلم عني أنا!»«ليلى...»«لأ، اسمعني إنت. أنا وافقت أتجوزك لأني كنت مضطرة أساعد عيلتي، لكن ده مش معناه إنك اشتريت حقي في إني أفهم حياتي!»للمرة الأولى، لم يجد أدهم ردًا سريعًا.نظرت إليه بعينين امتلأتا بالغضب.«أنا مش هفضل محبوسة في قصر، وكل شوية حد يظهر يقول إنه يعرفني، وإنت تقرر إيه اللي من حقي أعرفه وإيه لأ.»استدارت ومشت نحو غرفتها.هذه المرة لم يمنعها.لكنه ناداها قبل أن تصل إلى السلم.«ليلى.»توقفت دون أن تلتفت.«لو سألك أي حد عن أبوكي، متجاوبيش.»استدارت ببطء.«إيه علاقة أبويا بالموضوع؟»أدرك أدهم أنه قال أكثر مما ينبغي.تصلبت ملامحه، ثم قال:«ادخلي أوضتك.»حدقت فيه لثوانٍ، قبل أن تصعد السلم دون كلمة واحدة.لكنها لم تكن تنوي النوم.ليس بعد الآن.───في غرفتها، أغلقت ليلى الباب وجلست على حافة السرير.كان اسم والدها لا يزال يتردد في رأسها.لماذا ذكره أدهم؟وماذا يعرف مروان عنها؟والأهم، لماذا احتفظ أدهم بصورة قديمة لها، وكأنه كان ينتظر عودتها؟فتحت حقيبتها وأخرجت هاتفها، ثم بحثت عن اسم مروان الذي سمعته قبل دقائق.لم يكن لديها سوى الاسم الأول، ولم تكن تعرف من أين تبدأ.تذكرت فجأة أن والدها كان يحتفظ بصندوق خشبي صغير في خزانته القديمة. بعد وفاته، احتفظت والدتها بالصندوق ولم تسمح لها بفتحه، رغم أنها سألت عنه مرات كثيرة.قالت لها يومها إن بداخله أوراقًا لا قيمة لها.لكنها الآن لم تعد متأكدة من أي شيء.نهضت من مكانها، وفتحت الباب بحذر.كان الممر خاليًا.نزلت الدرج بهدوء، متجهة إلى غرفة الجلوس حيث تركت حقيبتها، لكنها توقفت عندما سمعت صوت أدهم يتحدث في المكتب.كان الباب مغلقًا، إلا أن صوته وصل إليها بوضوح.«أنا قلتلك إن الموضوع انتهى.»صمت قليلًا، ثم تابع بنبرة أكثر حدة:«لأ، هي لسه متعرفش حاجة.»اقتربت ليلى خطوة.«ومش هتعرف بالطريقة دي. لو عرفت دلوقتي، كل اللي عملناه هيروح.»سكت مرة أخرى.ثم قال جملة جعلت الدم ينسحب من وجهها:«أنا مش هسمح إن اللي حصل لأبوها يتكرر معاها.»تراجعت ليلى بسرعة، ووضعت يدها على فمها حتى لا يصدر عنها أي صوت.اللي حصل لأبوها؟ما الذي يقصده؟كانت تعرف أن والدها مات في حادث سيارة قبل سنوات. هكذا أخبروها دائمًا. لم تسمع يومًا أن هناك شيئًا آخر وراء موته.خطوات أدهم اقتربت من الباب.أسرعت إلى الاختباء خلف أحد الأعمدة القريبة، وحبست أنفاسها.خرج أدهم من المكتب وهو يحمل الظرف الأبيض.توقف في منتصف الممر، ونظر حوله كأنه شعر بوجود أحد.ظلت ليلى ساكنة تمامًا.بعد لحظات، صعد أدهم إلى الطابق العلوي.انتظرت حتى اختفى صوته، ثم خرجت من مخبئها.كان الظرف قد اختفى معه.لكنها لاحظت شيئًا آخر.باب المكتب لم يُغلق بالكامل.───دخلت ليلى المكتب للمرة الثانية تلك الليلة.لم تكن تبحث عن الصورة هذه المرة، ولا عن الملف البني.كانت تريد إجابة واحدة فقط: ماذا حدث لوالدها؟اقتربت من المكتب وفتحت الدرج الذي رأته أدهم يضع فيه الملف.كان مغلقًا بمفتاح.فتشت بعينيها بين الأوراق، ثم لاحظت سلسلة مفاتيح صغيرة بجوار المصباح.جربت أحد المفاتيح.لم يفتح.جربت الثاني.صدر صوت نقرة خافتة.انفتح الدرج.كان الملف البني في الداخل، وإلى جواره مجموعة من الأوراق والصور القديمة.أخرجت الملف بسرعة وفتحته.في الصفحة الأولى، وجدت صورة لوالدها.لم تكن صورة عائلية عادية. كان يقف أمام مبنى لم تعرفه، وبجواره رجلان لا يظهر وجه أحدهما بوضوح.قلبت الصفحة.ثم توقفت.كان هناك تقرير قديم عن حادث السيارة الذي مات فيه والدها.قرأت التاريخ مرة، ثم أعادت قراءته.لم يكن التاريخ مختلفًا عن التاريخ الذي تتذكره.لكن أسفل التقرير كانت هناك ملاحظة مكتوبة بخط اليد:«تم تغيير إفادة الشاهد بناءً على طلب...»كان باقي السطر ممزقًا.شعرت ببرودة في أطرافها.من الشاهد؟ولماذا تغيرت إفادته؟رفعت الورقة أمام المصباح، لعلها تستطيع قراءة ما تبقى من الكتابة.وفي أسفل الصفحة، وجدت توقيعًا تعرفه جيدًا.توقيع أدهم السيوفي.تراجعت حتى اصطدمت بالكرسي خلفها.لا.مستحيل.لم يكن أدهم يعرف والدها، أو هكذا ظنت. لم يكن هناك أي سبب يجعل اسمه يظهر في تقرير يتعلق بموته.قلبت الأوراق بسرعة، تبحث عن أي تفسير.وفي آخر الملف، وجدت صورة صغيرة لمروان.كان أصغر سنًا، يقف إلى جوار والدها، وخلفهما سيارة سوداء.وعلى ظهر الصورة كُتبت عبارة قصيرة:«الشخص الوحيد الذي يعرف الحقيقة.»لم تسمع ليلى صوت الباب وهو يُفتح.لم تنتبه إلا عندما جاءها صوت أدهم من خلفها:«كنت عارف إنك مش هتسمعي الكلام.»استدارت مذعورة.كان واقفًا عند الباب، والظرف الأبيض في يده.نظرت إلى الملف المفتوح، ثم إلى التوقيع الذي ما زالت تمسك به.«إنت كنت تعرف أبويا؟»لم يجب.رفعت الورقة أمامه.«اسمك هنا يا أدهم! إيه علاقتك بموته؟»أغلق الباب ببطء، ثم وضع الظرف على المكتب.«حطي الورق مكانه.»ضحكت بذهول، والدموع تتجمع في عينيها.«ده كل اللي فارق معاك؟ الورق؟»«ليلى، اسمعيني...»«إنت كنت تعرفه؟»أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما.«أيوه.»شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها.«من إمتى؟»لم يجب.اقتربت منه، ورفعت صوتها:«من إمتى يا أدهم؟»قال أخيرًا:«من قبل ما أبوكي يموت.»ساد صمت ثقيل.كانت تلك أول إجابة حقيقية تحصل عليها منه منذ بداية زواجهما.وأقسى إجابة كان يمكن أن تسمعها.نظرت إلى الرجل الذي أصبح زوجها منذ ساعات، وحاولت أن تجد في ملامحه ما يثبت أنه لا يخدعها.لكنها لم تجد سوى ذلك البرود الذي بدأ يتحول في عينيها إلى شيء آخر.الخوف.«إنت كنت موجود يوم الحادث؟»لم يتحرك.لم ينفِ.ولم يقل نعم.كل ما فعله أنه نظر إلى الورقة في يدها، ثم قال بصوت منخفض:«لو عايزة تعرفي الحقيقة، لازم تعرفي إن فيه حاجات هتتمني بعدها إنك ما سألتيش عنها.»هزت رأسها ببطء.«أنا مش خايفة من الحقيقة.»نظر إليها طويلًا.«عارف.»ثم فتح الظرف الأبيض الذي أحضره مروان، وأخرج منه ورقة واحدة.دفعها نحوها.«عشان كده لازم تشوفي دي.»نظرت ليلى إلى الورقة.كان عنوانها واضحًا، وتحته اسم والدها، ثم تاريخ يسبق وفاته بأيام قليلة.لكن ما جعلها تتجمد لم يكن التقرير نفسه.كان التوقيع الموجود أسفله.توقيع والدها.وتحته جملة واحدة:«إذا حدث لي شيء، فلا تثقوا بأدهم السيوفي.»رفعت ليلى عينيها ببطء.كان أدهم واقفًا أمامها، يراقب صدمتها دون أن يحاول الدفاع عن نفسه.«ليه أبويا كتب كده؟»لم يجبها.للمرة الأولى، شعرت أن صمته أخطر من أي اعتراف.ثم قال:«لأن أبوكي كان عنده سبب يخاف مني.»تراجعت ليلى خطوة.«وإنت فعلًا كنت خطر عليه؟»لمعت في عينيه مشاعر لم تستطع فهمها.حزن، وربما ندم.لكنه لم ينكر.وفي تلك اللحظة، أدركت ليلى أن الرجل الذي تزوجته لإنقاذ عائلتها قد يكون آخر شخص في العالم يجب أن تثق به